بدأت متابعتي قمة الألفية وأنا لا أزال على بعد خمسة آلاف كيلومتر من نيويورك، فقد جلست في الطائرة في مطار لندن ونظرت حولي فوجدت الى جانبي وزير خارجية سورية السيد فاروق الشرع ومعه السيدة أمل زوجته، ووراءنا وزير الخارجية البريطاني روبن كوك. ووقف كوك بعد قليل من الاقلاع وجلس في مقعد صغير أمام السيد الشرع وبدأ حديثاً لم أسمعه على رغم محاولتي. وغلبني الفضول وبجانبي وزيران خطيران فقمت من مقعدي، وقلت لهما انني لا أستطيع أن أفوِّت على نفسي فرصة رصد ما يقولان. وهكذا كان وأصبحت الجلسة رباعية مع السيدة أمل. هي قالت ان السفر مع زوجها يمنحها فرصة لرؤيته لا تتوافر لها عادة في دمشق بسبب انهماكه في العمل، وهي ستكون الى جانبه 15 ساعة مع وصولهما الى نيويورك. وقال كوك ان زوجته تشكو أيضاً. ولكن السنة الماضية كانت معه في طوكيو عندما اندلعت أزمة تيمور الشرقية فطارت معه الى الفيليبين، ومنها الى لوس انجليس، وعادا الى لندن من طريق الغرب بعد 55 ساعة في الطائرات قالت انها أطول فترة قضياها معاً منذ تزوجا. بدا ان الوزيرين صديقان قديمان، فهما خاطبا أحدهما الآخر بالاسم الأول، أما أنا فحافظت على ذكر الألقاب، المستر كوك والأستاذ فاروق، مع أنني أكبر الثلاثة سناً. كان الحديث عن القدس، وبالتالي له صيغة دينية، وسأل السيد الشرع لماذا يقولون في الغرب "الحائط الغربي" في حين نقول نحن "حائط البراق"، ويقول اليهود "حائط المبكى"، وهل السبب انهم في الغرب اختاروا تسمية جغرافية للبقاء على الحياد بين المسلمين واليهود؟ واعترف كوك أنه لم يفكر بهذه النقطة من قبل، ووعد أن يدرسها ويسأل ليعرف أساس التسمية بالإنكليزية وربما باللغات الأوروبية الأخرى. وشكا الوزير السوري من ان اليهود يخلطون خرافات دينية بالتاريخ، الا انه اعترف أنه إذا وجد مئة ألف شخص يؤمنون بشيء يصبح مهماً حتى اذا لم يكن صحيحاً. قلت للوزير البريطاني انه قبل أربع سنوات أو خمس كنت مسافراً في طائرة من القاهرة الى دمشق، ووجدت الوزير السوري في المقعد الى جانبي، فأجريت له مقابلة نشرتها "الحياة" في اليوم التالي. ونحن الآن في طائرة وهو أسيري، وأريد أن أجري له مقابلة صحافية. سألت كوك تحديداً هل عند بريطانيا اقتراحات معينة في شأن القدس، أو هل وافقت على اقتراحات لآخرين، مثل الأميركيين. وفكر الوزير وقال انه لا يستطيع اجراء مقابلة عن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين الآن، لأن الموضوع حسّاس ومائع، الا انه وعد أن يكتب ل"الحياة" مقالاً عن الموضوع، إذا بدت بوادر حل في الأفق يشرح فيه موقف بريطانيا وما تستطيع المجموعة الأوروبية تقديمه للمساعدة. كان رأيه، أو هي معلوماته، ان الفاصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين كان بحراً في كامب ديفيد، وقد أصبح نهراً الآن، وبدا متفائلاً بإمكان التوصل الى حل. السيد الشرع سأل كيف يجوز أن يمنع ناس هاجروا بلادهم مرغمين قبل 50 سنة من حق العودة اليها، ويعطى هذا الحق ناس بعد ثلاثة آلاف سنة من هجرة مزعومة. واعترف الوزير البريطاني أن هذا لا يجوز. حاولت استدراج الوزير السوري فقلت انني كنت في عشاء في لندن قبل بضعة أسابيع ووجدت الى جانبي الليدي ليفي، وهي اعتذرت لغياب زوجها، وقالت انه في سورية، وسألت هل هناك اتصالات لا نعرف بها بين سورية واسرائيل. قال السيد الشرع ان لا اتصالات مباشرة بين الطرفين، واللورد ليفي لم يزر دمشق في الأسابيع الأخيرة، وأكد كوك ان وسيط رئيس الوزراء توني بلير الى سورية، كان في اسرائيل يقضي اجازة في بيت له هناك. ثمة شيء في نفس الوزير البريطاني ازاء الصحافة، بسبب هجوم الصحف البريطانية عليه، خصوصاً بعد زواجه الثاني، ولأي سبب آخر. وهو قال ان الصحف أحياناً تهرف بما لا تعرف، وفي الصيف مثلاً ذهب بلير ونائبه غوردون براون في اجازة، وكان براون يقضي شهر عسل بعد زواجه، فكتبت الصحف ان روبن كوك يدير بريطانيا، من دون أن تدري انه في اجازة أيضاً. وانتقل الحديث الى سورية، وقلت انني مرتاح لأن الرئيس بشار الأسد يركز في حديثه على الاقتصاد والأوضاع المعيشية للناس. وقالت السيدة امل: ان الدكتور بشار لا يتحدث عن الثوابت لأنها ثوابت، والشعب السوري يراها كلها كذلك، ولن تتغير. لذلك فالرئيس الشاب يركز على المتغيرات وما ينفع الناس. بعد هذه الجلسة غير الرسمية جلس كوك يعد خطاباً له وحيداً. وجلس السيد الشرع يعد كلمة له، الا انه استعان بابنته الشابة نُوار، وأملى عليها أفكاره. وأكتب كلماتي هذه الساعة الرابعة من صباح الأربعاء وبدء قمة الألفية بعد بضع ساعات، ومع ذلك فقد وصلت الى نيويورك ورأيت فوراً وزير خارجية مصر السيد عمرو موسى ووزير خارجية البحرين الشيخ محمد بن مبارك، وشعرت أن السياسة الخارجية العربية في أيدٍ أمينة. ثم رأيت في الفندق حيث أنزل الرئيس علي عبدالله صالح، فسرت معه الى حفلة استقبال أقامها تكريماً له السفير عبدالله الأشكل والسيد راي ايراني، وحضرت من دون دعوة، وهو قال لي إنه يشعر بتفاؤل وثقة بمستقبل علاقات اليمن مع دول الخليج. وتناولت العشاء في مطعم صيني، فكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى المائدة المجاورة. ولم ينته المساء حتى رأيت أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة خارجاً من اجتماع خاص مع ولي العهد السعودي الأمير عبدالله، وهو قال انه سيقابل رئيس الوزراء ايهود باراك غداً اليوم وزاد ضاحكاً ان الصحف ستهاجمه الا انه تعود "وجلدنا تمسح". وكان مع الأمير وزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم بن جبر. ومع وجود أكثر من 150 رئيس دولة لحضور قمة الألفية، فإنني أتوقع أن أرى ملكاً أو رئيس جمهورية على كل ناحية طريق، فأعود للقراء بأخبارهم في الأيام المقبلة، ومن حضر السوق باع واشترى.