نائب وزير الخارجية يستقبل نائب وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية    أمير جازان يستقبل مدير الدفاع المدني بالمنطقة    مجلس الشورى يعقد جلسته العادية الرابعة والعشرين من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة    أمانة تبوك في المركز الأول على مستوى الأمانات في نتائج تقييم مؤشر "صمود"    11 مايو بدء الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة مع روسيا    مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    نائب أمير المدينة يطلع على أعمال فرع الديوان العام للمحاسبة    94 % من مستخدمي الإنترنت في المملكة يتبنون الحلول الرقمية لحفظ بياناتهم الحساسة    الدفاع المدني يؤكد أهمية الالتزام بالتعليمات المعلنة بعد ورود تنبيهات باستمرار الأمطار    أمير الرياض يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة نادي الإعلام الحديث    فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة جازان يُنفّذ عدد من الفعاليات والمنجزات والبرامج الدعوية خلال شهر رمضان المبارك للعام الجاري 1447 هجرية    مدينة الملك فهد الطبية والإسعاف الجوي ينقذان حياة مريض تعرض لجلطة قلبية    سر الاجتماع بين انزاغي ولاعبي الهلال    الموارد البشرية تعلن عن تحديث قرار توطين المهن الإدارية المساندة بإضافة 69 مهنة    جولة منتظرة في دوري يلو.. 3 قمم بين أصحاب الصدارة    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    أبو زهرة بالعناية المركزة    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    دعماً لاستقرار السوق.. 206 آلاف برميل زيادة إنتاج «أوبك+» خلال مايو    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    في أول مباراة بملعبه الجديد.. ميسي يتألق وإنتر ميامي يتعثر    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ممرات التجارة وأنواعها بين مصر وبلاد السودان
نشر في الحياة يوم 12 - 03 - 2016

لزمن طويل، ظلّت مصر معبراً تجارياً أساسياً بين الشرق والغرب، وظلّت بوابة رئيسية للخروج من أفريقيا والاتصال بالعالم تجارياً. هذا ما رصده كتاب «حكاية مصر وبلاد السودان في العصر العثماني» للباحث الدكتور مصطفى كامل عبده، والصادر أخيراً عن سلسلة «حكاية مصر» التي تصدرها الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، وهو واحد من المراجع المهمة لمعرفة الخريطة التجارية الأفريقية في القرون الوسطى. فكلمة السودان لم يكن المؤرخون العرب يعنون بها دولة السودان الحالية فقط، لكنها كانت كل البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، بداية من البحر الأحمر شرقاً حتى المحيط الأطلنطي غرباً، فقط ارتبط المسمّى بلون البشرة.
قسَّم العرب السودان إلى ثلاثة أقسام، هي: السودان الغربي ويشتمل على المناطق الواقعة بين حوض نهر النيل، السنغال ونهر جامبيا والمجرى الأعلى لنهر الفولتا والحوضين الأعلى والأوسط لنهر النيجر، وشهد هذا الإقليم في القرنين السادس والسابع عشر ممالك عدة، من أشهرها إمبراطورية صنغي التي امتدت من أعالي السنغال حتى حدود نيجيريا الحديثة، والتي انتهت على أيدي الغزو المغربي لها عام 1590. وقد عرفت هذه المنطقة في الوثائق المصرية باسم بلاد التكرور، وهي أحد الأقاليم التي كانت تابعة لسيادة مملكة مالي الإسلامية في القرن التاسع عشر، كما عرفت ممالك أخرى منها ولاته وجنة وتومبكتو وتقلى.
أما القسم الثاني والذي عرف بالسودان الأوسط، فقد كان يشتمل على المناطق المحيطة ببحيرة تشاد، وقامت فيها إمبراطورية كانم - بورنو التي كانت من أكثر الدول السودانية استقراراً وحضارة في القرن الثاني عشر، وكان ملوكها يلقَّبون بالمايات، وكانوا ينفقون من الجزية التي كان يجمعها لهم ولاتهم المحلّيون في البلاد. حيث اقتصر دور المايات على تأمين طرق التجارة من دون التدخل فيها، واشتمل السودان الأوسط على إمارات الهوسا «نيجيريا الحالية»، والتي امتدت ما بين صنغي في الغرب وبورنو في الشرق.
في حين امتد السودان الشرقي من البحر الأحمر شرقاً إلى الحدود الغربية لسلطنتي دارفور وواداي، وضمّ الحوض الأعلى والأوسط لنهر النيل وكان العرب يطلقون عليه هو والساحل الشرقي لأفريقيا اسم بلاد الزنج، واشتمل على ممالك عدة، من بينها الحبشة وسنار والفونج، بينما قامت على المنطقة الغربية من السودان الشرقي ممالك التنجور، وهم من العرب الذين قدموا من تونس إلى الجنوب، ومن طريق مملكتهم انتقل الإسلام إلى دارفور، وقد اتخذوا من مدينة أوري عاصمة لملكهم مسيطرين من خلالها على الجنوب الشرقي لدارفور، وعرف هذا الجزء في الوثائق المصرية باسم بلاد التنجور وأحياناً بلاد التنجر. وكان لكل إقليم أو قسم طرقه الخاصة التي كانت تصل به إلى مصر عبر عدد من المحطات أو المراكز التجارية، فالسودان الغربي كانت له ثلاثة طرق، أولها الطريق الذي يبدأ من كاغو مروراً بتكدا ثم أغاديس «أغادس»، ثم فزان ثم أوجلة ثم سيوة، فالقاهرة، أما الطريق الثاني فكان يبدأ من أكذر أو تمبكتو مروراً بولاته ثم تغازا ثم توات ثم ينحرف إلى الشرق ليلتقي بطريق غدامس الذاهب إلى سيوة ثم القاهرة.
أما الطريق الثالث، فكان يبدأ من أكدز مروراً بتكدا ثم توات وينفصل بعد ثمانية عشر يوماً من السير إلى طريقين يتّجه أحدهما إلى توات ثم غدامس ثم سيوة، بينما يذهب الآخر إلى غات ويتوقف. وكانت كاغو عاصمة مملكة صنغي، أما أكدز فكانت تقع شمال مدينة نيامي عاصمة جمهورية النيجر.
أما طرق السودان الأوسط فقد كانت ثلاثة أيضاً، جميعها يبدأ من كانو وينتهي بالقاهرة، وتحدث به تغيرات طفيفة في المراكز التجارية التي يمر بها، فالطريق الأول هو (كانو - تكدا ثم توات - مرزق - فزان - سيوة ثم القاهرة)، بينما الثاني (كانو - تكدا ثم غات - مرزق - فزان - سيوة - ثم القاهرة)، أما الثالث فهو (كانو - أغاديس - كوار - فزان - القاهرة). أما طريق السودان الشرقي إلى القاهرة، فقد اعتمد على قافلتين، الأولى تبدأ من سنار عاصمة مملكة الفونجن حيث كانت تتجمع القوافل القادمة من المشايخ والمدن المحيطة لتتجه معاً إلى القاهرة، عبر قرى قبيلة العبدلاب ثم شندي ثم بربر، وهنا كان أمام القافلة طريقان، الأول هو الاتجاه في محاذاة النيل حتى «أبو حمد»، ثم اختراق صحراء العتمور إلى كرسكو ثم دوار بمصر العليا. أما الثاني فهو الاتجاه من بربر شرقاً مخترقة صحراء العتباي حتى تصل إلى دوار بمصر العليا مباشرة، وكان ذلك يستغرق ثمانية عشر يوماً، والرحلة من شندي إلى دوار تستغرق من 40 إلى 50 يوماً.
وكانت القافلة الثانية تنطلق من الجانب الغربي للسودان الشرقي، وقد عرف هذا الطريق بدرب الأربعين الذي كان يبدأ من «كوبي - العاصمة التجارية لمملكة دارفور - وتسلكه قوافل التنجور ووداي ودارفور وغيرها، وكان يستغرق أربعين يوماً للوصول إلى مدينة أسيوط في صعيد مصر، وهي مسافة تقدَّر بحوالى ألف ومئة وسبعة عشر ميلاً، وكان يبدأ من كوبي ثم سويني ثم بئر النطرون الواقع على بعد 700 ميل من أسيوط، ثم لقية ثم واحة سليمة ثم الشب ثم واحة باريس في مصر ثم أسيوط.
عرض الباحث في كتابه لما سماه مجتمع التجار، حيث قسَّم التجار إلى أقسام عدة على أساس طبيعة العمل، كالتجار السفارين الذين يقطعون الصحاري مع القوافل، أو نسبة إلى المكان كالتجار المغاربة الذين كانوا البطل الرئيس في التجارة القادمة إلى مصر من السودان الغربي، والمسراتيين من أبناء مسراتة في ليبيا التي كانت من الموانئ المهمة في التجارة الأفريقية، والذين ساهموا بأموالهم وجهدهم في تنشيطها وازدهارها، والتجار الجربيين نسبة الى جزيرة جربة في تونس، والتجار الأواجلة القادمين من واحة أوجلة، والتواتيين نسبة الى توات، والطرابلسيين نسبة إلى طرابلس، والغدامسيين والفاسيين وغيرهم. وكان مجتمع التجار ينقسم إلى تجار بأنفسهم أو وكلاء لتجار، وهناك التاجر والموزع والناقل، وكان عليهم أن يدفعوا ضريبة كلما مروا بقبيلة أو مملكة، ما كان يجعلهم يتوقفون لبيع بعض ما معهم كي يدفعوا ضريبتهم، وهكذا حتى يصلوا إلى محطتهم الأخيرة في مصر سواء أسيوط أو سيوة أو القاهرة.
وكانت هذه القوافل تحمل أنواعاً عدة من البضائع وهي في طريقها الى مصر، في مقدّمها الذهب والرقيق والجمال وريش النعام وسن الفيل أو العاج والصمغ والتمرهندي وقط الزباد والشب والقرض والنطرون والقصدير والسنامكي والششم وقرن الخرتيت والأبنوس والجلود والتمر السكوتي وغيرها. بينما تحمل من مصر وهي في طريقها الى بلادها، الأقمشة والثياب المصرية كالمحلاوي والفزاري ومنسوجات تنيس والقماش البطايني ومنسوجات الشام والقماش البعلبكي والمنسوجات الحموية ومنسوجات حمص ومنسوجات العراق وبلاد الحجاز والهند، ومعظمها يتنوّع ما بين الكتان والصوف والحرير وغيره. كما تحمل معها الودع والخرز والمرجان والعقيق والمسابح والعقود والنحاس والحديد والخيول والورق والروائح والعطور والقرنفل والصابون والسكر وغيرها.
هكذا رصد الباحث مصطفى كامل عبده، خارطة حركة التجارة بين مصر وأفريقيا طوال قرنين من الزمان، وهما الفترة التي كانت مصر فيها تحت الحكم العثماني في شكل واضح، وتمثل هذه الخريطة رصداً مهماً لحركة التجارة الأفريقية، وممرات عبور الصحراء الكبرى للوصول إلى الشمال أو العودة إلى الجنوب، وإن كنا نرى أن العنوان الذي حمله الكتاب «مصر والسودان في العصر العثماني» غير دال، إذ إن الكتاب يرصد الحركة التجارية وممراتها في المقام الأول، ولا يتعرض بكثير من التوضيح للعلاقة السياسية أو الدراسة الاجتماعية، وعلى رغم ذلك فقد كانت التجارة مدخلاً مهماً لدراسة العلاقة بين شمال الصحراء وجنوبها، ومعرفة ما كانت عليه الحياة في القرنين السابع والثامن عشر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.