ظهر في سماء العلاقات الدولية مصطلح العولمة كمرحلة من مراحل تطور المجتمعات ونموها في مجال العلاقات التجارية الدولية، وهو مؤشر على انفتاح الاقتصاد وتحوله نحو آلية الأسواق الحرة، بسبب انسياب السلع والخدمات ورؤوس الأموال. ويشكل الاستثمار الأجنبي أحد أهم الوسائل المؤثرة في توسيع قاعدة وتطوير الاقتصاد وزيادة الانتاجية ونقل التكنولوجيا، لذا تعمل الدول جاهدة على تهيئة مناخها القانوني، وتكييف أوضاعها وإزالة العقبات والقيود التي قد تحول بين جذب الاستثمارات الأجنبية والاستفادة منها في الداخل. وقد أدى إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981م إلى تأهيل الدول الست الأعضاء تدريجياً لبلوغ درجات متقدمة من النمو والتكامل الاقتصادي، وفي هذا الاتجاه تم توقيع الاتفاقية الاقتصادية بين دول المجلس في 31 ديسمبر 2001م بمدينة مسقط بسلطنة عمان، التي وضعت أسس العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس وبين العالم الخارجي، من خلال توحيد سياستها الاقتصادية وتشريعاتها التجارية والصناعية والأنظمة الجمركية المطبقة فيها، لتطوير قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية. كما صدر نظام السياسة التجارية الموحدة لدول مجلس التعاون بناء على قرار المجلس الأعلى في دورته (23) التي عقدت في مدينة الدوحة بدولة قطر في ديسمبر 2002م، لتحقيق العديد من الأهداف ومن ضمنها تنشيط التبادل التجاري والاستثماري مع العالم الخارجي، وتوسيع أسواق صادرات دول المجلس. وبعد صدور هذه القرارات والأنظمة العديدة ومنها على سبيل المثال: (1) نظام الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون، (2) نظام العلامات التجارية بدول مجلس التعاون الخليجي، (3) اتفاقية الاتحاد النقدي لمجلس التعاون لدول الخليج، قامت دول المجلس باتخاذ خطوات جادة نحو تطبيق هذه القرارات والأنظمة لتحقيق ما يصبو إليه المجلس وأهدافه التي تصب في صالح المواطن الخليجي. كما قامت بتنويع مصادر دخلها وتهيئة أجوائها بصورة مكثفة لجذب الاستثمارات الأجنبية إليها. ومن ذلك القيام بالإجراءات اللازمة لتوسيع سياسة الاصلاحات التي تيسر قيام الأنشطة والمشاريع التجارية والصناعية، إلى جانب تطوير وتحديث منظومة الضرائب على الاستثمار الأجنبي، وتطوير الأنظمة والقوانين ذات الصلة، وإصدار قوانين جديدة تنظم إجراءات التحكيم على مستوى كبير من التقدم والتكامل تتماشى مع إجراءات التحكيم الدولية، بالإضافة إلى تأسيس مراكز تحكيم، وإنشاء هيئات لمكافحة الفساد، وتوفير آليات متعددة تتسم بالشفافية والوضوح سواءً في إجراءات التقاضي أو تنفيذ الأحكام، وإزالة العديد من القيود أمام الاستثمار الأجنبي أو تخفيفها بما لا يتعارض مع سيادتها أو مصالحها أو مع أنظمتها ولوائحها الداخلية، أو مع الاتفاقيات الدولية التي تكون هذه الدول طرفاً فيها. كما عمدت دول المجلس إلى التخلص من البيروقراطية الإدارية والتي غالباً ما تمثل عقبة أمام الاستثمارات الأجنبية، وذلك من خلال تفعيل الحكومة الإلكترونية التي أصبحت تباشر دوراً مهماً في إنجاز الأعمال والمصالح والخدمات العامة بصورة سريعة ومتقنة، وفضلاً عن ذلك فقد تم إنشاء مكاتب وجهات متخصصة بإمداد المستثمر الأجنبي بكافة البيانات والمعلومات اللازمة حول الإجراءات والضوابط التي يلزم توافرها لأي مشروع استثماري، وذلك لمنح المستثمر الأجنبي وسيلة للمفاضلة بين الخيارات المتاحة والمتنوعة لدعم رضاه في اتخاذ القرار المناسب، وَلِبث روح الطمأنينة لديه حتى يقدِم على ضخ أمواله بخطى ثابتة في المشاريع التي تتناسب مع سياسته المالية وأنشطته التي يزاولها، إلى جانب العديد من الأعمال الأخرى التي يصعب حصرها. وقد تمكنت دول مجلس التعاون الخليجي من الانتقال من النشاط التقليدي المتمثل في أنشطة النفط والغاز إلى نطاق يتسم بالشمولية يضم في طياته مختلف الأنشطة والمجالات لتنويع مصادر الدخل، وهذا يعد بمثابة مرحلة انتقالية نحو الانفتاح الاقتصادي، حيث استهدفت المرحلة الأولى التركيز على جذب الأنظار الدولية إلى منطقة الخليج باعتبارها بيئة استثمارية حيوية تتهيأ فيها كافة المظاهر لمزاولة الأعمال والمشاريع والأنشطة التجارية المتنوعة، وذلك بعد القيام بالإصلاحات المشار إليها، وبالفعل فقد كان لهذه الإصلاحات أثرها المباشر والحيوي في لفت الأنظار الدولية، التي أصبحت تراقب منطقة الخليج عن كثب، وتدرك أهميتها وفاعليتها في تنمية رؤوس الأموال ودر الأرباح. وبعدما تشكل الوعي والإدراك الكامل لدى المستثمرين الأجانب وأصبحت لديهم رؤية واضحة ومحددة المعالم حول ما يمكنهم القيام به وإمكانية تحقيقه على أرض الواقع، وما يتوافق مع متطلبات الأسواق لجعلها أكثر فاعلية من ذي قبل وتمكين المستثمر من جني عوائد مجزية، تم الانتقال بالفعل إلى المرحلة الأخرى التي شهدت تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى دول المجلس بصورة تدريجية، وذلك بعد نجاح المرحلة الأولى التي كانت تهدف إلى مجرد جذب الأنظار. وها نحن الآن نرى الانفتاح والتوجه نحو مجالات وقطاعات عدة كالتعليم والصحة والتكنولوجيا والنقل والبنية التحتية وغيرها، إذ أن هذه المجالات تجلب مزيداً من الاستثمارات المرتبطة بها. وأود هنا أن أهدي للقارئ الكريم نسخة من تقرير صدر مؤخراً عن اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي وجاهزيتها لاستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أبرز التقرير صورة مشرقة وتميزاً فريداً للاقتصاد السعودي، وذلك من خلال الفرص الواعدة والمتنوعة والبيئة الجاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء. ويمكن الحصول (الوصول) عليه عبر هذا الرابط: https://www.dropbox.com/s/34h2ljk5byad1g9/Blakes_GCC_2014_ar_FINAL_LR.PDF?dl=0 وختاماً أتوجه بنداء إلى جميع المسئولين القائمين على مجلس التعاون بتكثيف جهودهم للوصول إلى مرحلة التكامل الاقتصادي، والذي أثبت التقرير المشار إليه أعلاه أن ذلك سوف يحدث نقلة اقتصادية كبيرة في دول المجلس بشكل غير مسبوق. فقد طال انتظار المواطن الخليجي والكرة الآن في ملعبكم أيها المسئولون فلا تخيبوا آمالنا. وفقكم الله وسدد إلى الخير خطاكم. المحامي والمستشار القانوني