تثير كلمة طائفة كثيرا من سوء الفهم والتفاهم بين الناس، إذ قلما نجد كلمة أخرى غيرها في أيامنا أثارت تلك الأمواج العاتية من الانفعالات والتفاعلات المشحونة بالتوتر والاضطراب، بسبب الخلط بين كلمتي طائفة وطائفية، فضلا عن الخلط بين الدين والسياسة، مما يدعونا إلى التمييز بينهما. إذ إن كلمة طائفة هي من (طاف، يطوف، طواف، فهو طائف) تعني جماعة أو زمرة أو جزء، فالبناء اللفظي يحمل معنى حركة الجزء في الكل دون أن ينفصل عنه، فمن الممكن أن يجتمع عدد من أفراد قوميات متعددة في طائفة واحدة بخلاف أوطانهم أو لغاتهم، مثل الطائفة الإسماعيلية في الهند واليمن والعراق وأوروبا وغيرها. وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) الحجرات. وهذا هو معناها في المعاجم والقواميس العربية، وهي ترمز إلى حالة التعدد والتنوع الاجتماعي الثقافي للناس في منظومة الوحدة الإنسانية، وبهذا المعنى تختلف الطائفة عن الطائفية بما تحمله (الطائفية) من شحنة أيديولوجية عالية التوتر وشديدة الانفجار، ومن ثم فإن علينا الاحتراز والحذر من تعريفاتها الآتية من السياقات المغايرة، لاسيما الغربية المعلمنة تحديدا، إذ إنهم لا يميزون بين طائفة وطائفية، فهذا عالم الاجتماع الإنجليزي أنتوني جندز يعرف الطائفة بأنها «الجماعة الدينية التي فقدت حيويتها وقدرتها على التجدد وأصبحت هيئة ممأسسة ينصاع لسلطتها أعداد مهمة من الناس». وهذا ما دفع بعض الباحثين العرب إلى التشديد على التمييز بين مفهومي الطائفية والطائفة كما جاء في مقالة للكاتب العراقي عبد رب الحسين شعبان (الطائفة والطائفية.. المواطنة والهوية!) إذ أكد «أن الطائفية تختلف اختلافاً جذرياً عن الطائفة، ذلك أن الأخيرة هي تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وإرث طقوسي تواصل عبر اجتهادات فقهية ومواقف نظرية وعملية، في حين أن الطائفية، هي توجّه سياسي يسعى إلى الحصول على امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة أو ادعاء تمثيلها أو إثبات تمايزات عن الطوائف الأخرى، حتى إن كان بعضها فقهياً أو شكلياً، وأحياناً مفتعلاً وأغراضياً بهدف الحصول على المكاسب». ومن هنا تبرز أهمية المنظور النقدي للمسألة الطائفية، بدلا من الاكتفاء بإدانتها مع ضرورة التمييز بين التعصب والانتماء، وهذا ما أوضحه المفكر الفلسطيني عزمي بشارة، مشددا على التمييز بين الطائفة الاجتماعية والطائفية السياسية، إذ أكد أن الطائفية الاجتماعية حالة تاريخية ثقافية في كل المجتمعات الإنسانية، بيد أن المشكلة تنجم في تسييسها «فالطائفية نظام سياسي اجتماعي وليس دينا أو تديّنا بالضرورة.. فكثير من الطائفيين غير متديّنين». في حين ذهب المفكر السوري برهان غليون إلى أن الطائفية هي «مجموع الظواهر التي تعتمدها الجماعة من أساليب ما قبل سياسية في سبيل تحقيق مكاسب أيديولوجية». فالدين ليس نهج اعتقادات وحسب بل هو كذلك نهج قوى اجتماعية وسياسية متصارعة. وتكمن ميزة الدين في قوة تأثيره السحرية في ضمائر وعقول المؤمنين به ودفعهم للقيام بما يطلب منهم في أي وقت من الأوقات، والصراع ينبه إلى إجراءات تحقيق الذات للنحن الطائفية. وهذا ما أوضحه الأمريكي سكوت هيبارد في كتابه (السياسة والدين والدولة العلمانية) إذ أكد «أن سياسة مبارك في مصر كنت تستخدم الدين والقومية مضفية صبغة طائفية إسلامية على المجال العام مما خلق بيئة سياسية اضطهد فيها المسيحيون الأقباط والمفكرون العلمانيون وغيرهم ممن كانت لهم آراء دينية معارضة.. وهذا ما جعل الطوائف المضطهدة في مصر تتخذ وضعية المواجهة، والاضطهاد والإقصاء يعمق شعور المضطهدين بهويتهم، كما يفعل (الطرق على المسمار في الخشب) و«يستجيب تبلور الطوائف الفائرة لطلب الترحم بالانتقال إلى بنية نفسية للحرب تكون بمنزلة جواب تكيفي على التهديد الخارجي. ويدفع تجدد التوتر (نحن – هم) بالجماعة المنخرطة نحو فضاء ذهني انكفائي بشكل مضاعف، يتميز بالمقابلة بين (جيد – رديء ، نظيف – وسخ)، التي تختص بها الانفعالية الطفولية، وبالمقابلة (مقدس – مدنس، داخل – خارج) التي يختص بها رد الفعل الديني على التهديد. ويضاف مجددا البعد الجدالي لانفعالية الزمرة إلى البعد الانفعالي للمناظرة.. «فليس (هناك) أفضل من مؤمن لتعذيب مؤمن آخر شرط أن يكون من الطائفة نفسها. فأتباع المسيح المخلّص قد اغتالوا بلا ريب، في زمانهم من المسيحيين أكثر مما اغتال أتباع (الهلال) الخصيب». وهكذا تتجلى الطائفية بوصفها خطابا أيديولوجيا يهدف إلى تفعيل الطائفة وتشغيلها بوصفها رأسمال اجتماعي ثقافي مادي ورمزي لتحقيق مكاسب استراتيجية متنوعة بالمعنى الواسع للكلمة، والطائفية تخفي الطائفة، كما تخفي السياسة السياسي. ويصعب فهم الهويات الجماعاتية بمختلف صيغها الذاتوية وتفسير نشوئها وتبلورها (أقليات، طوائف، مذاهب، ملل، نحل) بمعزل عن شبكة علاقات الهيمنة بين (الأنا – الأخر – ال نحن – ال هم) إذ إن كل شي هنا مرهون بالكيفية التي نتمثل فيها صورة الآخر، إذ «يرتبط سؤال الآخر ارتباطا تكامليا بسؤال الهوية. فالهويات تتكون نتيجة لعبة الاختلاف.. فالآخر هو ما يروغ من شعورنا وتعرفنا، وهو ما يكون خارج (ثقافتنا) وجماعتنا. فهو اللا ذات واللا نحن، إذ كيف نتوافق مع واقعية آخر الآخرية مع الغيرية والغريب والمجهول؟ كيف نهتم بالتعرف المزعج فعلا على أهمية الآخر ل (نحن). فالاختلاف والغيرية هو أصل وأساس الهوية. ويذهب الفيلسوف جيل دولوز إلى أن «كل الهويات ليست بأكثر من اختلاقات مصطنعة بوصفها «أثرا» بصريا عن لعبة أعمق هي لعبة الاختلاف».