ولي العهد يعزّي رئيس مجلس الوزراء المصري في وفاة والده    999.3 مليار دولار للمشروعات المخطط لها بالسوق السعودي.. 38 % منها بقطاع الإنشاءات    استثمار الرؤية    «إسرائيل» تتعمد حرمان سكان غزة من المياه    د. محمد عبده يماني.. الوزير الإنسان    الاتحاد السعودي لألعاب القوى عن انطلاق النسخة الأولى    حرس الحدود يشارك في المعرض المصاحب لأعمال مبادرة قافلة جازان الرقمية    أكاديمية مهد تُشارك بثمانية مواهب في بطولة أوقيانوسيا الدولية للجودو بأستراليا    نادي الرياض يتوج بطلاً لدوري الدرجة الأولى تحت 18 عاماً للموسم 2025-2026    بلدية الأسياح تبرم عقدا بحوالي 1.8 مليون    وزير الحج والعمرة بإندونيسيا يزور صالة "مبادرة طريق مكة"    كريستيانو رونالدو: بعض الأندية لديها نفوذ خارج الملعب    الأخدود يخسر مواجهة الاتفاق بثلاثية ويقترب من الهبوط    لبنان: مقتل عنصر من الجيش اللبناني مع عدد من أفراد عائلته جراء غارة إسرائيلية    «الداخلية» : تأشيرات الزيارة بجميع أنواعها ومسمياتها لا تخول حاملها أداء فريضة الحج    القبض على (17) إثيوبياً في جازان لتهريبهم (340) كجم "قات"    رئيس بر بيش يبحث التعاون مع بر الرياض لتعزيز الشراكات الخيرية    «سلمان للإغاثة» يوزّع 25 ألف وجبة غذائية ساخنة في غزة    في ميزان الوطن.. بين صدق الولاء وزيف الادعاء    فيصل بن فرحان يتلقى اتصالاً هاتفياً من وزير خارجية مصر    برق تطلق خدمة المدفوعات العالمية عبر رمز الاستجابة السريعة QR بالتعاون مع Alipay+    شركة نيكستيرا NextEra تفتتح مقرها الرئيسي في مركز الملك عبدالله المالي كافد بالرياض لدعم مسيرة التحول الرقمي في المملكة    "الهريفي" يهاجم ديميرال: استعراض الميدالية مناكفة في غير محلها.. ومن يغذي اللاعبين بهذه الأفكار يسيء للرياضة    السعودية تعتمد آلية مشاركة أنديتها في بطولات آسيا بدءا من موسم 2026-2027    أمير المدينة المنورة يرعى تخريج الدفعة الثامنة من جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز    الجيش السوداني يدمر آليات ثقيلة ل«الدعم السريع»    للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.. «سدايا»: إصدار دليل هندسة الأوامر لمطوري البرمجيات    تعزيز شراكات واستثمارات إمدادات المعادن    مدينة الحجاج في الشقيق تبدأ استقبال حجاج بيت الله الحرام    المملكة تؤكّد أن السلام يتطلّب وقف إطلاق النار ومنع التهجير وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967    «الداخلية»: الوقوف بحزم أمام كل من يحاول النيل من اللحمة الوطنية    مركز الملك سلمان يوزع سلالاً وتموراً في 3 دول.. 25 ألف وجبة غذائية ساخنة للمحتاجين في غزة    «الكاونتر المتنقل» يسهل إنهاء إجراءات الحجاج    زراعة 60 ألف شجرة لدعم بيئة المشاعر المقدسة    35 كياناً وفرداً تحت طائلة العقوبات.. واشنطن: خطوات صارمة لمنع «التفاف إيران»    ثانوية مؤتة تحتفي بالأحمدي    «مانجا» تعزز تمكين المواهب وتدعم المحتوى الإبداعي    دعت لتعزيز نزع السلاح النووي.. قطر: اعتداءات إيران تستهدف السيادة الوطنية والبنى التحتية    الإسلامية تكثف التوعية للحجاج ب«ذي الحليفة»    تحت رعاية عبدالعزيز بن سعود.. «الداخلية» و«الأوقاف» توقعان اتفاقية تكامل في «طريق مكة»    840 ألف وفاة سنوياً بسبب ضغوط العمل    قائمة مشروبات تهدد صحة الكلى    حج بلا حقيبة خدمة مريحة للحجاج.. ومولدة لفرص العمل    محمد بن عبدالعزيز يرعى تخريج طلبة جامعة جازان    «إسلامية المدينة» تنفذ أكثر من 47 ألف جولة رقابية    جاهزية متكاملة لخدمة الحجاج في مطار جدة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم    «القصيم الصحي» يفعّل أسبوع التحصينات لتعزيز الوقاية    مربط الفرس    «بيت شقير».. عمق التاريخ وواجهة الحاضر    الجمعية العمومية لجمعية المودة تعقد اجتماعها الثاني والعشرين لعام 2026    جازان تهيئ 9327 خريجا لخدمة الوطن    علاقة الأدب بالفنون ومحاولة تطبيق مفاهيم الفنون البصرية    حين تشهر اللغة سلاحا والتاريخ درعا في مواجهة ترمب    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الفوزان في وفاة والدهم    السعودية تؤكد أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتحقيق التوازن بين ركائزها الثلاث    أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على محمد بن فيصل    «الإرشاد السياحي» يثري رحلة ضيوف الرحمن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصراع على التاريخ الفلسطيني . اخيراً ... علماء اسرائيليون يكتشفون أولوية الحضارة الكنعانية !
نشر في الحياة يوم 16 - 08 - 1998

اخيراً… وتحديداً، قبل انتهاء تموز يوليو 1998، اعلن فريق من علماء الآثار العاملين في دائرة الآثار الاسرائيية ان مدينة القدس كانت "مدينة مهمة ومتطورة" قبل عهد الملك داود. واستند العلماء في اعلانهم الى عمليات التنقيب التي اجروها في القدس الشرقية طوال عامين، وأدت الى اكتشافهم نظاماً معقداً لجر المياه وصفوه بأنه "احد الانظمة الاكثر تعقيداً وحماية في الشرق الاوسط"، وبأنه يرجع الى 1800 سنة قبل الميلاد. اي الى ما قبل عهد داود بپ800 عام كان يحكم القدس أويبوس أو اورشليم يومذاك اليبوسيون الكنعانيون وهم بناتها الاوائل.
واعلن جدعون أفني المسؤول عن دائرة الآثار في القدس: "ان ذلك يغيّر كل ما نعرفه عن مدينة داود. فالملك داود لم يبن مدينة جديدة… انالتغييرات والاضافات الخاصة بمدينة داود التي اكتشفت على مدى العامين الماضيين تغير تماماً صورة المدينة التي رسمتها بحوث اجريت قبل 150 سنة".
يطرح هذا الاكتشاف الذي تلاه هذا الاعتراف مسألة في غاية الاهمية ومثيرة دوماً للجدل، وهي اولوية الحضارة زمنياً في تاريخ فلسطين، فهذه مازالت من المسائل غير المحسومة بين المؤرخين العرب والاسرائيليين. ومامن بلد في العالم عانى تاريخه من الاضطهاد كما عانت فلسطين. فعملية الاستيلاء على التاريخ سبقت عملية الاستيلاء على الأرض.
من الطبيعي ان يختلف المؤرخون في تحليلاتهم لعهد ما او حضارة ما، ومن الطبيعي جداً ان يختلفوا في الجزئيات، وأما في الكليات فيندر ان يحدث هذا. ونحدد معنى الكليات في هذا الاطار بوجود حضارة ما او عدموجودها، كذلك بوجود شعب ما او عدم وجوده. وضمن هذا التحديد لا نجد من ينكر وجود حضارة الفراعنة في مصر، او حضارة الاغريق في اليونان، لكننا نجد من ينكر حضارة الكنعانيين في فلسطين، وفي الحالات الاكثر تقدماً قد نجد اعترافاً محدوداً جداً بالكنعانيين، لكنه لا يصل الى ابعد من تهميش الوجود الكنعاني في ظل "الحضارة الاسرائيلية القديمة"، بينما الكنعانيون هم الأصل، وهم البداية، وما تطورت الحياة الاسرائيلية في عهد القضاة من البداوة الى نوع من المدنية، الا عبر اقتباسها عن الكنعانيين، وتقليدها لهم.
لم تكن مسألة الاعتراف بأولوية الحضارة الكنعانية واهميتها مقتصرة على المؤرخين العرب، فهذه مسألة تخضع لعلم التأريخ وللمكتشفات الأثرية، لذلك وجد دوماً بين المؤرخين العالميين الكبار من يشهد بالتفوق الكنعاني وأولويته، وللمثال نتوقف عند المؤرخ بريستد الذي وصف المدن الكنعانية يوم دخلها بنو اسرائيل بقيادة يوشع بن نون في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، بأنها كانت مدناً مزدهرة فيها البيوت المترفة المريحة، وفيها الصناعة والتجارة والكتابة والمعابد، وفيها الحضارة التي سرعان ما اقتبسها العبريون الرعاة البدائيون، فتركوا خيامهم وقلدوهم في بناء البيوت، وخلعوا الجلود وارتدوا الثياب الصوفية الزاهية الالوان. واخيراً يوجز بريستد العلاقات "الحضارية" بين العبريين بني اسرائيل وبين الكنعانيين بقوله ان العبريين اقتبسوا الحضارة الكنعانية كما يقتبس المهاجرون الجدد الى اميركا، في يومنا هذا، طرق المعيشة الاميركية قال بريستد هذا قبل ستين عاماً.
يعتبر معظم التأريخ الاسرائيلي وارثاً شرعياً للأدبيات الاستشراقية الاستعمارية وللتأريخ التوراتي وهو التاريخ الذي كتب وفقاً لأهواء المؤرخين لا للنصوص التوراتية التي تخالف الكثير من استنتاجاتهم، والتأريخ الاسرائيلي، انطلاقاً من طبيعة مولده ومن الاهداف الصهيونية، فهو لا يعترف بالحضارة الكنعانية حضارة كبرى واولى الحضارات في فلسطين. ومن هنا، تبرز الاهمية الكبرى لما اعلنت عنه حديثاً دائرة الآثار الاسرائيلية، لذلك يعتبر اعتراف هؤلاء العلماء - للمرة الاولى - في تاريخ الصهيونية واسرائيل، ليس اعترافاً جريئاً فحسب، بل ومتناقضاً مع اهداف كل تلك الحفريات السابقة التي اجريت على ارض فلسطين، ومتناقضاً مع واحدة من ابرز المقولات الصهيونية الخاطئة والشائعة، وهي ان الحضارة الاسرائيلية هي اولى الحضارات في المنطقة.
ولنمر سريعاً على ما جرى في السابق للمقارنة مع الحاضر.
لاقت بلاد المشرق عموماً، وفلسطين خصوصاً، منذ نهاية القرن الخامس عشر اهتماماً كبيراً من قبل الرحّالة والعلماء الاجانب، وأما الاهتمام الخاص بفلسطين فسببه الرئيسي انها مهد السيد المسيح، عليه السلام، ما جعل اللاهوتيين والعلماء يتوجهون اليها لدراسة ارضها وتربتها وآثارها، وللتنقيب بحثاً عن اي اثر يعود الى العهد التوراتي. نستثني من هؤلاء من كانت دوافعهم حقاً دوافع دينية، امثال الاميركي ادوارد روبنسون الذي ابتدأ حفرياته في القدس مع ايلي سميث منذ سنة 1838، او الفرنسي شارل كليرمونت - غانو، او الانكليزي فلندرز بيتري، وأما سبب الاستثناء فهو قلة عددهم وضآلة جهودهم بالقياس مع اعمال بعثة صندوق استكشاف فلسطين" البريطانية، التي احتكرت الحفريات منذ قدومها الى فلسطين سنة 1865. ويجدر التوقف عند هذه البعثة على رغم انها لم تتوصل الى ماكانت تصبو اليه، وعلى رغم الاخطاء المتعددة التي ارتكبتها في الحسابات والاستنتاجات.
هناك ايجابية واحدة لمجموع اعمال تلك البعثة، وهي انها تمكنت من ان تضع اسساً لمن جاء بعدها في عالم الآثار. ولكن هدفنا ليس العمليات التنقيبية بحد ذاتها، بل حقيقة الاهداف منها.
انبثقت بعثة "صندوق استكشاف فلسطين" اساساً عن جمعية بريطانية استعمارية تحمل الاسم نفسه، وفي اجتماع اولي للجمعية برئاسة رئيس اساقفة يورك، اتفق على ضرورة اتباع الاصول العلمية، وبناء على ذلك تقرر على ألا تكون الهيئة المسؤولة هيئة دينية. وربما هدف المؤسسون من وراء ذلك الى طمأنة السلطات العثمانية، غير ان الآستانة كانت اكثر وعياً وحرصاً على تاريخ فلسطين ومستقبلها من كل توقعاتهم، فوافقت على القيام بالتنقيب من اجل الابحاث العلمية في اي مكان في القدس، باستثناء الحرم الشريف وكل اماكن العبادة والمقامات الدينية، اسلامية او غير اسلامية، اضافة الى شرط الاتفاق مع ملاّكي الارض.
والمستغرب حقاً ألا يكون كبار العاملين في "صندوق استكشاف فلسطين" من علماء الآثار، بل من وزارة الحرب والجيش البريطاني، ومعظمهم من الذين يعرفون المنطقة، ومن الذين قاموا سابقاً برحلات في سورية وفلسطين ومصر والسودان. ومن ابرز هؤلاء الميجر كلود كوندر الذي كان همّه سنة 1873 اكتشاف موقع المعركة بين داود وجليات جالوت الفلسطيني. وغادر كوندر فلسطين يوم قامت ثورة عرابي في مصر، اذ اختارته المخابرات البريطانية مرافقاً للحملة العسكرية لتأديب الثوار، ومن ابرزهم ايضاً كان الكابتن كيشنر الذي ذاع اسمه في الخرطوم فيما بعد إبان ثورة المهدي في منتصف الثمانينات. وأما اكثرهم شهرة والشهرة جاءت فيما بعد فهو الضابط لورنس الشهير بصديق العرب، ونشرت عن سيرته المؤلفات العديدة، وكأنه - لولاه - لما كانت هناك ثورة عربية. فلورنس هذا لم يشتهر عنه ابداً انه كان في فريق المسح والاستكشاف في صحراء النقب وسيناء.
وأما عن موقف هؤلاء من الكنعانيين مثلاً، فهم كانوا يفضلون استعمال كلمة "الفينيقيين" ابتعاداً عن كلمة "الكنعانيين"، ويركزون على ان الحضارة الاسرائيلية كانت اولى حضارات المنطقة، ولا يذكرون اطلاقاً الحضارة العربية الاسلامية، فهذه ربما كانت في مكان آخر، لكن حتماً لم يصل منها الى فلسطين الا رذاذ لا يستحق الذكر! ومن بين "علماء" او ضباط "صندوق استكشاف فلسطين" كان المجلّي في محاضراته التاريخية الميجر كوندر الذي القى محاضرة شهيرة في لندن، سنة 1892، بعنوان "مستقبل فلسطين"، ذكر فيها جميع الشعوب القديمة التي استوطنت فلسطين، باستثناء الكنعانيين الذين مر على ذكرهم عرضاً وسريعاً، ولمرة واحدة. وكان نصيب العرب على يديه اسوأ من الكنعانيين، فهو لم يذكرهم على الاطلاق، وواضح انه صنفهم ضمناً تحت ما اسماه بپ"الموجات الآسيوية"، اي ان العرب ما كان لهم اسم معين، ما كانوا سوى "موجة آسيوية"!
وأما عن مستقبل فلسطين كما سعى اليه هؤلاء، فهناك العديد من التصريحات نذكر واحداً منها قاله كيتشنر معلناً بصراحة ان عمله في فلسطين ليس كباحث آثار فقط، وانما كرجل سياسي، فهو يتفحص ارض البلاد وتربتها تمهيداً لپ"الاستيطان اليهودي وللمستقبل المشرق الذي يبدو ان فجره سوف يطل على هذه الارض"!
وعودة الى تصريحات العلماء الاسرائيليين الاخيرة، يبرز من بينها تصريح عالم الآثار روني ريك الذي وضع النقاط على الحروف بكل وضوح بالنسبة الى اولوية الحضارة الكنعانية، وان كان لم يطلق عليها اسمها، فمن المعروف ان بناة القدس الاوائل هم اليبوسيون، وهم بعض من الكنعانيين، وأما العالم روني ريك فقد قال: "آسف، ولكن السيد داود والسيد سليمان لم يظهرا في هذه القصة".
جملة واحدة يقولها عالم آثار اسرائيلي، ولو متأخرة، نتوقع لها ان تبدأ في علم التاريخ القديم صفحة جديدة، وهذا على رغم ان العشرات من المؤرخين - عرباً وأجانب - قالوا ما يدعمها قبله، فهل اهمية ما قاله فقط لأنه اسرائيلي؟ الجواب بوضوح: نعم. لكن الاهم من جنسيته، انه قال ما قاله مستنداً الى المكتشفات الأثرية، والآثار المدفونة تحت الارض هي السلاح الذي تعده اسرائيل ظناً منها انه سوف يكون الى جانب ادعاءاتها.
قد تفتح هذه المكتشفات بالذات صفحة تاريخية "جديدة" كما فتحت الملفات السرية للحكومة الاسرائيلية عن احداث سنة 1948 حين افرج عنها بعد ثلاثين سنة من قيام اسرائيل، اي سنة 1978، صفحة تاريخية "جديدة" لعدد من المؤرخين الاسرائيليين اصحاب الضمائر، فهؤلاء اعترفوا للمرة الاولى ببطلان الرواية الاسرائيلية الرسمية، وأقروا بالمسؤولية الاسرائيلية في تهجير الفلسطينيين، واكتسبوا لقب "المؤرخين الجدد".
اما الاكتشاف الجديد بحد ذاته لجر المياه، الذي اطلق عليه علماء الآثار الاسرائيليون انه "احد الانظمة الأكثر تعقيداً وحماية في الشرق الاوسط"، فقد كان مسألة معروفة لدى المؤرخين المنصفين غير الاسرائيليين، كما كان معروفاً في موضوع خزن المياه وجرها لدى الكنعانيين انهم كانوا من اوائل من بنى الصهاريج فوق سطوح المنازل، كما انهم حفروا الانفاق الطويلة تحت الارض لايصال المياه الى داخل القلاع، ومن اهم انفاقهم نفق مدينة جازر، على بعد 35 كلم من مدينة يبوس القدس، كما انهم حفروا نفقاً لمدينة يبوس نفسها، فجاؤوا بالمياه من نبع جيحون الى حصن يبوس، وهذا ما جعل يبوس تصمد امام الاسرائيليين طوال عهد القضاة وعهد الملك شاوول وسبع سنوات ونصف السنة من عهد داود، وهو الذي اتخذ من مدينة حبرون الخليل عاصمة لحكمه طيلة تلك السنوات، ثم انتقل الى يبوس/ اورشليم لما تمكن من فتحها بالحيلة. وتم له ذلك لما اكتشف رجاله مدخل النفق السري للمياه من الخارج، فدخل رجاله النفق ولما وصلوا الى منتهاه داخل السور، صعدوا الى السطح وباغتوا اليبوسيين/ الكنعانيين، واحتلوا الحصن والمدينة بلا قتال على الارجح.
ان براعة الكنعانيين في بناء الصهاريج والانفاق شهد بها العديد من المؤرخين، لكن الوصف اعلاه نقلناه عن احمد سوسة، المهندس والعالم والمؤرخ اليهودي العراقي الذي اعتنق الاسلام، ونشر كتابه بعنوان: "العرب واليهود في التاريخ: حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية"، في بغداد، قبل 25 سنة، اي سنة 1972، اما المكتشفات الأثرية التي استند اليها احمد سوسة في دراسة حضارة الكنعانيين، فكان ابرزها مكتشفات ما بين النهرين، ورسائل تل العمارنة في مصر التي اكتشفت سنة 1887، وآثار اوغاريت رأس شمرا في الساحل السوري التي اكتشفت سنة 1928.
المستغرب حقاً، ليس ابتعاد المؤرخين الاسرائيليين عن حقائق المكتشفات الأثرية البالغة الاهمية خارج فلسطين، وكأنها لا توجد، بل ابتعادهم عن التوراة نفسها، وهي المرجع التاريخي المكتوب الاول لديهم ولدى العالم في تاريخ فلسطين حتى ظهور المكتشفات الأثرية المهمة. ان من يقرأ التوراة قراءة غير منحازة لأهداف استعمارية او اهداف صهيونية، يجد الاخبار عن الكنعانيين وعن اليبوسيين وعن مدينتهم يبوس قبل تمكن داود من احتلالها، في اماكن متعددة لا تسمح بخطأ التصورات الاسرائيلية. فلماذا الخطأ؟ ولما كان الخطأ في المسائل الكبرى خطيئة. فلماذا الخطيئة؟
نذكر على سبيل المثال ادناه بعضاً من الاخطاء الاسرائيلية الرئيسية التي تخالف النصوص التوراتية:
1- خطأ التصور بأن داود هو باني القدس/ يبوس، وخطأ القول بأن بني اسرائيل هم الذين اطلقوا عليها اسم اورشليم، اذ ورد في سفر اخبار الايام الاول: "وذهب داود وكل اسرائيل الى اورشليم اي يبوس. وهناك اليبوسيون سكان الارض. وقال سكان يبوس لداود لا تدخل الى هنا. فأخذ داود حصن صهيون. هي مدينة داود. وقال داود ان الذي يضرب اليبوسيين اولا يكون رأساً وقائداً…" 1 أخبار 11: 4 - 6.
كذلك ورد اسم اورشليم ويبوس لمدينة واحدة في موضع آخر ضمن حكاية رجل لاوي في عهد القضاة، اي قبل عهد الملوك: "فلم يُرد الرجل ان يبيت بل قام وذهب وجاء الى مقابل يبوس. وهي اورشليم…" سفر القضاة 19: 10.
كذلك ورد في سفر يشوع ان اسم اورشليم كان اساساً معروفاً قبل الاسرائيليين: "وأما اليبوسيون الساكنون في اورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا الى هذا اليوم" يشوع 15: 63.
وفي عهد سابق، وهو عهد ابرهيم عليه السلام، ورد ذكر المدينة باسم شاليم: "وملكي صادق ملك شاليم اخرج خبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي" تكوين 14 - 18.
2- خطأ تجاهل السنوات التي حكم فيها داود من مدينة حبرون الخليل بسبب عدم قدرته على احتلال اورشليم، وذكر هذا بوضوح في سفر صموئيل الثاني: "وجاء جميع شيوخ اسرائيل الى الملك الى حبرون فقطع الملك داود معهم عهداً في حبرون امام الرب ومسحوا داود ملكاً على اسرائيل. كان داود ابن ثلاثين سنة حين ملك وملك اربعين سنة. في حبرون ملك على يهوذا سبع سنين وستة اشهر. وفي اورشليم ملك ثلاثاً وثلاثين سنة على جميع اسرائيل ويهوذا. وذهب الملك ورجاله الى اورشليم الى اليبوسيين سكان الارض. فكلموا داود قائلين لا تدخل الى هنا ما لم تنزع العميان والعرج. اي لا يدخل داود الى هنا. وأخذ داود حصن صهيون. هي مدينة داود. وقال داود في ذلك اليوم ان الذي يضرب اليبوسيين ويبلغ الى القناة والعرج والعمي المبغضين من نفس داود… وأقام داود في الحصن وسماه مدينة داود. وبنى داود مستديراً من القلعة فداخلاً" صموئيل الثاني 5:3 - 9.
3- خطأ التصور بأن الحضارة الاسرائيلية كانت الحضارة الاولى في المنطقة، فها هو الملك داود بعد ان يستولي على الحصن يستنجد بصديقه الفينقي حيرام ملك صور الذي لبى نداءه وبنى له قصراً، كذلك بنى من بعده لابنه سليمان القصر والهيكل. وجاء في التوراة انه بعد ان استقر داود في حصن يبوس: "وأرسل حيرام ملك صور رسلاً الى داود وخشب أرز ونجارين وبنائين فبنوا لداود بيتاً" صموئيل الثاني 5:10.
نخلص من هذا الى ان الحقائق التي توصلت اليها دائرة الآثار الاسرائيلية ليست جديدة، اذ اشارت اليها المكتشفات الاخرى السابقة، كما تحدثت عنها التوراة، لكن يبدو انه في قراءة التاريخ القديم يجدر رد التهمة الموجهة الى العرب من قبل الصهاينة امثال موشي دايان، بپ"ان العرب لا يقرأون، وهم لو قرأوا، فانهم لا يفهمون". هذه المرة، وخصوصاً في كل المرات التي يكون فيها التاريخ القديم موضع البحث، يجدر توجيه التهمة الى هؤلاء الاسرائيليين الذين لا يقرأون حتى التوراة، وهم لو قرأوها، فانهم يصرون على عدم فهمها.
* مؤرخة فلسطينية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.