يبرر استاذ الفكر الإسلامي والحضارة العربية في كلية الآداب جامعة تونس الأولى عبدالمجيد الشرفي تأليف كتابه "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" بالدعوى الى التعريف بخصائص الرسالة من منظور يطمح الى أن يكون وفيّاً لمقاصدها الأساسية ومن ثم دراسة التأويلات والأسباب التي جعلت الناس يؤولونها تأويلاً مخصوصاً من خلال "نماذج من الاكراهات التي الزمتهم بتأويل معيّن من بين التأويلات العديدة المتاحة نظرياً". ويعترف الكاتب أن الإسلام نجح في أن يتكيف "مع أوضاع مختلفة متناقضة" ولا أحد بإمكانه "ان يدعي أن اسلامه هو أفضل من اسلام غيره". وعلى هذا يحاول الشرفي أن يطبق "على الإسلام نتائج البحث الحديث ومناهجه" ويلخص تلك المناهج في أربع ثورات علمية كبرى عرفتها البشرية، منذ عصر النهضة الأوروبية وهي: أولاً، اكتشاف كوبرنيك أن الأرض ليست محور العالم. ثانياً، رسوخ نظرية التطور منذ داروين. ثالثاً، ما أتى به فرويد ومدرسة التحليل النفسي من استدلال على أن سلوك الإنسان لا تتحكم فيه ارادته الواعية فحسب. رابعاً، ما يشهده العالم اليوم من تطور مذهل للبيوتكنولوجيا والهندسة الوراثية. ويضيف المؤلف الى الثورات الأربع الكبرى "الانقلاب الحقيقي في سبل العيش الذي تحقق بفضل تقدم الصناعة والعلوم التطبيقية" والرخاء المادي و"سرعة المواصلات ووفرة المعلومات وغير ذلك من المظاهر". يراهن الكاتب على المستقبل وينتقد الدراسات الدينية لأنها "كانت في الأغلب حكراً على ذوي الثقافة التقليدية" ويهاجم المجتمعات الإسلامية المعاصرة لأنها "متخلفة حضارياً لا تتفاعل ايجابياً مع ما تنتجه المجتمعات المتقدمة في ميادين العلوم والمعارف". ووفق المنظور المذكور يبدأ المؤلف "المتفاعل" مع عصره في اعادة قراءة الإسلام في ضوء منهجية مركبة من أربع مدارس "أكل الدهر وشرب" على ثلاث منها. وكتب عنها وحولها وفيها عشرات الدراسات وطمعت للتوفيق بينها وبين الإسلام كوبرنيك، وداروين، والتحليل النفسي. وسجل التاريخ الإسلامي عن الهندسة الوراثية عشرات المخطوطات عن تلك المسألة وكتب عنها علماء وفلاسفة واختلفوا عليها من الكندي والرازي الفيلسوف والفارابي وابن سينا وصولاً الى ابن خلدون الذي أرّخ لتلك الخلافات وصاغها في بحث مستقل في مقدمته الشهيرة. واعتبر ابن خلدون ان أساس الاختلافات يعود الى سببين: اجتماعي طبقي وفلسفي. فالفقراء من العلماء والفلاسفة كانوا يؤمنون بنظرية تحول المعادن وتغير النحاس الى ذهب مثلاً، بينما الاغنياء منهم رفضوا النظرية بداعي ان جوهر المعادن ليس واحداً. أما الخلاف الفلسفي فكان يعود الى الأساس النظري العقدي لكل فيلسوف أو مجتهد. فمن اعتقد بوحدة الوجود اقتنع بامكان الحلول والتحول. ومن اعتقد ان الوجود على مراتب رفض احتمال التحول والحلول والاتحاد لأن كل معدن هو جوهر فرد مستقل في خصائصه. المهم ان الكاتب "المتفاعل" جرب حظه وصال وجال وخاض غمار التاريخ والفلسفة لينتهي في الأخير الى لا شيء، شاهد ما قلش حاجة. فهو في الصفحات الأخيرة من كتابه يكتشف "ان الحداثة غربية المنشأ، كونية التأثير" وأنه لا مناص من اعادة بناء "منظومة العلوم الإسلامية" على أسس جديدة "ملائمة لظروف العصر وقيمه". ولسبب ما يقفل الكاتب بحثه على نص مغمور بالتفاؤل لمستقبل الإسلام على "رغم جسامة العقبات والتحديات التي تنتظر المسلمين". فالباحث كما يبدو يراهن على "الوعي الإسلامي الجديد"، كما قال غيره، الذي يبشر بأن "طريق المستقبل مفتوحة" شرط ان ننبذ "الأوهام والعقلية الاقصائية" و"الثقة بالنفس والعمل الدؤوب". هذا في الفقرة الأخيرة من نهاية الكتاب الصادر حديثاً عن دار الطليعة في بيروت، أما في بدايته، فالكاتب يخص بالشكر الجزيل لكل من ساعده على "انجاز هذا العمل" وخصوصاً المسؤولين عن "معهد الدراسات المتقدمة" في عاصمة المانيابرلين.