بالنسبة لي جاءت زحمة شوارع الرياض ذلك الصباح بفائدة، كانت السيارة الواقفة أمامي والتي ظلت تتحرك أمامي وأتبعها كمرافق وديع سيارة نقل بضائع حجم متوسط أصغر من شاحنة وأكبر من وانيت وعلى قفاها مكتوب بخط عريض: (جمع الكراتين والأوراق والكتب التالفة حفاظا عليها من الإهانة وفيها ذكر الله)، ومكتوب تحت هذه العبارة: (لتسليم الكميات رقم هاتف)، وطبعا مكتوب رقم الهاتف. في البداية لم أفكر في شيء بخصوص هذه اللافتة العريضة المتحركة غير أن الزحام أبقاها أمامي طويلا وأرغمني على قراءتها عشرات المرات وشيئا فشيئا صرت مشغولا بها: جمع المخلفات الورقية عمل مشروع ومفيد وطيب وربحه حلال زلال كل هذا حسن، ولكن لماذا إقحام المشاعر الدينية في المسألة؟! وخمنت الإجابة بسرعة: حتى لا يطالب أحد بثمن لهذه المخلفات الورقية! وفي هذا ضحك على الذقون والضحك على الذقون ليس من الدين والدليل على أن مثل هذه اللافتة المتخذة شكلا إسلاميا تجارية بحتة واضح من العبارات المكتوبة نفسها، فالمكتوب يقول: (لجمع الكراتين) وليس على معظم إن لم يكن كل الكراتين لفظ الجلالة أو آيات قرآنية ولا أحاديث طبعا ولا حتى أقوال مأثورة وآخر المكتوب: (لتسليم الكميات رقم الهاتف ....)، مما يعني أن ما لا يشكل كميات لا علاقة لأصحاب سيارات النقل هذه به حتى لو كان فيه أو (فيها ذكر الله)، فالرقم المنشور يشترط (الكميات) مما يعني أنه يعتبر الاتصال عليه في غياب هذه (الكميات) مسألة غير مرغوب فيها وهو أمر واقعي نعم لكنه تجاري بحت أيضا وتجارته تجارة دنيوية تقصد الربح المادي وتحذر الخسارة المادية وتتجنبها أما كسب الأجر من الله فأهلا وسهلا به لا أحد يكره الأجر أو يطرده حتى لو لم يأت على طبق من ذهب أو أطباق من ورق ليس عندي تحفظات من أي نوع على التجارة وطلب الربح الحلال والسعي وراء الرزق كل هذا حسن بل ومطلوب، لكني أتحفظ على إقحام الدين والعزف على مشاعر الأجر والثواب أو التخويف من الويل والثبور في مسائل كهذه، ولو كانت المسألة مقتصرة على مثل هذه التجارة وعلى مثل هذه السيارة وعلى مثل هذه اللافتة لهان الأمر، لكن: انظر حولك تجد أن زحامها أشد من زحام شوارع الرياض صباحا، وأن بعضا منها يفكر جديا وإن من تحت الأرض باستخدام نظام (كافر) مستفيدا ظاهريا من نظام (ساهر) الذي أثبت فعالية محمودة!. • «عنوان المقالة مقتبس من اسم أحد الأفلام العربية»