كمال أوزير، مغامرة شعرية لا نظير لها في الأدب التركي، وربما في الأدب العالمي. وعندما كان الشاعرَ الأكثر تناولاً من بين شعراء جيله، كان يغيّر آراءه الفنية وشعره كلياً. ومع حالة مشابهة في القصة مثّلها القاصّ عدنان أوزيالتشينير، تعرض شعر كمال أوزير في بعض الأوساط لمحاولة التهميش. الشعراء الذين كانوا ينتقلون من الشعر الفردي الى الشعر الاجتماعي، ويعبرون عن ذلك ببيانات انتقالية، كانوا يلاقون الترحيب والتصفيق في الأدب التركي. وكذلك المنتقلون من الشعر الاجتماعي الى الشعر الغامض... حسناً، ما الذي يُرى غير مناسب في تغيير كمال أوزير أسلوبه الشعري؟ حين بدّل كمال أوزير مفهومه للشعر، استتبع ذلك تغييراً في المضمون كما في بنية التعبير وشكله. هذا أولاً. وأصبح ثانياً يقف ضد نمط شعره السابق، بل ضد كل شعر ليس سياسياً، أو يكتب من أجل الفن للفن. ولم يكتفِ، من أجل الدفاع عن شكل الشعر الجديد الذي بدأ يكتبه، ومن أجل محاربة المفاهيم الفنية المضادة، بالأحاديث والكتابات، بل وضع أيضا عدداً كبيراً من الترجمات. تقديم كمال أوزير شعره السياسي عبر تجارب جديدة وغير مألوفة، وشعره الذي عززه بالصور وبالكتابات حول صُورَ فوتوغرافية، وباليوميات، حمل امكانات جديدة للشعر التركي، جعلته، لبراعته الفائقة، من الصعوبة تقليده أو تكراره. العامل المؤثر في تغيير شعره، هو استخدامه النظرية الماركسية في تفاصيل الحياة. الاستقامة التي حرص على تطبيقها في شعره، دفع، حتى النقاد الاجتماعيين - الواقعيين الى توجيه النقد الى كمال أوزير. لقد بحثوا عن "الميكانيكية" في شعر كمال أوزير. غير أن براعته وجهده، ضمنا بلوغ حرارة الحياة. اليوم، كمال أوزير هو أحد الشعراء الطليعيين الذين بقدر ما دخلوا في حساب مع العصر، دخلوا في حساب مع النفس. إنه، في الوقت نفسه، شاعر الشعر الذي يغتني من دون توقف، يوسّع دائرة جمهور القراء. قصة حياة ولد كمال أوزير في اسطنبول عام 1935. والده ميكانيكي في سكك الحديد. يتحدث أوزير عن أول التأثيرات في تشكيل شخصيته الحالية، من جانب المعلمين ورفاقه أثناء متابعة الدراسة في ثانوية اسطنبول للصبيان. ومن هؤلاء الأصدقاء الذين رافقوه في قسم اللغة التركية في كلية الآداب: عدنان أوزيالتشينير، قونور ارتوب. وأثناء الدراسة الجامعية، اكتسب أوزير أصدقاء قاسموه نظرته الى الأدب: أونات قوتلار، حلمي ياووز، ارغين غونتشيه، جمال ثريا. وعملوا جميعاً على إصدار مجلة أدبية هي: "أ. درغيسي" أي "مجلة A" في العام 1956. عام 1959 نشر مجموعته الشعرية الأولى: "براءة الوردة". وفي العام نفسه بدأ العمل "مصححاً" في مجلة "من". عام 1960 كان العام الذي نشر فيه مجموعته الثانية "صيف ميّت" وانتقل الى قسم التصحيح في صحيفة "جمهوريت" التي عمل فيها عشرين عاماً متواصلة. عام 1962 تزوج من زميلة جامعية له. وحين ولدت طفلته عام 1963 كان ينشر كتابه الشعري الثالث "الدم المعتقل". ثم أدى خدمته العسكرية ضابطاً في احدى قرى محافظة أماسيا. ومرّت فترة 1965 - 1970 من دون كتابة أي شعر. في 1972 عمل مع رفاقه الذين كانوا في مجلة "A" من الضروري هنا اضافة اسم الناقد عاصم بازرجي على اصدار مجلة "يني A درغيسي" أي مجلة A الجديدة وعاد الى كتابة الشعر. وهنا غيّر كمال أوزير كما عدنان أوزيالتشينير وآخرون من مفهومه للفن، وبدأ أوزير يُشَعْرِن الحياة اليومية. وتجسد ذلك في كتاب نشره عام 1973 "قلب النزاع". وتبع ذلك مجموعة من الكتب التي تضمنت شعراً ذا مضمون اجتماعي: "أشعار الأيام التي نعيش" 1974، "يجب أن تشارك في الدفاع عن الحياة" 1975 "قيل ذلك ضد الليل" 1978 "هويتكم لطفاً" 1981. عام 1983 نشر "مشاهد دخلت بين الفواصل". وكان عام 1984 العام الذي غيّر، كما شعره، كذلك حياته. وفي القسم المؤرخ ب7 أيلول سبتمبر 1984 من اليوميات التي سمّاها "الأيام الشواهد - 2" يروي كمال أوزير هذا التحول وردود الفعل التي اتخذها: "منذ حزيران يونيو الماضي أصبح عندي حياة جديدة. وكما كل حياة جديدة، ظهرت صعوبات أمامي. هناك أشخاص وعوامل كثيرة لا تريد أن أبلغ هذه الحياة. يريدون ان أُحاصَر بالهوّات. ما لا يملكونه هو قوة المقاومة، وفضيلة تجديد الذات. انه التواطؤ والحذر والهرولة نحو العبودية الذي يكبر في عيونهم وينقطع قبالتهم من دون لغة ومن دون وقفة ومن دون مقاومة، ولا يستطيعون أن يهضموا في داخلهم ذلك الاهتزاز والتخلص من الأشياء. وفي مقدمة ما لا يستسيغونه يأتي الحب. لماذا يمكن كل شيء أن يكون، ولا يكون الحبّ كذلك ... لكل حياة جديدة وصفةٌ كانت ستكون وكانت ستُدفع. وأنا أيضاً مستعد واقتنعتُ أنني مستعدٌّ لدفع هذا. ان ما يقلقني ويخيفني ليس الحواجز الخارجية. أعرف أني أملك قوة كافية لتجاوزها. أن تكون دنيا جديدة هو ما يخيفني، وأن تكون ملائماً، في كل الأزمنة، لمثل هذا الشيء. ان وعيي يجب ألا يفرغ ولو للحظة واحدة. ولا يجب أن تضمر للحظة واحدة أحاسيسي. هذا هو ما يخيفني. الذي يُقَشْعِرُ ألا تكون ملائماً، ولو للحظة لهذا الشيء". كمال أوزير، إذاً، عاشق. لتجاوز العقبات، والفراغ، وجد نفسه في عام 1986 يتزوج من جورجينا. ولم تقتصر أشعار هذه الأحاسيس على ما كتبه عام 1985، بل وجد نفسه يمضي مع جورجينا غولشاه في ترجمة الشعراء الأجانب. واصل كمال أوزير تجديد شعره شكلاً ومضموناً. وأصدر عام 1990 "جملة من تاريخ وجه إنساني" وهو عبارة عن تعليقات شعرية على صُوَر التقطها عيسى تشيليك، وفي 1995 أصدر "الأمهات اللواتي قتل أبناؤهن" ويعكس أحاسيس الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن منذ 1970 و"اسمها غربة" 1993. نال أوزير جوائز عدة: جائزة مجمع اللغة التركية للشعر عن مجموعته: "وأنت أيضاً يجب أن تشارك في الدفاع عن الحياة"، وجائزة عمر فاروق طوبراق عن "هويتكم لطفاً". وجائزة يونس نادي للشعر عن "جملة من تاريخ وجه انساني"، وجائزة فريد باير للشعر عن "اسمها غربة". ولكمال أوزير عدد كبير من الكتب الصغيرة التي جمع فيها مذكرات له وأحاديث وحوارات أجراها مع كتّاب وترجمات. تطور الشعر وأدوار التحوّل بدأ كمال أوزير الأدب بكتابة القصة. ويختصر مغامرته في الكتابة بين 1951 و1957: "كان لقائي الأول بالفن مصادفة مع سعيد فائق وكتابه "الرجل الذي لا لزوم له". لهذا كانت أولى كتاباتي حكايات قصيرة. وبسبب الصعوبة في محاكاة قصصه، بدأت لاحقاً كتابة الشعر الذي رأيت أنه أكثر سهولة على الكتابة. وما ان أعجبوا في محيطي بما أكتب، تطلعت لنشره في المجلات. نشرتُ قصيدة ثم اثنتين، واعتقدتُ أنني بلغت الشعراء الذين كنت أقص عليهم. الشعر أعطاني الفخر. كنتُ أشعر بالانفعال وأنا أكتب. وإذ انتهي كنتُ أشعر بأنني سأكتسب الاحترام. وكان يتصاعد شوقي بسبب الاهتمام الذي ألاقيه". لم يكتفِ أوزير كشاعر، بالحماسة التي قوبل بها. وانغمس في البحث عن الجديد. واستمر هذا البحث بعد صدور كتبه الثلاثة الأولى التي لاقت نجاحاً "في نهاية هذه الفترة الأولى، واجهتُ شيئاً آخر: الشعور بالحاجة للقول عما أكتبه بأنها "كتاباتي". كان الجميع يكتبون وكان يجب أن أضيف شيئاً لما أكتبه، يميّزني عن الآخرين، ويعطي ما أكتبه صفة "أنا". وهذا لا يكون كيفما اتفق. وكنتُ أرى أنه يجب العثور على مقابل لهذا ال"أنا". ورأيتُ أن ذلك سيكون فقط حالتي الإنسانية الخاصة. ومن ذلك الوقت، تخليتُ عما كتبته واعتبرته غير موجود. في بداية مرحلتي الجديدة، كان لملحق "بريد الأحد" تأثير على شعري. وواجهت مضمون شعري بحياتي الخاصة، واستفدتُ من الاتجاه الذي فتحته على صعيد الشكل "الجديد الثاني" الذي يتكئ على تداعي الأفكار وادخال وحدة السطر الى الشعر. وكنتُ أريد أن أؤسس لغة شعرية خاصة، وبنية لا تنهدم وأن أظهر كمالاً في الشعر الذي أكتبه، وأضمن وحدة تتشكل من القصائد المختلفة التي في الكتب. وشعرنتُ في كتبي الثلاثة، ثلاثة مجالات عكست حالتي الإنسانية. ربما كان شعراً مغلقاً، وذا تداعيات بعيدة، ولم يعطِ نفسه بسهولة، ولأنني وضعتُ فيه حالتي كإنسان، ضَمِن حساسيةً أوقفته على قدميه، وهذا كان يكفيني كشاعر. السنوات السبع - الثماني التي انقطعت فيها عن كتابة الشعر، حملت لي، خلف شعرنة الحياة الداخلية الصغيرة، الوعي وضرورة النظر الى الحياة ككل، والى تصوّرها ككل وإلى أن يكون الشعر في خدمة الحياة. وإذ أَجَلتُ النظر في التجارب التي مررتُ بها وفي القيم التي تناولتها، عدتُ من جديد الى كتابة الشعر بالوظيفة والمسؤولية التي شكّلها هذا الوعي". يؤمن كمال أوزير بضرورة الكتابة، وفقاً لهذا المفهوم، الجمالَ المتغيّر ل"الشعر الذي يهدف الى خدمة الحياة"، "إن كثيراً من الشعراء الذين ارتقى وعيهم الاجتماعي، ولأنهم لم يستطيعوا أن يحققوا هذا التطور الفكري في المجال الجمالي، حافظوا في شعرهم على أساس الجمالية البورجوازية. لهذا أعطوا نتاجات لم تكن اجتماعية. أي أنه على رغم الوعي الذي يحدد أهدافهم، فإن ما أعطوه لم يوائم هذا الهدف". يرى كمال أوزير أن الوعي هو المحدّد للأدب الاجتماعي: "ان العنصر المحدِّد في الموقف الاجتماعي ليس الحساسية بل الوعي. فأن يكون الأدب المتأسس بالوعي، ليس فاعلاً، بل متلقياً، فهذا لا مفر منه وحتمي. ان تحقق التلقي، يتطلب جمالية مختلفة. أي أن التلقي للشعر المجرد، ببنية جمالية، لا يُرى ممكناً لهذا التلاؤم. كمال أوزير، شاعر يؤمن بأن كل شاعر هو عامل مؤثر في الصراع الاجتماعي. يقول: "لكل شاعر مكان في الصراع الاجتماعي. من المجرد الى الملموس، من المفتوح الى المغلق، من اللامعنى الى المعنى، من الفردية الى الاجتماعية، وبأي شكل وفكر يكتب، فلكل شاعر عمله في الصراع داخل البنية الاجتماعية. وأن يأخذ مكانه، ويلمس عمله، هو شيء ليس في يده نفسه، ولا مفر منه. أن تكون مؤثراً من الداخل، يتطلب أن تكون، في الدرجة الأولى، واعياً. أن تكون واعياً، هو أن تدرك بصورة سليمة مفاهيم "الإبداع" و"الحرية" وغيرها ومن أين جاءت ولأي أمر تفيد، وأن تعرف كيف تتجاوز الظروف الشخصية والاجتماعية، وألا تنسى، من أجل أن تكون مؤثراً في الصراع الاجتماعي أن تحويل النيّة الى حالة عمل، هو الهدف الأساس". كمال أوزير، هو الشاعر الذي غيّر شعره من أجل أن يكون عاملاً واعياً في الصراع الاجتماعي. الشعر الذي كتبه والمرحلة التي بلغها لم تحمله في أي وقت الى الشعور بالاكتفاء. الشعراء الحقيقيون لا يعرفون معنى الاكتفاء.