جاران في حيّ المنصور في بغداد في السبعينات. شابان سينفجران في عواصم العالم سلسلة لا تنتهي من القنابل. سيقلقان المطارات والموانئ والسفارات وأجهزة الأمن والدول، وسيكون مجرد ذكر اسم أحدهما كافياً لإشاعة القلق أو الرعب أو حال الاستنفار. جاران في حي في بغداد. جاء الأول من فنزويلا. اسمه ايليتش راميريز سانشيز وعُرف ب"كارلوس". وجاء الثاني من فلسطين واسمه صبري البنا أبو نضال. وسيذهبان بعيداً في النضال ولعبة العبوات. سيذهبان في القتال والقتل حتى السجن أو "الانتحار". سألت "الحياة" كارلوس عن تجربته مع "أبو نضال" فأحالها إلى نص كتبه بعد مقتله وأجاز لها استخدامه. وفي ختام النص يقول كارلوس: "أنا لا اشاطر "فتح" أخلاقياتها السياسية - التنظيمية، ولا اشاطر "فتح - المجلس الثوري" أساليبها ومناهجها الصارمة والاندفاعية... لكنني أجد لزاماً عليّ هنا أن أحيي ذكرى جاري القديم في حي المنصور في بغداد، الرجل الذي كان مقاتلاً شجاعاً وعنيداً في سبيل تحرير فلسطين. أبو نضال، فلترقد روحك في سلام". ويروي كارلوس قصة لقاء عقد في الخامس عشر من شهر أيار مايو 1976 في منزل الدكتور وديع حداد في بغداد ولعب خلاله دوراً في رفض عرض قدمه "أبو نضال" لتقديم مساعدة عسكرية لمجموعة المانية كانت تعمل مع "المجال الخارجي" بزعامة حداد الذي تعهد كارلوس وأطلقه. ويقول كارلوس: "واصل أبو نضال عملياته ضد الصهاينة، وضد العرب الذين يفاوضون إسرائيل، في الوقت الذي وسع شبكاته في البلدان العربية والأجنبية. وهنا لا بد من أن نذكر أن أول عون مالي للانتفاضة الأولى أتى من إيران، من طريق أبو نضال. ومنذ ذلك الحين رحنا، أنا ورفاقي في منظمة الثوريين الأمميين نلتقي أبو نضال ورفاقه في بعض البلدان العربية وفي بعض البلدان الأجنبية الصديقة". وفي سجنه الفرنسي سجّل كارلوس ملاحظات على ما جاء على لسان عاطف أبو بكر في "الحياة" في إطار سلسلة "يتذكر"، وقال في النص نفسه: "قرأت التصريحات التي أدلى بها عاطف أبو بكر إلى صحيفة "الحياة" المعروفة بجديتها، من طريق ما نشر عنها في صحيفة "لوموند". وأريد هنا، من دون أن أضع موضع الشك كلام أبو بكر أو نزاهته، أريد أن أقر بأن تصريحاته هزتني وأربكتني. فأنا لا اعتقد أبداً أن العملية المسماة "لوكربي" كانت من تدبير أبو نضال... كذلك لا اعتقد أنها من تدبير ليبيا". لا يقر كارلوس بعض أساليب "أبو نضال" لكنه لا يشكك في "اخلاصه لمعركته من أجل تحرير فلسطين". ويؤكد أن "أبو نضال" "لم يكن مرتزقاً ولا عميلاً لأي دولة"، مشيراً إلى أن اسم "فتح - المجلس الثوري" كان أحياناً مجرد غطاء لعمليات نفذتها قوى أخرى. إنها ضريبة الجغرافيا. حين يصبح المرء مطلوباً وطريداً يحتاج إلى ملاذ آمن. وحين يعثر عليه لا بد من دفع ثمن الحماية. تنقل كارلوس بين العواصم. وتنقّل "أبو نضال" أيضاً. والدول التي تستقبل المطلوبين ليست جمعيات خيرية. فهي تستضيفهم في مقابل خدمات وتحولهم أوراقاً للتفاوض "وتنتحرهم" عند الضرورة. في الخرطوم أطبق الفخ على كارلوس الذي يمضي أيامه في السجن الفرنسي في ظل نظام العزلة. وفي العراق اطبق الفخ على "أبو نضال". والرجلان أمام محكمة التاريخ. سرق أسامة بن لادن منهما النجومية ولقب المطلوب الرقم واحد في العالم.