"مؤسسة الحبوب" تستقبل أول باخرة قمح من إنتاج الاستثمار السعودي بالخارج    "الأرصاد": عوالق ترابية على محافظة العقيق بالباحة    مكة المكرمة : بلدية العمرة تُغلق 7 عربات "فود ترك" غير مرخصة    وزير الصحة يوقف طبيبة نساء وولادة عن مزاولة المهنة    الصحة: موجة كورونا الثانية تعني ارتفاع الإصابات بعد تراجع كبير    الجمارك تُصدر آلية جديدة لتنظيم عملية استيراد منتجات "التبغ"    الجامعة الإلكترونية تُكرم أبطال الصحة الذين وافتهم المنية جراء فيروس كورونا    إغلاق الحياة    "السديس" يناقش الاستعداد لموسم العمرة    مسؤولو العلاقات العامة بجدة يحتفون باليوم الوطني ال 90    "الأرصاد": رياح نشطة وأتربة مثارة على منطقة نجران    “الحقيل” يشكر القيادة على الموافقة بإعفاء المستثمرين من سداد 25 % من قيمة إيجارات العقارات البلدية للعام الحالي    درس علمي بجمعية شرورة غداً    استمرار القتال بين أذربيجان وأرمينيا بشأن منطقة انفصالية    الدوري الإسباني: برشلونة يتغلب على ضيفه فياريال برباعية    #وزير_الرياضة يجتمع برؤساء أندية #دوري_المحترفين    اهتمامات الصحف السودانية    "المالكي": اتفاق الأسرى بين الحكومة اليمنية والحوثيين يشمل إطلاق سراح 15 جنديًّا سعوديًّا    هجوم غامض ب«ساطور» على شقيق عريس أثناء حفل زفاف ب«جدة»    إهتمامات الصحف اللبنانية    "العشرين" تعلن عن عقد قمة القادة افتراضياً يومى 21 و22 نوفمبر    إصابات #كورونا في الهند تتجاوز 6 ملايين والوفيات 100 ألف    هل جلسات «الشواء» في المتنزهات مخالفة؟ .. «الذوق العام» توضح    اليوم تُسحب قرعة دور ال8 من دوري أبطال آسيا    كومان يتحدث عن انفجار سواريز مع أتلتيكو مدريد    السيسي يحذر من مخططات نشر الفوضى    العويس يرد: أعتذر    فرسان العوجا يتجاوز طويق في البولو    حين تتزامن الرؤية مع مئوية التوحيد    في اليوم الوطني.. حائل تبتهج وتتزيَّن احتفالاً    القيادة تعزي رئيس أوكرانيا    مملكتنا الغالية نحو المجد والمستقبل المشرق    دمت يا وطن الشموخ والعز    فرض الحجر.. يخرج الإسرائيليين للتظاهر ضد نتنياهو    تربويون عبر عكاظ: لهذه الأسباب تمديد التعليم عن بعد.. ضرورة    «أبطال الداخلية».. صناع الأمن والطمأنينة    الحريري يتبرأ من تشكيل الحكومة اللبنانية    ماكرون يمهل زعماء لبنان 6 أسابيع لتشكيل الحكومة    «أدبي تبوك» يعلن أسماء الفائزين في مسابقته الشعرية    «تعليم جدة» يحتفي باليوم الوطني ب«صفحات لن تطوى»    برعاية الملك.. المؤتمر العالمي الأول للموهبة والإبداع.. 8 نوفمبر    اتفاقية تعاون لتطوير واحة للذكاء الاصطناعي في الرياض    «ستاندرد آند بورز»: قدرات السعودية تمكّنها من تجاوز التحديات    «شؤون الحرمين» و«الحج» تناقشان المرحلة الأولى للعمرة التدريجية    عودة برامج الزيارة لمجمع الكسوة ومعرض عمارة الحرمين.. الشهر المقبل    بدء أكبر الدراسات الجيولوجية الإقليمية بتكلفة ملياري ريال تغطي منطقة «الدرع العربي»    اللقاح المرتقب هل يعجّل بعودة التأشيرات السياحية ؟    البكر: الآسيوي اتحاد تفوح منه روائح الفساد.. وإبعاد الهلال أمر مدبر    العدالة يجدد للنخلي ويضم الأسمري وعسيري    3 ساعات فترة العمرة الزمنية وقائد صحي لكل وفد من المعتمرين    4 شروط لضم مدد التأمينات إلى التقاعد    مسابقة مدرستي في تعليم الرياض وهذه تفاصيلها    محافظ الغاط يزور ثانوية الغاط ويشيد بجهود الوزارة وتعليم الغاط    وفاة «المنتصر بالله» بعد صراع مع المرض    وزعوا الأفراح !    حفل أدارة #التعليم ب #نجران بمناسبة #اليوم_الوطني_التسعون    "الموارد البشرية" توضح شروط وآلية طلب تصريح استثناء للسفر الدولي للعاملين السعوديين    رئيس الديوان العام للمحاسبة يعتمد إستراتيجية الأمن السيبراني في الديوان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دموع أرملة
نشر في عكاظ يوم 14 - 08 - 2020

بصباحٍ يكاد ينطفئ من فرط شحوبه بدأ أحد أيام الشتاء في عام 1970م وقد تضرج بالكآبة. فشاخت شمسه فجأة واكتست جدائلها الذهبية لوناً عاجياً، وانكفأ زهوها وبهت سطوعها، وفقدت قطرات الندى بريقها وراحت تتدحرج بين نتوءات الصخور، وعلى أوراق الصمو بصعوبة.
دكنة واسعة اكتسى بها الجبل الضخم الذي كان يبدو كنهاية العالم وهو يقف حارساً لمنزل صغير من الأحجار يتشبث بسفحه كي لا يقع، ولكنها لم تكف لمواراة هزال الأشجار التي أثقلتها أغصانها.
هكذا كان الصباح، ولم يكن المساء بأفضل حالاً منه فما أن أقبل حتى ارتدت السماء عباءتها الرمادية وتمددت الغيوم فوق قمم الجبال وبدا أنه مساء عصيب.
ليس من صوت سوى حفيف نسمات هوجاء تتجول بنزق، وتتموج لها النباتات الرخوة وأصواف الخراف الكثة، وبضعة أطيار تنادت للاختباء تحت أوراق الأشجار.
طغى عليها صوت الرعد الجهوري الذي ما أن دوى حتى تساقطت قطرات المطر المتجمدة بغزارة وراحت تقرع السقف الخشبي للمنزل كما يفعل زائر ثقيل، فيما كانت تنبعث داخله رائحة الخبز وحساء القمح اللذين تعدهما الأم على الموقد الحجري، ويتكثف البخار المتصاعد منهما بفعل البرودة كما تفعل أنفاس الصبي وأمه في صدريهما بسبب الخوف فتخرج بيضاء متثاقلة.
في الخلف كان الحقل الصغير المحاذي للمنزلق الصخري ببئره العتيقة إلى جانبه الأيمن قد أوشك على الامتلاء بالماء ولكي لا يفسد المحصول هرع الصبي وأمه ليشقا مجرى للمياه تعبر من خلاله.
كان ذلك المساء هو الثاني الذي يكاد يمضي دون أن يعود والد الصبي من رحلته إلى قرية تبعد عشرات الأميال لشراء بضعة خراف يضاعف بها قطيعه.
وليوم ونصف كان عليهما أن يتقاسما الوحدة ويقتسما القلق. يمضي الوقت ثقيلاً كما يسير رجل مسن ويملأ فؤاديهما خيفةً وذعراً، ضاق بهما الصبي ذرعاً فغافل أمه، وصعد عبر الطريق الوعرة نحو قمة الجبل آملاً أن يتناهى إلى سمعه صوت يطمئنه أو أن تنشق الغيوم عن شمس يرى بها الطرق المتعرجة التي يسلكها المسافرون عبر الجبال لعل عابراً يحمل إليه ما يسره.
في الطريق نحو قمة الجبل كان البرد يغمس أمواسه في الهواء وضراوة المطر تشتد وصوت الرعد يعلو، وعصا البرق تضرب قاعا غير بعيد فيصدر عنها وميض يرى الصبي من خلاله المياه التي تنهمر بشدة لتجرف ما ثقفت في طريقها ويلمح الصخور السوداء المتراصة وقد انفرجت عن فجوات تتدفق منها المياه ويشاهد أشجار العرعر والزيتون الجبلي وقد خارت قواها فأخفضت أغصانها الوارفة.
منظر مريع رغم هوله لم يمنع الصبي عن مواصلة صعوده وقد أشعل حب والده عزيمته ودفعه إلى المجازفة ولكنه حين بلغ القمة كان الظلام قد أسدل أستاره والمطر أصبح كثيفاً والريح بدت أشد مما هي في السفح فراحت تدفع زخات المطر المتجمدة بفضاضة فلا يُرى ما خلفها.
أراد الصبي أن يعود أدراجه، ولكن العودة ستكون عبر المنحدر الزلق وهو أمر بالغ الخطورة، ولذلك رأى أن يلجأ إلى الشجرة الكبيرة المجاورة التي اعتاد أن يتسلقها ليرى الجبال من علٍ، ريثما يهدأ المطر.
وبحذر أخذ يسير بمحاذاة الصخور متشبثاً بما ثقفت يداه منها وما أن وصل إلى الشجرة حتى شعر وكأنما قد أخفضت له أغصانها الوارفة لتحتضنه.
فخلع عن جسده الضئيل رداءه المبلل وعلقه بأحد أغصانها وأشعل ناراً أدار نحوها ظهره لينفذ الدفء إلى جسده عبر جلده الرقيق.
وفيما استمر المطر يتساقط بضراوة وإصرار محتجزاً إياه تحت الشجرة، كانت أمه قد هامت على وجهها باحثة عنه، حاولت بدءاً أن تقتفي أثره فحملت قبساً من ضوء وطفقت تجمع بعينيها المتعبتين ما استطاعت من أثر ولكن المطر أطفأ الضوء ومحا الأثر ولم يدع فسحة لرؤية أو حيز في الهواء لتعلق فيه رائحة جسد الصبي التي تعرفها جيداً، انهمرت عبراتها وامتزجت بزخات المطر حتى ألصقت جفونها، ولم تعد ترى شيئاً.
شعرت باليأس والهلع وهما يتسللان إلى فؤادها وأحست بيد الخوف تمتد إلى جوفها لتعصر قلبها، وبدأت الأفكار الشائكة تخز مخيلتها فأرسلت صوتها الخائف عبر الريح لعله يصل إلى أذني ابنها الصغيرتين ولكن صوت الرعد كان يبدد نداءاتها ويئد آمالها.
وهكذا كادت تمضي ليلتها لولا أنها قدرت أن المطر الكثيف لن يسمح للصبي أن يبتعد كثيراً وأنه ربما يكون قد سقط في البئر فهبت مسرعة نحوها ولكنها لن ترى شيئاً على كل حال.
في الصباح الباكر كان المطر قد توقف فأفصحت السماء عن زرقتها الساحرة وسطعت الشمس على صفحات الماء المتناثرة، وبدت الأشجار المغتسلة بماء المطر وقد استعادت بعضاً من نظارتها.
استيقظ الصبي من هجعة عابرة وما أن رأى الضياء وقد نشر بيارقه على قمم الجبال حتى استقام واقفاً وركض بخفة غزال عبر السفح الوعر وهو يُمنّي نفسه برؤية والديه.
تسابقت خطواته ونبضاته، وتزاحمت في صدره الصغير نشوة النجاة وتوق اللقاء، كان كعائد من سفر طويل يحشو الترقب عقله بالكثير من السيناريوهات ويملأ قلبه حنيناً وغبطة.
ومن بعيد رأى والدته إلى جانب البئر، بدت وكأنها تحمل تلال الماء على ظهر السانية، فسُر لذلك وسرت في قلبه الطمأنينة ولكنها لم تلبث أن استحالت قلقاً حين بلغ السلم الحجري الذي يفضي إلى المنزل ورأى أمه تنكب على ركبتيها وقد سجت أمامها جسداً منتفخاً، بدا أنها أخرجته لتوها من البئر.
شعر بقلبه وقد صعد إلى حنجرته وأحس بأن ساقيه لم تعد تقويان على حمله فأبطأ من سيره وحين أحست به ورفعت رأسها رأى في عينيها دموع أرملة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.