في معرض درسه الخيارات الاستراتيجية لقطاع النفط السعودي والغاز ذكر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي أن عدداً من المخططين السعوديين يشعر أن بلاده تحتاج إلى اجتذاب استثمارات محلية وأجنبية إلى بعض قطاعات الطاقة بغض النظر عن الإستراتيجية التي تتبناها لكن السؤال الرئيسي تركز حول مدى حجم هذه الاستثمارات وفي أي القطاعات لاسيما إن كان يتعين السماح للشركات الأجنبية بالاستثمار في العمليات الفوقية لقطاع النفط أم قصرها على قطاع الغاز. أشار كبير الباحثين في المركز أنطوني كوردسمان في الجزء الأخير من مسودة دراسة بعنوان "تخطيط مستقبل قطاع النفط والغاز السعودي" أن السعودية ألمحت في خريف 1998 أنها تفكر في احتمال فتح صناعة النفط الوطنية أمام الاستثمارات الأجنبية معرباً عن اعتقاده أن اجتماع ولي العهد الأمير عبدالله مع رؤساء الشركات الأميركية العملاقة في واشنطن آنذاك ودعوتهم الى تقديم اقتراحات في هذا الشأن أظهرت أن السعودية تدرس السماح للشركات الأجنبية بالاستثمار في العمليات الفوقية والتحتية لقطاعي النفط والغاز على حد سواء. وقال كوردسمان: "سارع عدد من شركات النفط الدولية إلى التعبير عن حماسه للمشاركة وزار المدير التنفيذي لشيفرون كينيث دير السعودية وصرح أن شركته عرضت خططاً لتطوير كل قطاعات صناعة النفط السعودية كما قام رئيس مجلس إدارة تكساكو بيتر بيجور بزيارة مماثلة حيث عرض اقتراحاً يتعلق بمشاريع الغاز فيما أعلنت أتلانتيك ريتشفيلد وكونوكو وفيليبس بتروليوم اعتزامها تقديم اقتراحات لم تحدد طبيعتها. وأبدت كل من "إكسون وموبيل قبل اندماجهما اهتمامهما بالمشاركة في عمليات التنقيب عن النفط والإنتاج وعلى رغم أن ولي العهد الأمير عبدالله لم يعقد اجتماعات مماثلة مع شركات النفط الأوروبية إلا أن السعودية أجرت أواخر عام 1998 اتصالات واسعة للغرض نفسه شملت مجموعتي بريتيش بتروليوم لاحقاً بي بي أموكو ورويال داتش/ شل وإيني الإيطالية وإلف أكيتين ومجموعة توتال فينا الفرنسية البلجيكية. وأعرب الباحث الأميركي عن اعتقاده أن حماس الشركات الأجنبية قام على توافر حافز قوي للاستثمار في بلد يملك احتياطاً ضخماً من النفط الخام ويتمتع بكلفة إنتاج منخفضة فيما تمثلت حوافز السعودية لفتح قطاعها النفطي في حاجتها إلى رؤوس أموال ضخمة للاستثمار في غالبية قطاعات الطاقة، لاسيما قطاع الغاز، وإيجاد سبل للتخفيف من الضغوط المالية التي عرضت الموازنة السعودية للعجوزات في مدى أعوام عدة. التحديث وقال كوردسمان: "بحلول خريف 1998 كانت عائدات النفط السعودية انخفضت بنسبة 50 في المئة مقارنة مع عام 1996 وتوقعت الحكومة تعرض موازنتها لعجز قد يصل إلى 8 بلايين دولار ومن الواضح أن انهيار أسعار النفط دفع السعودية لدرس اجتذاب الاستثمارات الأجنبية في مجالات الطاقة ومن الواضح كذلك أن السعودية شعرت بالحاجة إلى تحديث آرامكو وقاعدتها التكنولوجية إذ على رغم أن أرامكو هي واحدة من أكثر الشركات الوطنية كفاءة إلا أنها عانت من عدم توافر السيولة النقدية لتمويل عمليات التنقيب والتطوير طوال الجزء الأعظم من الثمانينات والتسعينات". لكن الباحث أشار إلى أنه لم يكن هناك إجماع على ضرورة فتح قطاع النفط أمام الاستثمارات الأجنبية وأن النقاش العلني الذي دار في السعودية حول نوع الاستراتيجية المطلوب تبنيها ونوع الاستثمارات المفضلة انتهى، لاسيما بعدما خفت حدة المشاكل الاستثمارية كنتيجة لانتعاش أسعار النفط الخام في أوائل عام 1999، لغير صالح السماح بالاستثمار الأجنبي في حقول النفط البحرية. ولفت كوردسمان إلى أن السعودية حددت خياراتها حين دعا وزير النفط علي النعيمي الشركات الأميركية لتقديم اقتراحات لاستغلال إحتياط الغاز السعودي وقال في مؤتمر صحافي في شباط فبراير 1999: "إن الاقتراح الناجح سيكون اقتراحاً لتطوير قاعدتنا الصناعية باستخدام الغاز الطبيعي كوقود... نتطلع إلى أفكار واقتراحات تتعامل مع المشاريع التكاملية التي ستمنحنا منتجا نهائياً مثل المياه المحلاة والطاقة الكهربائية والمنتجات البتروكيماوية". وأضاف النعيمي فيما يتعلق بقطاع النفط: "نسعى لزيادة كفاءة عمليات التكرير وتحسين إنتاج زيوت التشحيم. العقلاء يفعلون أعمالا معقولة ولدينا 261 بليون برميل من الاحتياط ولدينا زهاء 80 حقلاً نفطياً وننتج فقط من 8 أو 9 حقول ولدينا طاقات إنتاج احتياطية بمقدار مليوني برميل يومياً لسنا بحاجة لتوسيع طاقات إنتاج النفط في الوقت الراهن". ولاحظ كوردسمان أن اهتمام الشركات الأميركية انعكس في اقتراحات المشاريع التي عرضتها على السعودية وأوضح النعيمي طبيعتها في كلمة ألقاها في هيوستن، أحد أهم مراكز صناعة النفط الأميركية، في العام المذكور، إذ أشار إلى أن المشاريع التي تحتاجها السعودية يمكن أن تشمل البتروكيماويات والطاقة الكهربائية وتحلية المياه... أي المشاريع التي من شأنها أن تكمل صناعاتنا وشركاتنا الوطنية لا أن تحل محلها. وأضاف: "يسعدني القول إن الكثير من الاقتراحات التي تلقيناها ينسجم مع احتياجاتنا ويتفق مع المعايير التي ذكرتها للتو". وأوضح الباحث أن "مبادرة الغاز السعودية" التي انطلقت رسمياً في أيار مايو الماضي باختيار عشر شركات لاستثمار 25 بليون دولار في ثلاث مجموعات من المشاريع الهادفة إلى دمج العمليات الفوقية للغاز مع العمليات التحتية تعتبر المفتاح الرئيسي للاستراتيجية السعودية بخصوص الاستثمارات الأجنبية ومن شأن نجاحها أن يحقق خفضاً كبيراً في الاستهلاك المحلي من النفط الخام وإتاحة مصدر من الوقود المأمون بيئيا لأغراض توليد الكهرباء وتحلية المياه والاستهلاك الصناعي والمنزلي علاوة على التنويع باتجاه منتجات الغاز لما لايقل عن ثلاثة إلى أربعة عقود. لكن كوردسمان أعرب عن اعتقاده أن الكثير من عناصر النجاح يكمن في ما إذا كانت السعودية ستخضع الغاز لأسعار السوق من أجل ضمان استخدامه بحكمة. وقال: "إن النقاش السعودي عن استراتيجية الغاز يركز أكثر من اللزوم على مسألة إيجاد الاستثمارات المطلوبة وأقل من اللزوم على ضرورة تطبيق استراتيجية تسعير عقلانية في أقرب وقت ممكن". مشيراً إلى أن الدعم غير المباشر الذي يحصل عليه الكثير من المشاريع السعودية المستهلكة للغاز على شكل أسعار مخفضة من شأنه تشجيع الاستثمار في عمليات تفتقر إلى الكفاءة. وعرض الباحث لمكانة مشاريع الغاز في الإطار الاقتصادي العام مؤكدا أن حاجة السعودية إلى الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل لا يعني أن قطاعها النفطي سيفقد أهميته بالنسبة لمستقبلها وقال: "على رغم أن صادرات النفط في حد ذاتها لايمكنها تلبية احتياجات السعودية في القرن الحادي والعشرين لكنها ستبقى أهم مصادر الدخل وستبقى السعودية ذات اقتصاد يقوده قطاع النفط والغاز". وأضاف: "ان جانباً كبيراً من محصلة جهود تنويع مصادر الدخل ونمو القطاع الخاص سيتألف من مشاريع تحقق القيمة المضافة وتوفر فرص العمل في عمليات التصنيع القائمة على النفط والغاز. ومهما بلغ نجاح الإصلاحات الاقتصادية والديموغرافية والاجتماعية ستبقى المكانة الاستراتيجية للسعودية وإقتصادها وقدرتها على تلبية توقعات مواطنيها معتمدة بشكل أساسي على العائدات التي يجنيها قطاع النفط والغاز الذي شكل العام الماضي 39 في المئة من إجمالي الناتج المحلي ونسبة تراوح بين 90 و 95 في المئة من عائدات الصادرات و70 في المئة من الدخل الحكومي". وخلص كوردسمان إلى أن أنجح الإصلاحات الاقتصادية سيحتاج إلى زهاء عقد من الزمن لإحداث خفض رئيسي في مستوى اعتماد السعودية على النفط والغاز وسيعتمد الكثير من أشكال تنويع مصادر الدخل والسعودة على مقدار القيمة المضافة التي يمكن إحداثها في هذا القطاع من طريق زيادة صادرات المنتجات المرتبطة بالنفط والغاز ما يجعل استراتيجية الطاقة ذات أهمية حيوية بالنسبة لمستقبل السعودية بقدر ماهي استراتيجية التعامل مع النمو السكاني والإصلاح الاقتصادي".