بعد نهاية الحرب الباردة، وبينما كان العالم يشهد اختفاء الايديولوجيات وانتفاء العنف الذي حكم العلاقات الدولية، أضرمت العالم سلسلة من النزاعات ذات الطابع الديني او العرقي. تدشّنت هذه النزاعات بحرب لبنان، لتندلع بعدها صراعات ذات طابع طائفي أو عرقي مشكّلة السمة المسيطرة في الازمنة الجديدة هذه. في البوسنة، أو في روندا، في سييراليون كما في ليبيريا، في الكونغو كما في انغولا، نشأت مجموعات عرقية أو طائفية خفية عن الدولة بنيّة الانقلاب عليها أو الحلول مكانها. لم تكن مسألة الهوية موضوعاً ملحّاً كما هي عليه الآن، من شياباس الى ساحل العاج، من تيمور الشرقية الى افغانستان... بالطبع، لا يمكننا ادراج هذه الصراعات المتعددة ضمن خندق واحد، فلكل نزاع اسبابه وخصائصه. الا أنّ هذه العودة الى الهوية واستخدامها كأداة، والدفاع عن مُثُل وقيم ذات طابع طائفي، واستخدام الدين لمآرب سياسية ولاثبات الذات، أمور تحدّد نوعاً من الصراع الذي يشعل مواجهات من الاشدّ دموية. لهذا السبب، وان خضع "صراع الهويات" لاعادة النظر والبحث، فذلك لا يمنع من أنه يضم مجموعة من الخصائص المتكررة كالقاسم المشترك، التي تسهم في عدد كبير من الصراعات المعاصرة. يبقى أنّ حروب الهويات تسير في "عكس التيار" في العالم الذي هو عالمنا. في عصر العولمة وتخطي الحدود، تتميّز هذه الحروب بانهيار الدول، تحللها وتقلصها الى مجموعة من طوائف منقسمة، متجاورة في حال حرب. تبدو المجريات وكأنّ الاختلاف "عاد" في حين يتآمر الكلّ في العالم لمحوه. ماذا تعني هذه الحروب التي تخاض باسم "الهوية"؟ لماذا اشتعلت في اطار كان، من الناحية النظرية، غير ملائم لبزوغها؟ تتوافر تفسيرات عدة للظاهرة هذه. يقضي التفسير الاول بأنّ الصراعات هذه نشأت بفعل هشاشة المجتمعات السياسية في الجنوب التي تأسست وتطورت على نموذج "الدولة - الامة" الغربي لكنها لم تكن تتمتع بالموارد، ولا الثقافة الوطنية الكافية للصمود في مهب رياح التغيير. ليس سقوط الدولة - الامة سوى دليل على استنزاف النموذج الغربي المستورد. وما يقظة الهويات سوى تبعة غير مباشرة لسقوط الايديولوجيا الوطنية الجامعة والاستعاضة عنها بصيغ اضيق واشدّ انكماشاً. يقضي التفسير الثاني بانّ العولمة لا تتمتع بالقيمة أو الاهمية عينهما بالنسبة الى الكلّ. فحيث يُنظر الى العولمة على أنها دليل انفتاح وتقدم، على رغم الانتقادات التي قد يوجّهها بعض التيارات "المشوهة للعولمة"، ما زالت الشعوب تستقبلها بخوف وريبة، هذه الشعوب التي ترى فيها سبباً اضافياً للتهميش، الاقصاء والسيطرة. بالتالي، يصبح اللجوء الى رموز الهوية جواباً بل بديلاً عن فقدان اللون في هذه المجموعات الكبيرة وعن الخوف من الذوبان في هذه المساحات الواسعة. اخيراً، تتجلّى مصاعب الديموقراطية ووجوهها الجديدة في خضم هذه الصراعات على الهوية. ليست الديموقراطية دائماً مسألة أفراد. انها تمس الطوائف ايضاً وتأخذ على عاتقها الجماعات عبر تمثيلها. كيف السبيل الى مزاوجة تمثيل الافراد وآرائهم مع تمثيل طوائفهم؟ كيف تؤخذ في الاعتبار ضروريات الديموقراطية، التي تعني تمثيل الآراء الفردية من جهة، وتلبية رغبة الجماعات بالمشاركة في السلطة من جهة أخرى. كيف الوصول الى ارساء هرمية للانتماءات المتعددة للفرد واحترامها بطريقة تتناغم مع الكيان الوطني؟ هذه الخصائص التي تجعل الصراعات والمواجهات على الهوية، والتي تمثل في الوقت عينه خصائص الانعزال، الانطواء والانغلاق، هي التي تحمل التساؤلات التي يطرحها معاصرونا. بعيداً من أن تتشبه بصراعات العصور الغابرة، تدفع نزاعات الهوية الى التساؤل عن الابعاد المكونة لارادة العيش المشترك الخاصة بمجتمعات أخذت ايضاً على عاتقها هموم عن مستقبل الثقافات وقدرتها على الاستمرار في وجه التشابه الكاسح. بعيداً من التحليلات السياسية البحتة او المتعلقة بميزان القوى، رهانات الصراع على الهوية مزدوجة. انها، من جهة، معرفة كيفية الوصول الى صيغ ديموقراطية كي لا تفضي النزاعات بين الجماعات الى اختفاء الفلك الذي تتحرك فيه، بينما تكمن، من جهة أخرى، في ضرورة التعايش والاعتراف المتبادل من قبل الجماعات الانسانية التي تتخبّط بين التعايش الاخوي مع الاخر و"الاختلاف المقلق" الذي قد يوحيه لها التنوع الثقافي هذا. نقلتها عن الفرنسية أمل الاندري. * كاتب لبناني. مدير مركز الابحاث عن السلام - باريس ، والنص خلاصة ورقة القاها في مؤتمر عقد اخيراً في جامعة القديس يوسف في بيروت.