قدّم الناقد عبدالرحمن مرشود خلال الحلقة النقدية التي نظمها النادي الادبي بجدة مساء امس الاول ورقة نقدية بعنوان «أسئلة الهوية في أسطورة الثور الأبيض» وقال فيها: "لعلّ الجميع تقريباً يعرف قصّة الأسد والثيران الثلاثة، وارتباطها بالمثل الشهير «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض»، والتي اوردها أبو هلال العسكري كقصة في (جمهرة الأمثال) وأشار إلى وجودها في (كليلة ودمنة) من قبل، لذلك فرغم عدم عثوري على هذه القصّة في النسخة المعاصرة من كليلة ودمنة، إلّا أني لا أستطيع تجاهل إشارة أبي هلال لموثوقيته وقرب عهده بابن المقفّع وعليه فإنّي أرجّح نقص النسخة المعاصرة وسقوط هذه القصة من الكتاب المحقّق، كما أورد أبو الفضل الميداني هذه القصّة كذلك في (مجمع الأمثال) بإسهابٍ أكثر ونسب لعليّ -رضي الله عنه- التمثّل بها، وهو ما يستبعد صحّته بعض الباحثين ولقولهم بعض الوجاهة كما لا يخفى، لتقدّم عهد علي -رضي الله عنه- على عهد مترجم الكتاب، ووردت هذه القصّة بشكل مقتضب جداً في (حكايات أيسوب) اليونانية والتي يرجعها المؤرخون إلى ما قبل الميلاد بأكثر من خمسمئة وستّين سنة، وهذا ما جعل عبدالمجيد عابدين يقول باحتمال وصولها للمسلمين الأوائل عن طريق احتكاكهم بالسريان قبل ترجمة (كليلة ودمنة)". وابان مرشود خلال الندوة أن عناصر القصّة هي: (أجمة) أي بقعة مغطّاة بالشجر الكثيف الملتفّ الذي تأوي إليه الحيوانات أحياناً، فيها ثلاثة حيوانات يجمعها الجنس نفسه مع اختلاف في الألوان (الثيران). وحيوان يتجسّد فيه خطر واقع مرئي على الحيوانات الثلاثة (الأسد) وخطرٌ مقدّر غير محدّد تتوقّعه حيوانات الأجمة بما فيها الأسد، لعلهم (الصيّادون) أو نحو ذلك، يشير إلى وجود ذلك الخطر في القصّة عبارة (يدلّ علينا) وخطّة من صنع أحد أطراف القصّة (الأسد). وقال مرشود إن القصة تكشف ثلاثة مستويات من تمايز الهويّة بمحددّات طبيعية، المستوى الأوّل يشمل الأسد والثيران الثلاثة إزاء الخطر المقدّر عليهم من جهة، وإزاء المكان من جهة اخرى. أمّا المستوى الثاني فهو ذلك الذي يميّز الأسد من حيث الجنس عن الثيران وأهم ملامح ذلك التميز هو افتراس الأسد وعشبية الثيران. بينما يتجلّى المستوى الثالث في التمايز اللوني بين الثيران الثلاثة فأحدها أبيض والثاني أسود والثالث أحمر. تقدّم القصّة الأسد بصفته الطرف النشط المغرض بنحوٍ متقدّم على الطرف الآخر المتلقّي الذي تجسّده الثيران الثلاثة. ونبه إلى أن الفارق بين (تمايز الهويّات) و(الشعور بذلك التمايز)، مشددا على أن الشعور بالهويّة ليس مرتبطاً تماما بالمحددّات الطبيعية أو المنطقية بل إن كثيراً ما يشوبه الاعتباط بل واللامعيارية أحياناً، وقال: "فلنحاول العودة إلى عناصر هذه القصّة ومحاولة تحريك بعض متغيّراتها، فكيف سيكون الأمر لو كان للثيران اللون نفسه؟ وماذا لو كان هناك لون مشترك لثورين ولون آخر يخالفهما به الثور الثالث؟ وماذا لو كان هذا اللون المختلف لوناً آخر غير الأبيض؟". وأضاف:" قد يكون للكائنات ماهيات مختلفة عن الانسان الذي يمتاز بوجود هوية له وذلك عائد لعاملين هما: الهويّة ليست مفهوم انطولوجي بل مفهوم أبستمولوجي في الحقيقة، فهو يأخذ معناه من إدراكه والشعور به لا من وجوده العينيّ في العالم أو الطبيعة. اما العامل الثاني فهو أن الإنسان هو الكائن الوحيد المتحرر نسبياً من مشروطيّات الطبيعة، فهو كائن بإمكانه أن يختار اجتماعياً أو فردياً السير عكس الحتميات السببية للطبيعة". وشهدت الحلقة التي أدارها الناقد الدكتور محمد ربيع الغامدي مداخلات عدد كبير من النقاد الحاضرين والمهتمين ما بين مؤيد ومعارض. وكان من أبرز الحضور الدكتور سعيد السريحي الدكتور عبدالله الخطيب والناقد على الشدوي الدكتور يوسف العارف والدكتور احمد ربيع الدكتور على الغامدي، والدكتورة لمياء باعشن، والدكتورة نجاح الجحدلي والدكتورة الهام باجنيد وشعلان الشمري وصالح فيضي وجواهر الحربي وسناء الغامدي، وفاطمة عبدالله وفاطمة الفقيه وابتسام العمري وبارعة الزبيدي ومها منصوري.