على رغم أن المحاوِر والأسئلة معدة وملقنة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والثانية عشرة سنة كما هو جليّ، خصوصاً تلك المتعلقة بالشق السياسي، نجح برنامج «دق الجرس» الذي تعرضه «ام تي في» في تقديم مادة غير تقليدية وجريئة كونه ينزع عن رجال السياسة هالات الغموض «السامي». فالبرنامج الفرنسي الأصل الذي استضاف مثلاً رئيس الجمهورية الفرنسية الحالي إيمانويل ماكرون إبان حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يقدم فكرة غير مألوفة وجديدة في الفضاء التلفزيوني العربي. ولعل المجتمع السياسي الأكثر ملاءمة لهكذا نوعية برامج هو المجتمع السياسي اللبناني الذي ورث ولا شك تقاليد مؤسسية وديموقراطية عن فرنسا ويكاد يكون الوحيد في المنطقة الذي يمكن تخيل مشاركة ساسته في تحدٍ كهذا بكل معنى الكلمة. فالتعامل مع الأطفال والمشاركة في برنامج دردشة مطولة يكشفان دواخل الضيف وبشكل لا ارادي حتى مهما حاول التصنع والتكلف والحفاظ على وقاره السياسي وصورته الصارمة والجدية كحامل هموم الأمة ورافع لواء الجماهير وممثل طموحاتها وغيرها من صفات ومهمات يعمل السياسيون في ربوعنا على اسباغها على أنفسهم. ومع أن ثمة محددات لطرح أسئلة الصغار، فإنهم وبفعل حسهم الطفولي العفوي المتمرد دوما على القيود يرتجلون ملاحق لأسئلتهم واستفهامات واستطرادات ليست بالضرورة معدة مسبقا، وهذا هو الجزء الأهم والأكثر اثارة في البرنامج عندما يعبر الأطفال عما يجول في خاطرهم وعلى سجيتهم حول مجمل النقاش وشخصية الضيف. ولا شك أن مراقبة لغة جسدهم وتعابيرهم وتفاعلهم مع الضيوف والمواضيع تعكس مستوى عالياً من اللباقة والحذاقة والإلمام بألفباء المعترك السياسي والاندماج في الموضوع والانسجام، فنحن لسنا ازاء أطفال سطحيين لا يعرفون شيئاً عما يدور حولهم، بل ثمة تفاعل حقيقي ومساحات إضافة وابتكار تخرج أحيانا حتى عن السياق العام المؤطر للحلقات. والجميل أن كل ضيف يُستضاف عادة في المدرسة التي كان يدرس فيها صغيراً ما يساهم في إعادة عقارب الزمن إلى الوراء في لا شعوره، بما يجعله أحد هؤلاء التلامذة بمعنى ما، ويعيده إلى عوالم الطفولة الساحرة والبريئة المناقضة لعوالم السياسة الموحشة البعيدة عن البراءة. والأجمل اسم البرنامج المستوحى من جرس المدرسة الذي يعيدنا جميعاً إلى ذكريات طفولتنا على مقاعد الدراسة وكيف كنا نهلل فرحا عند قرع الجرس للفرص والاستراحات بين كل حصة وأخرى وكيف أن الجرس الأخير المؤذن بالانصراف إلى البيت كان بمثابة لحظة فارقة ننتظرها بشغف أين منه انتظار الساسة ضيوف «دق الجرس». وكي تكتمل الأجواء المدرسية تتخلل البرنامج فقرات امتحان واختبار معلومات للضيوف فضلاً عن أداء ما يشبه فروضاً وواجبات مدرسية وطرح مفاضلات ومقارنات على الضيف، فمثلا رئيس الوزراء سعد الحريري سئل عن الفرق بين السنّة والشيعة وسامي الجميل عن الفرق بين القوات اللبنانية والكتائب ومروان حمادة عن الفرق بين 14 و8 آذار. وعلى الضيف كتابة الإجابات والتعبير عنها في دقيقة واحدة على السبورة وبالطباشير، فنحن في صف مدرسي ولا يكتمل الانغماس في الجو والحال هذه دون غبار الطبشورة وهي تكتب على اللوح. والحال أن تقسيم البرنامج بين فقرتين رئيستين، شخصية خاصة وسياسية عامة، يخفف من وطأة الجدية التي تتسم بها سرديات السياسة وعوالمها خصوصاً أننا على أبواب معترك انتخابي حامي الوطيس في لبنان. وهذا يتيح للمشاهد التعرف إلى جوانب شخصية لم تكن معروفة عن الساسة ضيوف الحلقات. ولعل تركيز الأطفال وهم بالكاد يطرقون باب مرحلة المراهقة على كيفية تعرف الضيوف على زوجاتهم وعلى اللقاء الأول وما تبعه، يشكل نموذجا عما أشرنا إليه أعلاه. فالمحاكمة الطفولية إن جاز التعبير تشمل جوانب حياة الضيف من الطفولة وصولاً إلى دخوله المعترك السياسي بكل محطاته المعقدة، ما يبث رسالة فحواها أن السياسة والخوض فيها والتعامل معها ليست بالضرورة حكرا على الكبار، بل يمكن أن يكون للفئات العمرية الصغيرة مشاركة في صنع القرار السياسي بطرق ما لعل «دق الجرس» إحداها. ليس سراً أنه بعد كل حلقة تتكوّن لدى المشاهد جملة انطباعات جديدة سلباً أو إيجاباً عن الضيف، إذ إنه خلال أكثر من ساعة يخوض غمار تجربة ليست بالهينة كون التعامل مع الأطفال كما هو معلوم مضمار سهل ممتنع، إذ إن سؤالاً أو استفهاماً طفولياً ما قد يفتح باباً للنقاش وربما لبلبلة لا تقف عند حدود الاستوديو أو غرفة الصف المدرسي بل تغدو مادة عامة في متناول الجميع. ولا شك في أن برنامجاً حوارياً مع نحو عشرة أطفال متطلبين بحثاً وتساؤلاً وتفكيكاً، يعادل صعوبة وحراجة مئة مقابلة تلفزيونية يديرها أكثر مقدمي البرامج السياسية احترافاً وحنكة، إلى درجة أن الضيف يحبس أنفاسه منتظرا دق الجرس النهائي إيذانا بانتهاء الحلقة حين يتبادل الضيف والتلامذة هدايا رمزية ويلتقطون صوراً تذكارية، فضلاً عن عرض انطباعات الضيف عن الحلقة وعن التلامذة وانطباعات الأخيرين أيضاً عنه، والتي ليست فقط عبارة عن مجاملات منمقة بل إنها لا تخلو من وخزات نقد طفولية لاذعة ولماحة، فمثلاً أحد الأطفال أبدى في سياق تعليقه على انطباعاته عن سامي الجميل عدم اقتناعه بقول الأخير إنه لا يطمح للوصول إلى كرسي بعبدا لرئاسة الجمهورية اللبنانية، وقس على ذلك...