الوعي والإدراك    استعراض تقرير "الاتصالات" أمام نائب أمير نجران    الانتماء والحس الوطني    التحول في القطاع العقاري يرتكز على رفع الكفاءة ووضوح الإجراءات    إنهاء برنامج التخصيص بعد تنفيذ واستكمال أعماله ومبادراته    بدء موسم «تخفيضات رمضان» في المنشآت التجارية والمتاجر الإلكترونية    الجيش الإسرائيلي يواصل خروقات وقف إطلاق النار في غزة    مليونا ضحية أوقعتهم حرب أوكرانيا    بوتين يؤكد دعم جهود الشرع ووحدة الأراضي السورية    أبها يعزز صدارته.. والعروبة يزاحم الدرعية    الهلال يجدد عرضه لميتي    سعود بن بندر يشدد على العمل التكاملي بين الجمعيات    الصداقة لا تربي    "السجون" و"عمارة المساجد" توقعان مذكرة تعاون    84 طالباً يفوزون بجوائز الأولمبياد الوطني    وزير الشؤون الإسلامية: ولي العهد مثال يحتذى به في القوة والشجاعة والعزيمة    الثقافة السعودية في واجهة الاقتصاد العالمي بدافوس    الشخصية المثمرة    نفتقد قلم الإبينفرين    «صحي المجيدية» يطلق «نحياها بصحة»    "سلامة المرضى" يناقش توجهات الرعاية الآمنة    لتعزيز الإنتاج العلمي والتبادل المعرفي.. «السيبراني» يشارك في الأولمبياد الوطني«إبداع»    ميتا تعلن اشتراكات مدفوعة لمنصاتها    يقتل شقيقه أثناء تشييع جثمان والدتهما    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة جازان تُحبط تهريب (268) كيلو جرامًا من نبات القات المخدر    ترقية (1031) فردًا في المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمختلف الرتب    إنقاذ «مهاجر غير شرعي» في المتوسط    برعاية أمير المنطقة.. نائب أمير مكة يطلق 17 مشروعاً تطويرياً في المدن الصناعية    انطلاق هاكاثون «علوم الطوارئ » في فبراير المقبل    الأفلام السعودية إلى العالم عبر«لا فابريك-المصنع»    «الفيصل»: 50 عاماً من صناعة الوعي الثقافي    سمو ولي العهد يستقبل البروفيسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025    زياد الجهني: نسعى لإسعاد جماهير الأهلي بلقب الدوري    الملاك السعوديون يحصدون مزاين «المجاهيم» و «الوضح».. فهد بن جلوي يتوج أبطال «الجذاع» بمهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن    في الجولة ال 19 من دوري روشن.. الهلال في اختبار القادسية.. والنصر ضيفاً على الخلود    في الجولة الختامية لمرحلة الدوري في يوروبا ليغ.. 11 مقعداً تشعل مباريات حسم التأهل لدور ال 16    تعادل الرياض والنجمة إيجابياً في دوري روشن للمحترفين    توقيع برنامج تنفيذي سعودي-صومالي لتفعيل التعاون في المجالات الإسلامية    السعودية في مواجهة الإرهاب رد بالوقائع لا بالشعارات    وكيل وزارة التعليم للتعليم العام يفتتح ملتقى نواتج التعلم «ارتقاء»     أمير حائل يُرحِّب بضيوف رالي باها حائل تويوتا الدولي 2026 من مختلف دول العالم    ما هو مضيق هرمز ولماذا هو مهم جداً للنفط؟    الشؤون الإسلامية بجازان تُهيّئ جوامع ومساجد محافظة ضمد لاستقبال شهر رمضان المبارك 1447ه    إطلاق برنامج «نور» وتكريم 95 دارساً.. الأحساء تحتفي بمحو الأمية    سانوفي تفوز بجائزة التوطين في قطاع الصحة السعودي    إطلاق بوابة "السجل العقاري - أعمال" لتمكين القطاع الخاص من إدارة الثروة العقارية    جامعة أمِّ القُرى شريك معرفي في ملتقى المهن الموسميَّة لخدمة ضيوف الرحمن    وافق على نظام حقوق المؤلف.. مجلس الوزراء: دعم «مجلس السلام» لتحقيق الأمن والاستقرار بغزة    سمو وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع بدولة الكويت    المبرور    إنفاذاً لتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. وصول ثلاثة توائم ملتصقة إلى الرياض    7 أطعمة صحية تدمر جودة النوم ليلاً    نحن شعب طويق    متقاعدو قوز الجعافرة ينظّمون أمسية ثقافية ورياضية على كورنيش جازان    مجلس الوزراء يوافق على نظام حقوق المؤلف    النسيان.. الوجه الآخر للرحمة    نائب أمير جازان يستقبل سفيرة مملكة الدنمارك لدى المملكة    بعد الرحيل يبقى الأثر!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صفوان قدسي عن حال الناصريين ومصائر الناصرية في سورية
نشر في الحياة يوم 18 - 04 - 1999

لا يمكن التعرض لحركية القوى الناصرية في سورية وتطورها أو تراجعها إلاّ من باب تاريخية هذه القوى، وتداخلها مع مجموعة القوى والأحزاب القومية ومنها حركة القوميين العرب، إلاّ أن المرحلة الحالية التي تمر بها هذه الحركة تجعل من المتاح الإطلاع ولو جزئياً على القضايا الخلافية في الاتجاهات الناصرية. فالقوى الناصرية في سورية تعرضت منذ تبلور التيار الناصري الكاسح في الخمسينات والستينات الى تحولات، ما لبثت ان فرزت اتجاهات يحمل كل منها خصوصيته وخطه السياسي الخاص، فثمة من شغلته الماركسية فتأثر بها، وثمة من راوح في الأفكار التي حملها في بداية الطريق، بالاضافة الى اتجاهات كثيرة لسنا في صدد التعرض لها.
وفي هذا الحوار مع صفوان قدسي الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي في سورية والمشارك في الجبهة الوطنية التقدمية محاولة لبحث جانب من هذا الموضوع، لذلك قلت له في بداية الحديث:
الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية، كيف كان الوضع فيه في بداية السبعينات، وما الذي حصل؟!
- عندما قامت الحركة التصحيحية كان حزب الاتحاد الاشتراكي في طليعة القوى السياسية التي أعلنت تأييدها غير المحدود لهذه الحركة. لكن البعض ممن كانوا يتولون قيادة الحزب فهموا الحركة التصحيحية فهماً خاطئاً، وأنا ما زلت أذكر كيف ان بعضاً من قياديي الاتحاد الاشتراكي كانوا يتصورون أن الرئيس حافظ الأسد قام بالحركة التصحيحية كي يلغي حزب البعث العربي الاشتراكي ولكي يأتي بالاتحاد الاشتراكي بديلاً عنه.
هل يمكن ان يفكروا بهذه الطريقة؟!
- أنا أقول لك حقائق أعرفها حق المعرفة وأعلمها علم اليقين. بعض القياديين في حزبنا كانوا يسربون الى قواعد الحزب هذا الكلام. وطبعاً ان هذا الكلام هو نتيجة سذاجة سياسية ليست لها أية حدود. وهؤلاء الذين روجوا لذلك كانوا يحاولون تضليل قواعد الاتحاد الاشتراكي وإيهامها بأنهم على أبواب تحقيق ما لم يتم تحقيقه في 18 تموز يوليو 1963. وقد تكشف للجميع ان هذا الكلام لم يكن كلاماً مسؤولاً، وانما كان يصدر عن بعض القيادات لأسباب لا أريد أن أقول انها كانت تصدر عن سوء نية، ولكن أقول انها تصدر عن سذاجة سياسية غير مقبولة، أو أنها تصدر عن غايات وأهداف لا أستطيع ان أجسد تفسيراً لها..
ما الذي كان يجري داخل الحزب؟
- في الفترة الممتدة بين الحركة التصحيحية وبين 1973 أواسط العام 1973 كان الوضع داخل حزبنا قلقاً. كانت هناك مراهنات كثيرة، وكانت كل هذه المراهنات خاطئة. وعندما اكتشف الذين كانوا ينولون مسؤولية قيادة الحزب أن صيغة الجبهة لم تؤد الى تحقيق الأهداف التي يسعى اليها الاتحاد الاشتراكي العربي.. بل ان هؤلاء راحوا يروجون لأفكار اعتقد انها مرتبطة ببعض الأوهام التي كانت تسيطر على عقولهم، فربما كان البعض يراهن على ان النظام ليس قويًا بما فيه الكفاية، وان علينا ان ننسحب قبل ان يحدث ما كان يتوقع هؤلاء حدوثه!
كيف كانت قوة هذا التيار؟
- لم يلق هذا الكلام استجابة كافية داخل الحزب، بل نشأ في مقابل هذا التيار تيار قوي فاعل ومؤثر، وكان ينادي بضرورة البقاء في الجبهة الوطنية التقدمية. وانعقد مؤتمر عام أعلن فيه بشكل أو بآخر، انسحابه من الجبهة وكان ذلك في الربع الأول من 1973.
كان هناك مؤتمران على ما أذكر…
- نعم، ففي حزيران يونيو 1973 صدر بيان عن ما سميّ، في ذلك الوقت: "القيادة المؤقتة لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية" وردت فيه إدانة شديدة لمحاولة إخراج الحزب من الجبهة. وفي ذلك البيان قلنا: إننا جبهويون وإننا اتخذنا قراراً بالإستمرار في العمل في إطار الجبهة. ثم عقدنا مؤتمراً عاماً لكي نكرس فيه شرعية هذا التوجه الجبهوي، وتم انتخاب الأخ فوزي الكيالي أميناً عاماً للحزب…
ما هي خصوصية المرحلة التي تولى فيها الكيالي الأمانة العامة؟!
- امتدت مرحلة فوزي الكيالي حتى 1980. وكان لهذه المرحلة خصوصيتها… فمع الأخ فوزي الكيالي لم يكن ممكناً تحديد خط سياسي واضح للحزب، ولم يكن ممكناً تحديد نهج فكري وعقائدي واضح.. والسبب هو ان فوزي الكيالي عاش مرحلة النضال السلبي، ويبدو انه كان مخلوقاً ببعض العقد أو الرواسب التي حملها معه من حقبة العمل السلبي.
لذلك، وعندما بدأت الثورة المضادة في سورية، بدأ حزبنا يهتز. وقد بدأ خلاف صامت بيني وبين فوزي الكيالي. فأنا كنت مستمراً في الكتابة عن الثورة المضادة. لم أتوقف عن الكتابة. ومع الأسف، فإن الذين راودتهم بعض المخاوف في ذلك الوقت من ان الثورة المضادة سوف تتمكن في نهاية المطاف من ان تسقط هذا النظام، وكان هؤلاء محكومين بالأجواء النفسية للصراع، وربما كانوا محكومين بتجربة ايران رغم الفوارق الكبيرة والنوعية بين الحالتين، راهنوا رهاناً فيه قدر كبير من الانتهازية السياسية على ان شيئاً ما سوف يحدث في سورية!
لقد لعب البعض ممن كانوا يشغلون مواقع قيادية في حزبنا دوراً في تحريض فوزي الكيالي على ما أكتب. وأحد هؤلاء هو يوسف جعيداني الذي لعب دوراً سلبياً جداً في إيصال فوزي الكيالي الى قناعات جعلته ينقلب انقلاباً كاملاً على هوية الحزب.
طلب فوزي الكيالي مني ان اتوقف عن الكتابة. فسألته: لماذا؟ فقال: أنت الأمين العام المساعد وأنت تمثل الحزب في الحكومة، وبالتالي فان كل كلمة تكتبها او تقولها إنما تعبر بشكل أو بآخر عن رأي الحزب، وسوف يتحمل الحزب تبعات ومسؤوليات هذا الكلام الذي تكتبه. فقلت له بأني أمارس قناعاتي، وربما كانت تتعارض مع قناعات الأمين العام للحزب، لذلك أنا مستعد ان اتقدم باستقالتي من الحكومة، وحتى ان اتنحى عن موقعي كأمين عام مساعد. اما ان أتوقف عن الكتابة، فانا بدأت كاتباً وسوف استمر كاتباً.
كنت أكتب في مسألتين: الأولى في الرد على ظاهرة الاخوان المسلمين، والثانية في مدرسة المناضل العربي الأول حافظ الأسد الفكرية والسياسية.
لقد لعب يوسف جعيداني دوراً في إقناع فوزي الكيالي بأن هذا النظام في طريقه الى السقوط، وكان يجمع مقالاتي ويضعها أمام طاولة فوزي الكيالي ويقول له: "انظر ماذا يكتب صفوان قدسي؟! سوف نتحمل نحن في المرحلة المقبلة مسؤولية هذه المقالات".
استمر هذا الخلاف دون ان يظهر الى العلن، الى ان استدعاني فوزي الكيالي في يوم من الأيام، فحدثني في مسألتين، الأولى بأن علينا ان نعيد النظر في هويتنا الناصرية. والثانية هي انه ليس هناك أمة عربية وان الوحدة العربية هي عبارة عن وهم من الأوهام وليس هناك قومية عربية ونحن عبارة عن موازييك أو فسيفساء عرقي وطائفي، وانه ليس هناك ما يجمعنا الا الاسلام. فقلت له: هذا الكلام غريب. أنا أقر معك بأن الاسلام هو البعد الثقافي والحضاري والعمق الروحي للقومية العربية، أما ان تقول ما تقوله، فأنا لا أتفق معك!
وفي ذلك الوقت بدأ فوزي الكيالي يسرب آراءه حول تجميد الحزب لأنه يريد حل الإتحاد الاشتراكي، وقال في احدى الجلسات انه سوف يسافر الى الولايات المتحدة لكي يلتقي أولاده المقيمين هناك. ولكنه كان يراهن على انه، وخلال وجوده في الولايات المتحدة ستحدث أمور خطيرة في سورية، وبالتالي سوف يكون بعيداً عن الأحداث. وفعلاً سافر وهو على هذا الرهان.
وبعد ان صفيت الثورة المضادة في حلب تحديداً، جرت تساؤلات حول وجود فوزي الكيالي في اميركا وكان شقيقه عصام كيالي، الذي لعب دوراً شبيهاً بدور يوسف جعيداني، موجوداً فأرسل الى شقيقه يدعوه الى العودة.
عندما عاد فوزي الكيالي دخلت معه في مواجهة صريحة، ورغم أنه حاول تجميد مؤسسات الحزب، فقد دعوت الى المؤتمر العام الذي عقد في الأول من أيار مايو 1980 في بيتي وحضرت الغالبية العظمى من أعضاء المؤتمر الذين انتخبوا فوزي الكيالي أميناً عاماً. أما فوزي الكيالي فلم يحضر.
هذا يعني ان الأزمة وصلت الى الذروة؟!
- نعم لقد تم بالاجماع سحب الثقة من فوزي الكيالي كأمين عام للحزب. وكانت هناك مجموعة مختلفة معه وتعمل على هامش الحزب، كان فيها اسماعيل القاضي عضو القيادة المركزية للجبهة وقتها وأنور حمادة وزير دولة لشؤون مجلس الوزراء فتم الحوار والاتفاق على توحيد الحزب. وشكلت قيادة مؤقتة ريثما ينعقد المؤتمر العام. واتفقنا على ان يكون اسماعيل القاضي أميناً عاماً، ويوسف جعيداني أميناً عاماً مساعداً لقد انقلب جعيداني 180 درجة خلال ذلك بعد هزيمة الثورة المضادة. أما أنا وأنور حمادة وثلاثة آخرون فقد جاء موقعنا في المكتب السياسي.
هل استمرت هذه التوليفة التوفيقية طويلاً؟!
-الاتفاق النهائي اعلن عنه في اوائل 1981، ولكن بعد فترة قصيرة دب الخلاف بين اسماعيل القاضي ويوسف جعيداني لأسباب تتعلق بمزاج الشخصين. وكان لا بد من حل هذا الاشكال، فاتخذ قرار يتنحى فيه يوسف جعيداني عن موقعه كأمين عام مساعد، وآتي أنا بدلاً عنه.. ويبقى اسماعيل القاضي في موقعه.
لم يرض جعيداني بهذا القرار، فخرج من الحزب ليشكل حزباً جديداً اطلق عليه اسم: "الحزب التقدمي الناصري". وكان ذلك في تموز 1982.
وكنا في 25 آذار مارس 1982 قد عقدنا المؤتمر العام للحزب، الذي كرست فيه الشرعية الجديدة. ولكن هذه الصيغة لم تستمر أكثر من سنة ونصف السنة نظراً لضعف الامكانيات القيادية لاسماعيل القاضي إذ أخذ يرتكب المخالفات التنظيمية التي توجت بأخطاء سياسية وفكرية ومن بينها مواقف لا قومية وقع فيها ورفض التراجع عنها رغم كل ما قيل له.
دعونا الى مؤتمر استثنائي، فرفض اسماعيل القاضي حضوره، وبالاجماع سحبت الثقة منه وانتخبت أنا أميناً عاماً، وكان ذلك في 28/10/1983.
هذا يعني ان ثمة حزباً جديداً سيتشكل؟!
- اسماعيل القاضي لم يقر بشرعية المؤتمر، فظل يعمل مع مجموعة صغيرة تحت الاسم نفسه "الاتحاد الاشتراكي العربي". ولكن رفاقنا في حزب البعث بادروا في 1985 الى بذل محاولة لتوحيد حزب الاتحاد الاشتراكي العربي.
على أي أساس تمت المحاولة؟!
- طُلب من اسماعيل القاضي ان يحل تنظيمه، وكذلك طُلب من يوسف جعيداني حل الحزب التقدمي الناصري الذي شكله، وهو في الأساس تنظيمات مصطنعة وليست لها أية قواعد او امتدادات جماهيرية. وبدأ حوار من أجل مؤتمر عام للحزب.
وفي الواقع، لم يحضر اسماعيل القاضي هذا المؤتمر بل حضرت المجموعة التي معه.. انعقد المؤتمر في 26 نيسان 1985 في اتحاد نقابات العمال، وكرس وحدة الحزب، وقد تنحى القاضي عن العمل في حين وصل البعض من جماعته الى مواقع قيادية متقدمة.
أما يوسف جعيداني، فيبدو أنه جاء مكرهاً الى هذا المؤتمر، فقد كان يعتقد ان الحزب التقدمي الناصري هو الحزب الذي يمكن ان يكون البديل عن حزبنا، لذلك بدأ في إحداث إشكالات داخل الحزب، ثم دفع المسألة الى مستوى آخر عندما جمّد نفسه، وتوقف عن حضور اجتماعات المكتب السياسي.
اضطر رفاقنا في حزب البعث الى التدخل مرة اخرى، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر عام، لعل هذا المؤتمر ينقذ الحزب من الأوضاع التي وصل اليها.
وانعقد المؤتمر فعلاً في 19 تموز 1988. وتقصّدت أنا ان أعرض على المؤتمر ما سمي ب:"الوثيقة الفكرية والسياسية" التي تتضمن كل اجتهاداتنا، فتصبح وجهة نظر الحزب بدلاً من ان تكون اجتهادات لصفوان قدسي، وفعلاً أقر المؤتمر هذه الوثيقة.
يوسف جعيداني لم يكن مقتنعاً بهذه، فما أن أقرها المؤتمر حتى بدأ يقوم بنشاط مضاد لها ومعترضاً على ما جاء فيها.
لقد كان يعيش على أفكار لم تعد صالحة، فلم يكن يميّز بين ثوابت الناصرية ومتغيراتها… كان يوسف جعيداني يحاول تحنيط الناصرية وتحويلها الى مومياء ووضعها في متحف التاريخ.
مشكلته هي ان قاعدته الثقافية وأرضيته الفكرية كانت هشة ان لم تكن موجودة أساساً. وكان جعيداني يحفظ بعض العبارات التي قالها جمال عبدالناصر في لحظات تاريخية، وكان يتعامل مع هذه العبارات وكأنها القول الفصل.
أي أنه كان يرفض أي مرجعية الا مرجعية جمال عبدالناصر في صيغتها غير القابلة للحياة والإستمرار لأنها منطلقة من نصوص وأدبيات كان جمال عبدالناصر على استعداد لاعادة النظر فيها في الوقت المناسب بما يتناسب مع ضرورات العمل السياسي، بينما كنا نحن نحاول المزاوجة بين مرجعية عبدالناصر ومرجعية الرئيس حافظ الأسد انطلاقاً من أن هناك قواسم مشتركة بين المرجعيتين… لقد أخذ جعيداني يروج لفكرة مفادها ان علينا العودة مرة اخرى الى جذورنا الناصرية، ونحن قلنا ان الإجتهاد في الناصرية هو الذي يخرج الناصرية من المتحف!
كان هذا يعني استحالة التعايش بينكما كما يفهم من كلامك؟!
- نعم. فقد وصل الأمر بيوسف جعيداني الى الإعلان عن ترك حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، والإعلان عن قيام تنظيم جديد أطلق عليه اسم: الاتحاد العربي الديموقراطي.
لقد ساعدته المتغيرات الدولية على هذا الاعلان باعتبار ان كلمة الديموقراطية تحولت الى موضة!!
متى كان ذلك؟!
- الإعلان الأولي كان في أيار أو حزيران 1991 ولكن الاعلان الرسمي كان في 13 تشرين الثاني نوفمر 1992. لكن الذي حدث هو انه قدم الى ما سمي، في ذلك الوقت، بالمؤتمر العام تقريراً قال فيه كلاماً لا يقوله الاخوان المسلمون، وكان تقريراً سيئاً ومبتذلاً وفيه إساءات متعمدة لهذه الحقبة من حياتنا السياسية. ثم حدث بعد ذلك انه حتى الذين وافقوا معه على هذا التقرير، انسحبوا من موافقتهم لاعتبارات متعددة، وعمدوا الى سحب الثقة من يوسف جعيداني واختاروا بديلاً له.
وماذا تقول عن هذه الأزمات التي تقع في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية؟!
- أقول: نحن لم نتجن على أحد!
عندما اختلفنا مع جمال الأتاسي لم نتجن عليه، لأنه كان ضد العمل الجبهوي وكان يفهم الناصرية بطريقته الخاصة. وعندما اختلفنا مع فوزي الكيلالي لم يكن خلافنا معه على قضية شخصية، وإنما كان الخلاف حول الاخوان المسلمين والثورة المضادة.
وعندما اختلفنا مع يوسف جعيداني لم يكن خلافنا معه حول مواقع ولا حول مكاسب ولا حول قضية تنظيمية، وانما كان حول قضية فكرية وسياسية تتعلق بخط الحزب السياسي وتتعلق بهويته العقائدية.
ولكن الأزمات تتكرر؟!
- ان ما يحدث بين وقت وآخر داخل الحزب من خروج البعض على مقررات المؤتمرات العامة وعلى خط الحزب السياسي ونهجه الفكري والعقائدي، لا يعدو أن يكون تعبيراً عن نتوءات شاذة واستطالات غير طبيعية…
وهذا البعض الذي أتحدث عنه ترك الحزب منذ سنوات بعيدة ولم تعد لهم أي علاقة مع الحزب. كما ان هذا البعض المرتبط بكل تأكيد بقوى معادية لحزبنا واجتهاداتنا، انما يحاول الإساءة الى الحزب عن طريق إظهار الأمر وكأن هناك مجموعة كبيرة تعمل خارج إطار الحزب الشرعي.
وهذا لا علاقة له بالحقيقة لا من قريب ولا من بعيد، لأن هؤلاء هم مجموعة أفراد يطمحون الى ان يكون لهم دور لا يستحقونه، وهم غير مؤهلين للقيام بأي عمل إيجابي، ونحن لم نعرهم أي اهتمام لأنهم فعلاً لا يستحقون ذلك على الإطلاق، وهم مجرد فقاعة سرعان ما تنفجر وتؤول الى زوال…
ثمة من يكتب عن القضايا الخلافية عندكم.
- نعم. لقد لفت نظري مؤخراً بعض الكتابات التي تؤرخ لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي، وبكل أسف، فان هذه الكتابات وقعت في أخطاء جسيمة.
أنا لا أعترض على أي تحليل موضوعي، او وجهة نظر ترى الى الأمور من زاوية معينة، ولكن اعتراضي منصب على الأخطاء في المعلومات والأسماء والتواريخ والوقائع، وهو أمر لا ينبغي لأي كاتب ان يقع فيه!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.