إذا أصابه أذى؟ ولماذا يتحول أي تهديد له إلى قضية تتجاوز حدوده الجغرافية لتلامس وجدان شعوب كاملة؟ الإجابة لا تختزل في سبب واحد، بل في تباين منهجين تشكّلا عبر الزمن: منهج يقوم على البناء وحل المشكلات، وآخر يقوم على الهدم وتوظيف الأزمات وإدامتها. في الوقت الذي كانت فيه إيران تصدّر للعالم الإسلامي نموذجها في توسيع النفوذ عبر شدّ العصب الطائفي، ودعم الميليشيات، وإغراق الدول بالسلاح والصراعات، كانت دول الخليج العربي، ترسّخ نموذجاً مختلفاً تماماً؛ نموذج يقوم على الوساطة بين المتخاصمين، ودعم الاستقرار، وإرسال المساعدات، وبناء المستشفيات والمدارس، وتمويل التنمية، ونشر العلم والمعرفة. هذا التباين لم يكن سياسياً فقط، بل كان فرقاً في فلسفة التعامل مع الإنسان والدولة، وهو ما رسّخ صورة الخليج العربي في وجدان كثير من العرب والمسلمين. هذه الصورة لم تُبنَ بالشعارات بل بالأثر، فبلغة الأرقام، قدمت المملكة العربية السعودية أكثر من 141 مليار دولار من المساعدات الإنسانية والتنموية، ونَفّذت ما يزيد على 7900 مشروع في 173 دولة، ما رسّخ مكانتها بين أكبر الدول المانحة على مستوى العالم، فيما قدمت الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها حتى منتصف عام 2024 أكثر من 98. مليار دولار لأكثر من مليار مستفيد في 200 دولة ومنطقة، وبلغت قيمة المساعدات الإنمائية والإنسانية التي قدمتها الكويت على مدى ربع قرن نحو 42 مليار دولار، ووصل عدد المستفيدين من مشاريع جمعية قطر الخيرية خلال عام 2025 وحده إلى 21 مليون شخص في 70 دولة. هذه الأرقام لا تعكس فقط سخاءً مالياً، بل توجهاً إستراتيجياً يعلي قيمة الإنسان ويرى في الاستقرار بناء وحياة. في المقابل، فإن السياسات الإيرانية، بدلاً من أن توسّع نفوذها بشكل احترافي وبطريقة ناعمة، كشفت عن أطماعها التوسعية الطائفية، وأسهمت في إعادة تعريف صورتها في الوعي العربي والإسلامي، وبانت حقيقتها بشكل جليّ أمام العالم الإسلامي، عندما دعمت نظام الأسد البائد بمليارات الدولارات ليفتك بشعبه، وتبنت ميلشيات نشر الفوضى في العراق وفلسطين ولبنان وغيرها من الدول حول العالم، وصولاً إلى استهداف دول الخليج العربي بالصواريخ والمسيّرات مؤخراً. وعند نقطة استهداف دول الخليج العربي تظهر مفارقة لافتة: فبدلاً من إضعاف الخليج العربي، أسهم النظام الإيراني دون قصد في تعزيز التضامن معه، وتقريب المسافات بين دول وشعوب كانت بينها تباينات. لكن فهم مكانة الخليج لا يكتمل دون النظر إلى عمقه الأهم، وهو البعد الديني، فوجود الحرمين الشريفين يمنح هذه المنطقة مكانة لا يمكن مقارنتها بأي موقع آخر، لأنها ليست رمزية مجردة، بل علاقة يومية يعيشها كل مسلم، تتجدد مع كل صلاة، وتتجسد في رحلة الحج التي تمثل ذروة الارتباط الروحي، ولهذا فإن أي تهديد للخليج لا يُقرأ فقط كحدث سياسي، بل كمساس بمركز معنوي في وعي الأمة. وعبر التاريخ، لم يكن الخليج العربي هامشاً، بل كان دائماً نقطة ارتكاز ووصل، من رحلة الشتاء والصيف التي ربطت بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية بجنوبها، إلى رحلات العقيلات التي وصلت نجد ببلاد الشام والعراق ومصر، وصولاً إلى دوره اليوم كمفصل رئيسي في الطاقة والتجارة العالمية، وهذه الاستمرارية تعني أن الخليج العربي أعاد إنتاج أهميته بأشكال أكثر تأثيراً. كما أن وجود أكثر من 20 مليون مقيم من الدول العربية والإسلامية في الخليج خلق شبكة إنسانية واسعة، تربط استقراره بحياة ملايين الأسر خارج حدوده، وهؤلاء لا ينقلون الأموال فقط، بل ينقلون التجارب والصور والانطباعات، ما يجعل العلاقة مع الخليج علاقة معيشة يومية، لا تصوراً نظرياً. وفي هذا السياق، تبرز أيضاً الروابط الاجتماعية والقبلية والثقافية التي تلعب دوراً مهماً في تشكيل هذا القرب خصوصاً في أوقات الأزمات، حيث يتحول التضامن إلى موقف تلقائي، لا يحتاج إلى تفسير سياسي. وما يعزز هذه الصورة اليوم هو الطريقة التي تدير بها دول الخليج التهديدات، فالتعامل مع الصواريخ والمسيّرات ليس مجرد فعل عسكري، بل منظومة متكاملة من الجاهزية التقنية والإنذار المبكّر، هدفها الأول حماية الإنسان مواطناً كان أو مقيماً أو زائراً. هذه المقاربة تعكس فهماً عميقاً لمعنى الدولة، حيث تكون قوة الردع مرتبطة مباشرة بحماية الحياة. في المحصلة، لا يمكن تفسير محبة الخليج العربي بجانب واحد، فهي ليست دينية فقط ولا اقتصادية فقط، ولا سياسية فقط، بل هي نتيجة تداخل كل هذه العوامل عبر الزمن، وعلاقة تشكّلت من التجربة، وتعززت بالأثر، وترسّخت بالثقة. ولهذا، حين يُهدَّد الخليج العربي، لا يُنظر إلى الأمر كحدث عابر، بل كاختبار لمعادلة أوسع تتعلق باستقرار المنطقة وهويتها، وربما هنا تحديداً يكمن الجواب الأهم وهو أن الخليج ليس مجرد جغرافيا بل نموذج حضاري ونقطة ارتكاز في وعي أمة بأكملها، ولعل ما يحدث اليوم يقودنا إلى بناء إستراتيجية عربية تعزز القوة وتحمي المنطقة من التهديدات شرقاً وغرباً.