* كثيرة هي دلالات ذاك التدافع الجماهيري الكبير، وعميقة معاني ذاك الحضور الحميم، فشارع التلفزيون بأم درمان يومها لم يكن فيه موطئ قدم، والأرجل لم تبرح مكابح السيارات المتراصة؛ كأنها لوحة ثابتة، أو رسم مزروع في أوتاد الأرض لفرط تسمرها، الأفواج تتقاطر من كل فج، الحب الدافق يقود الناس نحو المسرح القومي على أجنحة السرعة. * أجمل ما في تلك الحشود التي سدت جنبات المسرح القومي، أنها لم تأتِ لحضور حفل غنائي، ولكنها جاءت تشارك الفنان السوداني الكبير أبو عركي البخيت الحب والحزن، وتقاسمه الأسى والوفاء، وترسم برفقته لوحة عرفان باذخة الجمال لامرأة تستحق أن نخلع نعلينا إجلالاً وتقديراً أمام محرابها..! * كانت المرة الأولى التي يقف فيها عركي ليغني لزوجته ورفيقة كفاحه الطويل د.عفاف الصادق حمد النيل في ليلة الوفاء لها، بعد أن أغمضت إغماضتها الأخيرة، وإن جفت أنهار دموع عركي؛ فإن بحار حزنه لم تجف بعد، وقد لاحظت عند مهاتفته لي قبل يوم من الاحتفال؛ ليذكرني بمناسبة لا يمكن لي نسيان تاريخها أبداً، أن الحزن كان يكسو نبرات صوته، بينما الإرادة الصلبة تدفعه لمواصلة مشوار لم تفتر له فيه عزيمة، أو تخور له قوة رغم المتاريس، التي ظلت تعترض طريقه، والأسلاك الشائكة التي توضع أمامه، فكان الرجل على امتداد الرحلة صامداً، يجسد كل معاني الثبات، وقوياً كالجبال الرواسي الشامخات. * أكثر ما يلفت الانتباهة، العلاقة الاستثنائية التي تجمع بين زوجين مبدعين، ظلا يمسكان بيد بعضهما في كل المواقف والظروف والمحن، وعندما تقرأ لهما تدرك حجم الرباط الذي يجمع بينهما، والقواسم التي تعلو هامتها عالية عندما تجمع بينهما؛ فما أروع الراحلة عفاف وهي تكتب في عيد زواجهما:" الشكر لله على نعمة عركي.. وشكري لأيام وهبتني من براحاتها ألواناً نديةً.. طعماً شهي المذاق.. ندي الملمس.. حفي العطاء.. لأيامي معك مَذاقٌ مُتفرِّد.. وطعمٌ له لون الماء وانسياب ضفائر السحب حين يمشط جدائلها رذاذ المَطر؛ فيغني وقعها أغنية لقصة سطّرناها ولم تكتمل.. كان احتفاء لا بانقضاء أيامه يحسب.. ولا بمرور السنين تطفئ شُمُوعه.. مضيئة هي أيامنا.. رائعة هي أيامنا.. شمعاتها فلذاتنا وإحساس لن تمسه عواصف الزمان.. وكأنه لم تستوعب سره العقول.. كل عام أنت متكئ وملاذي ورجائي.. وكل أقوالي أمام الله". ليرد عركي يومها بأعمق ما يكون الكلام وأبلغ ما تكون المشاعر: (من قبل أكون وإنتي تكوني في رحم الغيب كنا أجنة ربنا بارك في أرواحنا وبمبدأ حبنا شكلنا غصنين يانعات من الخُضرة من شجر الجنة اتفرّعنا.. كل سنة ونحن أكثر تماسكاً في هذا الزمن وإلى الأبد)..! * كل ما تسمعه عن محبة عفاف الصادق لرفيق نضالهان وتوأم روحها وشريك كفاحها، يظل واحدًا منقوصًا لا يكتمل إلا بحديث عركي عنها، وما إن ترهف سمعك وتمنح إصغاءك لعركي، وهو يحدثك عنها؛ حتى يتبين لك أنك لم تعرف عن تلك المحبة شيئًا بعد، ولعل ديباجة الوداع التي تفوح ودًا وصدقًا وعمقًا، وضعتها عفاف على حقائب عركي، وهو يحزمها في ذات رحيل مؤقت اقتصته الضرورة لتكتب بحبر الروح: يوم تقول لي داير تسافر بستف الحب بين ملابسك شان يلامسك كل هدما ترتديهو تلاقي فيهو قليبي حارسك ولما تهدأ فوق وسادتك تلقى روحي ملت جوانحك ولما تغمض رمش عينيك أبقى في نومك أزاحمك ولما تبقى أمام مرايتك تلقى صورتي كست ملامحك وكل موقف من مواقفك أبقى قدرك وأبقى فيهو أنا البشابهك ولما تمرق لي صحابك وكل زول بشوق يسالمك تلقى في إيديهو إيدي ولمحة من عيني تصابحك حتى في نغمة كلامو تلقى صوتي مزج سلامو وتحس بي، أنا البصافحك..! نفس أخير * عليِّ صوتك بالغنا.. لسه الأغاني ممكنة!