خالد بن بندر يستقبل مساعد وزير الدفاع للشؤون التنفيذية    الإدعاء الفرنسي يحقق مع وزير بعد اتهامات بالاغتصاب    السند: «هيئة الأمر بالمعروف» تسخِّر إمكاناتها وتوظِّف التوعية الذكية التفاعلية لخدمة الحجاج    التدريب التقني وجامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية توقعان مذكرة تفاهم    410 آلاف رأس ماشية للهدي والأضاحي    وزارةُ الحجِّ: نعمل على تأمين رَحَلَاتٍ بديلةٍ ومقاعدَ إضافيةٍ وتأشيراتٍ فوريةٍ لحجاج بريطانيا وأمريكا ودول أوروبا    إجراءات روسية جديدة في الأراضي التي تسيطر عليها بأوكرانيا    فرنسا: السجن مدى الحياة على المتهم الرئيسي في تفجيرات باريس    تعامد الشمس على البحر الأحمر يطلق غبرة جازان    فهد بن سلطان يكرّم 30 مزارعاً فازوا بجائزة أمير تبوك الزراعية    الخميس انتهاء الفصول الدراسية ال 3    المملكة تتسلم رئاسة مجموعة الدول المانحة الداعمة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة    جيبوتي تعزز التعاون مع السودان    مقتل فلسطيني برصاص الاحتلال    خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من أمير قطر    أمير القصيم يتفقد مدينة الحجاج    المحكمة العليا: غدًا الخميس غرة ذي الحجة.. والوقوف بعرفة يوم الجمعة 8 يوليو    التعليم: بدء التسجيل للابتعاث في بكالوريوس الطب البشري والتمريض وطب القدم    ندوةُ "جامعة نايف" في المغرب توصي بإصدار دليل استرشادي عربي لبدائل العقوبات السالبة للحرية    "هيئة الاتصالات" تعلن جاهزية الخطط التشغيلية لموسم الحج    حجاج بنغلاديش يثمنون خدمات طريق مكة    "التجارة" : نظام الشركات الجديد شمل جملة من المزايا الممكنة للقطاع الخاص والرفع من جاذبية السوق المحلي    الجلاجل يدشن خدمة الهولو دكتور لخدمة ضيوف الرحمن    الظافري يحققُ البرونزيةَ الدوليةَ للتايكوندو في منافسات البطولة الدولية المفتوحة    جامعة شقراء تنظم ملتقى البحث والابتكار المجتمعي وتطلق مبادرة لدعم الباحثين في التخصصات الاجتماعية والإنسانية    القواتُ الخاصَّةُ للأمن البيئي تضبطُ مواطنًا ظهرَ في مقطع فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي يصيدُ كائنًا فطريًّا (وبر) دون ترخيص    سموُّ محافظِ الأحساء يَتَفَقَّدُ المنشآتِ الصحيةَ ويطمئنُ على المرضى المنومين    جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل تحتفي ب 107 طالبا وطالبة من طبيبات الامتياز    التعاون رابع محطات شاموسكا    وكيل أمارة منطقة مكة المكرمة المساعد للشؤون التنموية يزور (بر جدة)..    مركز عرسال الطبي يقدم خدماته خلال شهر مايو ل 5926 لاجئاً    أمين الهيئة العليا للأمن الصناعي يزور ميناء جدة الإسلامي    أمير مكة يستقبل القنصل الكويتي    رئيس هيئة الأركان العامة يستقبل الملحق العسكري السوداني الجديد والسابق    رئيس ديوان المظالم يزور المحكمة الإدارية بجدة    أمير القصيم يرأس اجتماع الجمعية العمومية لأصدقاء بنوك الدم الخيرية "دمي"    خمسة منتخبات سعودية تستعد للمنافسة الدولية وتمثيل المملكة في يوليو وأغسطس في 5 دول    جانغ هلالياً لموسم واحد    رئيس بعثة الحج السودانية : خدمات جليلة ومشاريع جبارة سخرها قادة المملكة لخدمة ضيوف الرحمن    جامعة الجوف تفعل مبادرة مسارات التعلم المرن لتعزيز المهارات المهنية    سمو أمير الباحة يرأس اجتماع مناقشة مشاريع وزارة البيئة والمياة والزراعة بالمنطقة    سفراء دول مجلس التعاون لدى الأردن يعزون في ضحايا تسرب الغاز في ميناء العقبة    أكثر من 61 ألف مستفيد من خدمات أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية بمستشفى صبيا العام    إحباط تهريب 3.5 مليون قرص إمفيتامين مخدر مخبأة داخل شحنة أحجار ومستلزمات حدائق    اثنينية الحوار تستعرض دور المرأة في غرس قيم المواطنة    أمير الشرقية يستقبل أمين عام دارة الملك عبدالعزيز    الأمن العام: 10 آلاف ريال غرامة لكل من يتم ضبطه متوجهاً لأداء الحج من دون تصريح    أمير الرياض يستقبل الرئيس التنفيذي لهيئة التراث    مستجدات كورونا.. انخفاض الإصابات والوفيات وارتفاع الحالات الحرجة    المدينة المنورة تحتضن أكثر من 91 ألف حاج    وزير الصحة يدشن خدمة "الهولو دكتور" لخدمة ضيوف الرحمن    الأهلي يهبط إلى دوري الدرجة الأولى للمرة الأولى في تاريخه    النصر يعلن التعاقد مع المدرب الفرنسي رودي غارسيا    احذر.. «الوضع الصامت» في الجوال «مؤلم نفسياً»    ليلة سقوط الاتحاد وهبوط الأهلي !    صندوق البحر الأحمر يفتتحُ دورتَه الثالثة لتمويل الإنتاج .. ويعلنُ عن الفائزين العشرة في الدورة الأولى لمرحلة ما بعد الإنتاج    أمير تبوك يستقبل المواطنين في اللقاء الأسبوعي        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«من المخطئ» لصوفيا تولستوي: الرد من حق الزوجة
نشر في الحياة يوم 23 - 04 - 2018

«... وينبغي علينا أن ندرك، أن أية غاية جديرة بأن يسعى إليها الإنسان- سواء كانت لخدمة الإنسانية أو الوطن أو العلم والفن- لا يمكن الوصول إليها بمساعدة الحب، سواء كان حباً زوجياً أو غير زوجي. بل على العكس من هذا، حتى وإن أغاظ كلامي الشعراء والرومانسيين، أقول إن الانجذاب الجنسي أو الارتباط بالكائن الأعزّ، ليس من شأنهما إلا أن يفسدا عملية إنجاز أي مسعى نبيل». قائل هذا الكلام القاسي في حق الحب ليس سوى ليون تولستوي المعتبر واحداً من أكبر الروائيين في تاريخ البشرية. وهو أورده في ملحق خاص نشره في الصفحات الملحقة بالطبعة الأولى من قصته «سوناتا كرويزر». ونعرف أن تولستوي ما كتب هذه القصة إلا انطلاقاً من موقف شخصي من قضيتي الحب والزواج اللتين هما، على أيّ حال، الموضوع المشترك لتلك القصة. ففي نهاية الأمر تعتبر «سوناتا كرويزر» مرافعة حقيقية، على الأقل ضد الزواج والحياة الزوجية. وتقول الحكاية إن الروائي الروسي الكبير استمع إلى القطعة الموسيقية الرائعة التي وضعها بيتهوفن قبل عقود وسمّيت «سوناتا كرويزر» أوائل صيف 1887، فكان من تأثيرها عليه أنه قرر من فوره كتابة قصة مستوحاة منها. والحقيقة أن هذه القصة ستشعل النار بينه وبين زوجته صوفيا إلى درجة أن هذه الأخيرة لن تلبث أن تردّ عليها بعد سنوات قليلة برواية كتبتها تحت عنوان «من المخطئ؟».
نعرف أن «سوناتا كرويزر» تدور من حول المدعو بوزدنيشيف الذي يروي بنفسه كيف تزوج من حبيبته الرائعة لكنه صُدم ما إن أدرك بعد حين أن علاقتهما لا تتعدى حدود العلاقة الجسدية. ثم حدث بعد فترة أن عاد من سفر ليجد زوجته تتناول الطعام في صحبة عازف كمان، اشتهر بأدائه معزوفة بيتهوفن... فاشتعلت ثورة غضبه ليقدم، في شكل غير واع تقريباً، على طعن زوجته بهمجية. من الواضح هنا أننا أمام حكاية مبنية على الغيرة ومفعولها في البشر. غير أن القصة استُقبلت من ناحية أساسية بصفتها موقفاً من كاتبها ضد الحياة الزوجية وربما كذلك ضد المرأة بصورة عامة. وكان من بين الذين أدركوا هذا البعد صوفيا زوجة تولستوي التي فهمت كيف أن زوجها الذي لا يكتب أي شيء بفعل الصدفة، اعتبر الزواج، بل الحب أيضاً، بمثابة فخ. بل حتى نوع من «الدعارة المشرعنة» تضحي فيها المرأة رمزاً للإغواء الشيطاني بالمعنى التوراتي... ومن هنا قررت صوفيا أن تثأر، ولكن بالسلاح نفسه، أي بالكتابة وهي مدركة أنها لئن كانت عاجزة عن منافسة صاحب «الحرب والسلام» و «آنا كارينينا» فإنها على الأقل قادرة على أن تنافس عملاً ثانوياً من أعمال زوجها هي هذه القصة، «سوناتا كرويزر»، التي فهمتها إعلان حرب رخيص الكلفة لا يليق بالأديب الكبير، أكثر منها عملاً أدبياً كبيراً حقيقياً.
في مذكراتها التي صدرت لاحقاً، ستوضح صوفيا تولستوي كيف أنها أحست بجرح عميق مع قراءتها كل صفحة بل كل كلمة مما جاء في «سوناتا كرويزر»، وذلك لأنها أحسّت بما لا يدع مجالاً لأي شك أن القصة موجهة إليها وأن زوجها يتهمها بإعاقة عمله بطريقة سوف «تبقى عالقة في أذهان الناس إلى أبد الآبدين»، ناهيك بكونه يحمّل المرأة ومؤسسة الزواج مسؤولية واضحة عن «تردي أوضاع الإبداع». ومن هنا كان لا بد من الرد.
والحقيقة أن «ردّ» صوفيا أتى من الناحية المبدئية، أنيقاً في صياغته لكنه بدا عميقاً وجارحاً في مضمونه. فقصة صوفيا تتحدث عن بطلة صبية شابة تدعى آنا زُوجت من أمير شاب سرعان ما تبينت أنه لن يكون هو بأي حال من الأحوال رجل حياتها. ففي هذا الأمير الزوج قسط كبير من «الحيوانية الذكورية» التي لا تستقيم بأي حال من الأحوال مع ما كانت آنا تتطلع إليه من حكاية حب دائمة مع شخص تودّه مفعماً بالإنسانية والتطلعات الروحية. ذلك أن الشرط الإنساني بالنسبة إلى تلك الصبية،- التي كان من الواضح أن صوفيا تولستوي تتبنى موقفها وتطلعاتها إلى درجة يبدو معها النص أشبه ببوح ذاتي- الشرط الإنساني مرتبط بعرى لا تنفصم عن الأبعاد الروحية، بل حتى الصوفية إذا شئتم. وهكذا بدت رواية «من المخطئ؟» التي وُلدت من حمأة الصراع المنزلي العنيف بين تولستوي وزوجته، بدت كما قال بعض النقاد «جوهرة ناعمة موضوعة وسط مخالب شائكة». أما صوفيا فقالت عن روايتها «إنها إنما أردت من خلالها أن أُظهر الفارق بين الرجال والنساء، بل بشكل أكثر وضوحاً الفارق في النظرة إلى الحب وربما الزواج أيضاً بين حب الرجل وحب المرأة». فبالنسبة إلى الرجل، كما تقول صوفيا، «ليس الحب في المقام الأول والأخير سوى علاقة جسدية، أما بالنسبة إلى المرأة فالحب، ولأنها كائن مثالي، مؤمثل بدوره وغارق في شاعرية لا تنتهي. أما يقظة الجنس فتأتي لاحقاً وفي شكل عابر حتى». ومن الواضح أن هذا ما أرادت صوفيا أن تظهره في روايتها على الضد تماماً مما سعى ليون تولستوي إلى إظهاره في قصته، خاتمة ذلك الحديث يومها بعبارة تم تناقلها بكثرة والاستشهاد بها لتصبح من عبارات القرن العشرين المأثورة حتى من بعد ما نسي كثر مصدرها واسم قائلتها والظروف التي قيلت فيها، ونسوا حتى ربطها باسم تولستوي الكبير الذي ظل بالنسبة إلى كثر، من مناصري المرأة عبر روايتيه الكبيرتين «الحرب والسلم» و «آنا كارينينا»، مع أن بعض مناضلات حركات تحرير المرأة ولا سيما في إيطاليا خلال سنوات السبعين لن يتورعن عن المطالبة بإعادة النظر في مواقف تولستوي من المرأة وتحديداً على ضوء «سوناتا كرويزر»، وذلك ضمن إطار توجه نضالي نسوي وضع تولستوي وهيغل وشكسبير في سلة واحدة باعتبارهم «من كبار أعداء المرأة في الإبداع والفكر العالميين»، بيد أن هذه حكاية أخرى بالطبع، أما حكايتنا هنا فتتعلق بالقول المنسوب إلى صوفيا تولستوي وفحواه: «ربما تكمن الحكاية كلها في أن هذا هو المصير المكرّس للمرأة: هي ليست أكثر من جسد مكرّس كلياً لخدمة الأطفال ولخدمة الزوج لا أكثر!».
مهما يكن من أمر، لا بد أن نذكر هنا أن النجاح، النسبي على أي حال، الذي حققته رواية «من المخطئ؟»- وكان نجاحاً أدبياً ولكن أيضاً اجتماعيا ومرتبط باسم تولستوي الزوج أكثر من ارتباطه باسم الزوجة التي من الصعب القول إنه كان لها مكانة أدبية حقيقية-، ذلك النجاح دفع السيدة صوفيا إلى إعادة الكرة لتصدر بعد أعوام قليلة رواية ثانية عنوانها «رومانس دون كلام»، يمكن اعتبارها بدورها رداً على «سوناتا كرويزر»، ولكن هذه المرة من طريق الموسيقى. فإذا كانت موسيقى بيتهوفن هي محرك قصة تولستوي الزوج، فإن موسيقى مندلسون هي هنا محرك النص الجديد الذي أصدرته صوفيا. ولكن إذا كنا نريد أن ندخل حقاً في حميمية تلك السيدة التي رافقت أديب روسيا الأكبر عقوداً طويلة من السنين وأنجبت له ثلاثة عشر ولداً، لا ينبغي أن نكتفي بقراءة هذين النصّين الأدبيين، بل يتوجب السير قدماً في الزمن، والتبحّر في كتاب سيرتها الذاتية المعنون «حياتي»، لنكتشف سيرة امرأة معطاءة عرفت كيف تعيش في ظل زوجها وقد قررت أن له الأفضلية المطلقة في حياتها حتى اليوم الذي قرأت فيه «سوناتا كرويزر»، وعرفت كيف ترد عليه من دون شحناء أو بغضاء، هي التي كانت تحلم طوال صباها بالحب الرومانسي ولو تحت عباءة ذلك العبقري العملاق الذي خنقها بأنفاسه الرائعة وهو على ثقة من أنها هي التي خنقته. ونعرف أن صوفيا التي ظلت وفية لليون على رغم كل شيء وربّت أولادهما بتفان وإخلاص، خدمت تولستوي كسكرتيرة وزوجة وأم. بل هي وصلت إلى القيصر كي تدافع عنه يوم اضطهدته الكنيسة. ثم بعد موته حرصت على الحفاظ على إرثه وأوراقه ومسودّاته، مدافعة عن تراثه وسمعته، بل حتى عن أفكاره وقد نحّت جانباً كل الخلافات التي كانت تحتدّ بينهما خلال السنوات الأخيرة من حياته. ولقد واصلت صوفيا ذلك طوال السنوات التسع التي عاشتها من بعده بحيث يتساءل المرء عما إذا كانت قد نسيت حقاً ما قالته في «من المخطئ؟» (1892) كما في «رومانس دون كلام» (1898)...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.