تحتل كلمة الشيطان مكاناً واضحاً في مفردات السياسة المعاصرة في الشرق الأوسط، ولأن العالم دول الغرب تحديداً يضم عدداً كبيراً من الشياطين، فإن الأمر اقتضى تعريف أميركا بأنها "الشيطان الأكبر" لكي لا تنصرف جهود الناس لمحاربة شياطين أقل أهمية. وفي الأشهر الماضية وصف دعاة السلام في مصر بأنهم وكلاء الشيطان الذي هو إسرائيل بالطبع، وطلب إليهم أن يتوبوا عن دعوتهم للسلام، وذلك بإلغاء وكالتهم عن الشيطان التي تتمثل في صداقتهم له. سنتناول في كلمتنا الشيطان ليس كما رسمت صورته وسيرته الرسالات السماوية، بل كما أنتجه العقل الجمعي عبر آلاف السنين بوصفه الشر الخالص القادر على التهام كل خير وأي خير، والذي يجب ألا تقوم فكرة حياله سوى القضاء عليه بكل ما يملك البشر من قوة. وأية أفكار أخرى تساور أذهان الناس حوله، سوف تُعد - حتماً - فكرة شيطانية من صنعه هو. أما كلمة التوبة، فنحن نستخدمها ليس بمعناها الديني، بل بمعناها الثقافي أو الفكري أو السياسي، أي التلبية الحرة، أو الاستسلام بلا قيد أو شرط لرغبة الجماعة في تخلي الفرد أو الأفراد عن فكرة اعتنقوها لا ترضى عنها الجماعة. في إطلالة سريعة على التاريخ، سنكتشف أن ثنائية الشيطان - التوبة لها جذور قوية في الفكر البشري، وأنها عبر فصول التاريخ ستتخذ مظاهر مختلفة، لكن جوهرها سيظل ثابتاً. وفي محاولة تفسيري لتلك الظاهرة أحذر القارئ من تصور أنني أقدم الكلمة الفصل في هذا الموضوع، إنما مجرد وجهة نظر ربما كانت مفيدة في فهم هذه الثنائية القديمة قدم التاريخ. المؤمن بفكرة سائدة يبحث دائماً عن المزيد من اليقين بها يجعله أكثر التصاقاً بالجماعة وذوباناً فيها، فالجماعة تمنحه قوة هائلة وتخفف عنه في الوقت نفسه عبء الحرية. هو بين الجموع سيتحول إلى مخلوق جبار قادر على أن يأتي بأفعال لا يتصور هو نفسه وهو جالس بمفرده، الجرأة على فعلها. هذا الشخص المهذب اللطيف الذي يمر على واجهات المحلات الزجاجية معجباً ومتمنياً ما تعرضه، هو نفسه الذي سيتحول وسط الجماهير الغاضبة إلى محطم ومدمر لها، بل إلى شمشون يهدم كل المعابد على كل الرؤوس. غير أن البشر لا يعرفون اليقين الدائم الشامل، فبين الحين والآخر سيساورهم بعض الشكوك في ما يؤمنون به من أفكار أو مسلمات، خصوصاً المقدس منها، وستدور داخلهم معركة أو بالقليل بعض المناوشات بين ما يعتقده القلب وما يفرضه العقل. وسط غبار هذه المعركة ستبدأ صورة في التشكل هي صورة الشيطان. العجز عن إدراك أن هذه الشكوك من آليات العقل وحده وأنها لا تشكل خطأ أو خطيئة، والعجز عن إبعاد تهمة الشك عن الذات، سيترتب عليهما أن الشيطان وحده هو المسؤول، لذلك على الانسان أن يقاومه بكل ما أوتي من قوة. ولكن، بما أن الشك داخل النفس إفراز طبيعي لأجهزة العقل النقدية، كان من الطبيعي أيضاً استحالة التخلص من الشك، أي استحالة خوض معركة فاصلة ضد الشيطان تضمن الانتصار عليه انتصاراً ساحقاً. في تلك اللحظة يبدأ إحساس قوي ومؤلم بالذنب، في التشكل داخل النفس يعبر عن نفسه في الإحساس بالهزيمة أمام الآخر المختلف أنا ضعيف، أنا عاجز عن اليقين، والآخر - كم أكرهه - أكثر مني يقيناً ليس لأنه هزم الشيطان بل لأنه تحالف معه. وفي رواية كازانتزا الشهيرة "زوربا" - الرواية وليس الفيلم - هناك راهب يعتقد أن في داخله شيطاناً اسمه يوسف، فيدخل معركة طويلة مع هذا الشيطان، يخلع نعليه ويظل يضرب نفسه ليل نهار صائحاً: يوسف يريد أن يأكل الأطعمة الشهية. إخرس يا يوسف. يوسف يشتهي النساء الجميلات. خسئت يا يوسف. كف عن هذه الرغبة يا وغد. انه تجسيد رائع لظاهرة الإنكسار عند البشر. المسكين يرفض الاعتراف بأن هو نفسه يشتهي كل ذلك. إنه الإحساس بالذنب نفسه الذي دفع بالرهبان على مدى مئات الأعوام للقسوة الزائدة على النفس للوصول إلى درجات أعلى من اليقين، بمعنى أدق، عقاباً لها على إحساسها بالشك، أي إخراس صوت الشيطان في داخلها. وباستبعاد خيار القسوة على النفس الذي يتطلب قدراً عالياً من عاطفة اعتبار الذات، لا يتبقى سوى طريق وحيد معبد بالجواهر ومفروش بالحرير يثبت به البشر لأنفسهم أنهم - يقيناً - ضد الشيطان، يبحثون عن الشيطان في داخلهم ليقضوا عليه. هكذا تم اقتياد آلاف البشر في العصور الوسطى إلى المحرقة بعد أن اعترفوا تحت التعذيب بأنهم صادقوا الشيطان، وإنه ساعدهم في الإضرار بالآخرين. هذا ما عرف تاريخياًَ ب"اصطياد الساحرات"، وهو المصطلح الذي نستخدمه حتى الآن في وصف المجتمعات عندما تطارد - بغير عقل وبغير حق - بعض الأفراد الذين يفكرون على نحو مختلف، وإذا كانت المحارق زالت من على الأرض، إلا أن عملية الحرق نفسها تتداولها عقول البشر حتى الآن، فنسمع في مجال السياسة أن فلاناً احترق أي تم القضاء عليه سياسياً. ونستخدم الكلمة أيضاً عندما تكلف السلطة السياسية شخصاً ما بتنفيذ قرارات مطلوبة سياسياًَ ومرفوضة اجتماعياً، كأن يرفع سعر سلعة ما أو سلع عدة، ثم تتخلص من هذا الشخص فنقول إن قيادته السياسية دفعته لذلك لكي تحرقه. اختفت المحارق، لكن عملية الحرق نفسها ما زالت تحتل مكاناً مريحاً في عقول البشر. وتقدمت البشرية خطوة إلى الأمام: لا داعي لأن نشعل فيهم النار، تعالوا نقضي عليهم بطريقة أخرى أقرب إلى التحضر. اعترف بعلاقاتك بالشيطان فتنجو من الموت طبقاً للتعاليم المسيحية التي تمنحك البراءة في حال اعترافك بالخطيئة. حدث هذا بالتحديد في قرية سالم، ولاية ماساشوستس، وفي قرى أخرى منذ أقل من مئتين وخمسين عاماً راجع مسرحية "البوتقة" لآرثر ميللر ثم شنق مئة وعشرون رجلاً وامرأة لأنهم رفضوا الاعتراف التوبة بصداقتهم للشيطان، لسبب واضح هو أنهم مسيحيون حقيقيون يؤمنون بالوصايا العشر وأهمها: لا تكذب. عاطفة اعتبار الذات في داخلهم كانت من القوة بحيث منعتهم من الكذب للنجاة بحياتهم، ربما أيضاً لإيمانهم بأنهم لن يربحوا شيئاً إذا كسبوا العالم وخسروا أنفسهم، وحتى إذا فكروا في أن الحفاظ على الحياة وهي أعظم ما خلقه الله لنا، يستلزم الرضوخ لهذا المطلب وهو أن يكذبوا، ففي تلك اللحظة المشؤومة سيكتشفون أن القضية كلها لا صلة لها بالشيطان أو العقيدة أو التوبة، هي ليست أكثر من رغبة في القضاء عليهم، عدوان أكيد يبحث عن متنفس في غياب أي رادع، فبعد اعتراف المتهم بأنه صديق للشيطان سيمضي التحقيق على النحو التالي: - جميل أن تعترف بصداقتك للشيطان... من أيضاً كان صديقاً له في القرية؟ - لا أحد. كان صديقاً لي وحدي. - من الصعب تصديق ذلك، من المستحيل أنكما كنتما تتقابلان وحدكما في الغابة. لا تحاول خديعتنا، لا شك في أن هناك عدداً آخر من الاصدقاء أنت تتستر عليهم. من هم؟ المسكين يظن أن اعترافه سيكون كافياً لتبرئته، لأنه يظن أن المقصود هو القضاء عليه لكي يثبت قضاته لأنفسهم أنهم ضد الشيطان، هكذا ستقوده كذبته الأولى إلى المزيد من الأكاذيب يقضي فيها على المزيد من البشر، الضحية المسكينة ستبحث عن أسماء لأشخاص مهمشين أو ضعفاء أو مكروهين... أو... أو... ثم يجيب: نعم. هم فلان... وفلان... وفلانة... وفلانة. وعلى الفور سيتم القبض على أصحاب هذه الأسماء، وسيكون من المستحيل عليهم الإنكار فيعترفون على المزيد من البشر. ويقطع التاريخ خطوة أخرى إلى الأمام، لكنها لم تكن كافية، لأن يتخلص البشر من استمتاعهم بهواية اصطياد الساحرات خصوصاً في فترات الرعب القومي التي تستلزم بدورها شيطاناً قومياً، فعندما انتهت الحرب العالمية الثانية التي كان فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للغرب، فوجئ الغرب بنزول ستار حديدي على دول أوروبا الشرقية التعبير لوينستون تشرشل فساد الرعب بقية دول أوروبا من امتداد هذا الستار ليشملهم أيضاً، غير أن حجم الرعب كان أكبر بكثير في اميركا، فالمجتمعات المتوترة المكونة من أعراق وأجناس عدة في ظروف تاريخية معينة تكون في حاجة إلى شيطان قومي يوحدها، هكذا ساد الرعب أميركا من شيطان الشيوعية، فانطلقوا باحثين عن اصدقائه في كل ركن وزاوية، محكمة التفتيش القديمة في قرية "سالم" تحولت إلى لجنة في الكونغرس الاميركي هي لجنة التحقيق في النشاط المعادي لأميركا التي عرفت باسم لجنة مكارثي نسبة إلى اسم رئيسها جو مكارثي، هذه اللجنة لم تكن لها سلطة قضائية من أي نوع ومع ذلك تمكنت من إحراق عدد كبير من البشر، أي إدخالهم إلى السجن، ودفعهم إلى الانتحار أو الهروب كما في حالة المبدع العظيم شارلي شابلن كانت اللجنة تتبع في الاصطياد التكتيك نفسه الذي اتبعته لجنة التحقيق في قرية سالم. - هل انت شيوعي؟ - لا. - هل كنت شيوعياً؟ - نعم، حضرت بعض الاجتماعات، لكنني تغلبت على الفكرة لأنها لا تناسبني. - طيب. جميل. من كان معك في الخلية؟ أي من هم بقية اصدقاء الشيطان؟ إذا لم يعترف الشخص باسماء هؤلاء الذين حضروا معه الاجتماعات سيتهم على الفور بإهانة الكونغرس وهي تهمة عقوبتها السجن من ثلاثة إلى سبعة أعوام، أما إذا أنكر التهمة من الأساس فسيواجه تحريات المباحث الفيديرالية واعترافات زملائه عليه، ويحال على المحاكمة بتهمة الكذب على الكونغرس وينال العقوبة نفسها. المخرج الكبير إيليا كازان اعترف على كل أصدقاء الشيطان. كما ابلغ نقيب الممثلين عن عدد كبير منهم، وشهد ضدهم أمام اللجنة، كان ممثلاً مغموراً يسمى رونالد ريغان، الرئيس ريغان في ما بعد. في كل الأوساط الفكرية والثقافية والإبداعية كانت التوبة مطلوبة من الجميع، ومن أفلت من اللجنة لم ينج من القوائم السوداء والإذاعات مجهولة المصدر التي تذيع اسماء اصدقاء الشيطان راجع الاخبار في صحف الأردن ومصر عن ضرورة عمل قوائم سوداء لاصدقاء الشيطان، وتوالت حوادث الانتحار، فالمبدع قوي بإبداعه فقط وليس بذاته، المبدع على المستوى الشخصي قابل للكسر ككل أنواع الخزف الثمين. وضاع كتاب سيناريو ومخرجون ونقاد، وظهر الى الوجود ما يسمى بكاتب السيناريو الشبح، أي الذي يكتب أفلاماً تظهر باسماء كتاب آخرين. بغير هذه الحال العقلية من الرعب القومي وما يترتب عليه من رغبة عارمة في مطاردة الساحرات كان من المستحيل أن يتورط الشعب الاميركي في حرب فيتنام التي لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى الرغبة القوية في محاربة الشيطان بخوضه معركة فاصلة ضد اصدقائه، ولم يفق الشعب الاميركي من هذا الكابوس إلا بعد أن شاهد مئات الألوف من ابنائه يعودون إليه في أكياس البلاستيك، عندها بدأ الشعب الاميركي يسأل نفسه: ماذا نفعل هناك؟ لماذا نحارب هناك؟ لقد عادت قدرات العقل النقدية الى العمل من جديد. التوبة بالمعنى السياسي لا تعني أن تتبين خطأ أفكارك فتتخلى عنها، بل هي دفعك دفعاً إلى الكذب العلني فتفقد بذلك عاطفة اعتبار الذات، أي يتم إحراقك فلا يصبح لك وجود، أو يتحول الوجود نفسه إلى عبء ثقيل يدفعك للموت البطيء. ومن الأمثلة التي تعزز وجهة نظرنا في المنطقة العربية، ذلك الكاتب الذي كتب كتاباً يدين فيه نظامه الفاشي فسجن وأرغم على كتابة كتاب آخر يدافع فيه عن الفاشية والديكتاتورية، وتلك الممثلة الأردنية التي لم تكتف بالتخلي عن افكارها السلامية، بل واصبحت عضواً نشطاً في جبهة مقاومة التطبيع. الهدف من الاستتابة السياسية ليس القضاء على الفكرة المضادة، بل القضاء على صاحبها، ربما بدافع من العجز عن استيعابها أو الخوف منها وكراهيتها، لما تفرضه من ضرورة الفصل الذي يعجز عنه الكثيرون. * كاتب مصري.