ليس هذا تقريراً عن بلد، بقدر ما هو إشارة عن لحظة تاريخية قررت فيها المملكة العربية السعودية أن تغير مساراتها، وأن تعيد تعريف نفسها قبل أن تقرأ بشكل مختلف من الخارج. فالمملكة، منذ عام 2015، لم تكن تمشي فقط في طريق الإصلاح، وإنما كانت تعيد رسم الطريق ذاته: حدوده، سرعته، واتجاهاته. وفي قلب هذه الحركة الثقيلة بالمعاني، كان صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، يقود تحوّلاً لا يشبه ما سبقه، لا في وتيرته، ولا في جرأته، ولا في اتساع مساحته. هذا التقرير لا ينطلق من سؤال: ماذا يريد الأمير محمد بن سلمان؟ بل من سؤال أعمق وأصعب: ماذا يحدث عندما تقرر دولة محورية، بثقل السعودية الرمزي والديني والاقتصادي، أن تعيد تعريف علاقتها بذاتها، وبمجتمعها، وبالعالم من حولها؟ منذ 2016 وحتى 2026، لم تعد التحولات السعودية تقرأ بشكل سياسات متفرقة، بقدر ما تقرأ كمسار متكامل، يتقدم فيه السياسي جنباً إلى جنب مع الاقتصادي، ويتداخل فيه الاجتماعي مع السياحي، وتتشكل فيه القوة الناعمة بوعي لا يقل عن وعي القوة الصلبة. لم تعد المملكة تكتفي بإدارة التوازنات، ولكنها باتت تصنعها، وتعيد توزيعها إقليمياً ودولياً، مستندة إلى رؤية معاصرة تدرك قيمة التحولات الزمنية. السياسة الخارجية السعودية.. الأمير محمد بن سلمان مرحلة التحول الكبرى من الدولة الريعية إلى الدولة المبادِرة والفاعلة في ظل رؤية 2030 هذه السنوات العشر من التحولات تمثل لحظة «تغيير جيني» في بنية الدولة: تغيير في تفكير المؤسسات، وفي نمط اتخاذ القرار، وفي موقع المملكة داخل الخارطة الدولية. وإذا كانت دول كثيرة احتاجت نصف قرن حتى تؤسس اقتصادات حديثة أو تبني مجتمعات جديدة، فقد أنجزت المملكة هذا العمل في عشر سنوات فقط. لماذا نكتب هذا التقرير؟ لأن العقد 2015 - 2025 ليس مجرد فترة عابرة في التاريخ السعودي، لكنها مادة بحث يجب أن تقرأ خارج العناوين الإعلامية اللحظية. التحولات التي قادها ولي العهد ليست مقالات متفرقة ولا تصريحات مناسبات، لكنها تمثلت في مشروع استراتيجي طويل المدى يعاد فيه بناء الاقتصاد، وتحويل المجتمع، وتطوير السياسة الخارجية، وتوسيع الهوية الثقافية، وتثبيت موقع الدولة في عالم يتغير بسرعة. ولأن ممن ينظرون إلى السعودية من بعيد قد يظنون أن ما حدث مجرد تحديث عمراني، أو موجة سياحية، أو انفتاح اجتماعي... بينما الحقيقة أن المشهد أعمق بكثير: إنه مشروع هندسة دولة. صياغة وعي جديد. ونقل مركز ثقل المنطقة إلى الرياض من جديد. في النقاط المحورية التي يضمّها هذا التقرير نبحث عن التحول بوصفه عملية شاقة، مليئة بالمقاومة، والاختبارات، والأسئلة المفتوحة. نراقب كيف انتقلت المملكة من اقتصاد يعتمد على مورد واحد، إلى اقتصاد يوسع قاعدته الإنتاجية، ويستثمر في الإنسان، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق. نقرأ كيف أعيد تشكيل الفضاء الاجتماعي، ليس عبر القطيعة مع التقاليد، لكن عبر إعادة تأويلها بما يسمح لها بالبقاء دون أن تعيق المستقبل. السياسة الخارجية، في هذا السياق، لم تكن انعكاساً لما يجري في الداخل، لكنها أصبحت شريكاً كاملاً فيه. المملكة التي خفضت منسوب الصدام، ورفعت منسوب الوساطة، لم تفعل ذلك بدافع الانكفاء، لكنه بدافع الثقة المتزايدة بقدرتها على لعب دور الموازن الإقليمي. أما السياحة، بما تحمله من رمزية الانفتاح على العالم، فلم تطرح كترف، إنما كجزء من إعادة تعريف المكان. المكان الذي كان يرى بوصفه عبوراً دينياً فقط، صار يقدم كذاكرة، وتاريخ، وطبيعة، ومستقبل. وهنا، تتلاقى الهوية مع الاقتصاد، وتتحول الجغرافيا إلى سردية جديدة. هذه المقدمة ليست بوابة للمديح، ولا مقدمة للحكم النهائي. هي دعوة للقراءة في العمق، لفهم التحول السعودي كما هو: متعدد الطبقات، محكوم بحسابات دقيقة، ومفتوح على احتمالات كبيرة. المبادرات السعودية في التهدئة أظهرت قدرة على دمج القوة العسكرية بالذكاء الدبلوماسي الرياض أظهرت قدرة عالية على استخدام أدوات القوة الناعمة هذا التقرير عن دولة قررت ألا تنتظر المستقبل، بل أن تصنعه، وأن تفاوضه بشروطها، وأن تتحمل كلفة ذلك علناً. التغيير السياسي المملكة تعود إلى مركز الطاولة كانت الصورة النمطية للمملكة، في العقود الماضية، تتمثل غالباً، في دولة تؤثر بصمت، تتحرك بحذر، وتضع الاستقرار في مقدمة أولوياتها. منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان الجميع يعرف أن القرار السعودي في السياسة الخارجية لا يخرج عن حدود التريث والتحفظ، في نشرات الأخبار الرسمية، وكانت المملكة تفضل الانتظار والمراقبة قبل أن تتحرك. الاستقرار كان شعارها، وأداته الأقوى، وما زاد من عمق هذا المنهج هو إدراك القيادة أن المحافظة على توازن القوى في محيطها الخليجي والعربي تتيح لها النفوذ الأكثر استدامة، دون الدخول في صراعات قد تهدد اقتصادها ومصالحها الحيوية. لكن السنوات التي تلت عام (2015) كشفت عن نسخة مختلفة تماماً من السعودية: أكثر وضوحاً، أكثر حضوراً، وأكثر جرأة في إدارة الملفات الإقليمية والدولية. لم يعد السؤال هو «ماذا تريد السعودية؟»، بل صار «ماذا تفعل السعودية؟»، لأن الفعل السياسي أصبح مرادفاً للقوة، وأداة لإعادة ضبط موازين القوى في المنطقة. المملكة.. أعادت صياغة موازين القوة في الإقليم والعالم رؤية 2030 لم تعد وثيقة إصلاح بقدر ما صيغت كخطة نهضة كاملة نجح الخطاب الإعلامي السعودي في قيادة مرحلة تحول واضحة، بدءًا من إعادة الثقة بالإعلامي السعودي بوصفه قادرًا على التعبير عن تطلعات وطنه، ونقل الصورة كما هي، بصدق ووعي بالسياق المحلي. هذا التحول لم يكن شكليا، بل استند إلى قناعة بأن الإعلام السعودي الأصيل أقدر على فهم التفاصيل الثقافية والاجتماعية، وأكثر انسجاما مع المزاج العام للمجتمع وتفاصيله. من المعروف أن الخطاب الإعلامي أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام، ليس فقط من خلال ما يقدمه من معلومات، بل أيضا عبر طريقة العرض، وحجم الإسهاب، ومن يقدم الرسالة. وفي هذا السياق، يبرز التحول في الخطاب الإعلامي السعودي كنموذج لافت في إدارة الرسالة الإعلامية وتوجيهها بفاعلية. ومن الأدلة على هذا النجاح، الاستغناء التدريجي عن الاستعانة بإعلاميين من الخارج يحملون أفكارا أو أساليب قد لا تنسجم مع الطريقة السعودية في الطرح والتواصل. فالاعتماد على خطاب مستورد غالبا ما يؤدي إلى ازدواجية في الرسائل الإعلامية؛ إذ تُقدَّم القضايا المحلية بلغة أو إطار لا يعكس واقعها الحقيقي، مما يربك المتلقي ويضعف مصداقية الخطاب. كما أن هذا التحول ساهم في الحد من الإسهاب غير المنتج في نقل الأخبار الرسمية. فبدل الإغراق في تفاصيل مطوّلة تُرهق المتابع وتشتت انتباهه، اتجه الخطاب الإعلامي السعودي إلى الوضوح والتركيز، مع الحفاظ على العمق عند الحاجة. وهذا بدوره عزّز قدرة المتابع على الفهم والتحليل، وربطه بالسياق الإقليمي والدولي دون عزله عنه. إن تمكين الإعلام السعودي الذي يقارع الحجة بالحجة، ويواجه النقد بطرح منطقي، ويهاجم عند اللزوم دفاعا عن الحقيقة والمصلحة الوطنية، دون انزلاق إلى التهويل أو الإسهاب المضلِّل، يرفع مستوى المسؤولية المهنية؛ فالإعلامي الذي ينتمي إلى البيئة نفسها يكون أكثر وعيا بتأثير كلمته، وأكثر حرصًا على نقل الواقع دون تهويل أو تمييع، وهذا يشكّل ركيزة أساسية في بناء خطاب إعلامي متوازن. التحول الإقليمي: من الحذر إلى المبادرة 1 اليمن: الحرب والوساطة في اليمن، لعبت السعودية دوراً مفاعلاً: كوسيط دبلوماسي. منذ اندلاع الحرب، حرصت الرياض على فرض قواعدها الاستراتيجية، لكنها أيضاً كانت مركزاً لإعادة ترتيب المفاوضات بين الأطراف المختلفة، بما يحفظ مصالحها ويضمن الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي. المبادرات السعودية في التهدئة وتسهيل الحوار بين الأطراف المحلية أظهرت قدرة على دمج القوة العسكرية بالذكاء الدبلوماسي، وجعلت الرياض لاعبا مؤثرا في تحديد مسار الأحداث على الأرض. منذ اللحظات الأولى لتصاعد التوتر في محافظة حضرموت، تحركت المملكة من أجل الأستقراركوسيط حريص على تجنيب اليمن مزيداً من الصراعات الداخلية، حيث قادت جهوداً مكثفة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة عسكرية مفتوحة قد تترتب عليها كلفة إنسانية وسياسية باهظة، معتمدة في ذلك على مبدأ ثابت يقوم على تغليب الحوار والحلول السياسية لمعالجة الخلافات بين المكونات اليمنية، وفتحت قنوات تواصل مباشرة وغير مباشرة مع جميع الأطراف المعنية، مطروحة مبادرات عملية تهدف إلى خفض التوتر وسحب القوات من بؤر الاحتكاك وتسليم المواقع العسكرية للقوات النظامية بما يضمن استقرار حضرموت ويحافظ على خصوصيتها الاجتماعية والسياسية. محافظة حضرموت تمثل ركيزة أساسية للاستقرار في جنوب اليمن وأن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة تتعارض مع متطلبات المرحلة الانتقالية وتنسف الجهود الرامية إلى بناء دولة قائمة على التوافق والشراكة واحترام إرادة المجتمعات المحلية. فشلت محاولات احتكار القضية الجنوبية وفرض رؤى الانفصال بالقوة أضعفت الثقة السياسية وأربكت عمل المجلس الانتقالي، مضيفة توترات أمنية وأزمات اجتماعية في حضرموت والمهرة، ورافقت هذه التحركات حالة من القلق المجتمعي وسقوط ضحايا بين المدنيين، وهو ما زاد من حالة الرفض الشعبي لتواجد قوات المجلس الانتقالي في المحافظة وأعاد طرح تساؤلات حول أهداف هذه التحركات وتوقيتها. كما أثارت ازدواجية الخطاب السياسي للزبيدي جدلاً واسعاً، إذ يطالب بالانفصال وتكوين دولة مستقلة في الوقت الذي يشغل فيه منصباً سيادياً في أعلى هرم السلطة اليمنية الانتقالية، إلى جانب اتهامات متكررة باستغلال القضية الجنوبية لمكاسب شخصية وتعزيز نفوذ فصيله العسكري على حساب المصلحة الوطنية، وارتباطات محتملة بأجندات خارجية تتناقض مع إرادة المجتمع الجنوبي. وفي مقابل هذا النهج التصعيدي، واصلت المملكة التأكيد على أنها استنفدت كافة الطرق السلمية لإيجاد حل للأزمة، متمسكة بالحوار والمنطق السياسي ومصالح الشعب اليمني، وحرصت على دفع الأطراف نحو الالتزام بالمسار السياسي واحترام التوافقات القائمة، مؤكدة أن دعمها لليمن واستقراره سيظل ثابتاً وأن الباب لا يزال مفتوحاً أمام الحلول السياسية إذا ما توفرت الإرادة الصادقة وتغلب صوت الحكمة على منطق المغامرة. تسعى المملكة على الفصل بين جوهر القضية الجنوبية العادلة وبين الممارسات التصعيدية ، وضرورة إعادة النظر في إدارة الشؤون الأمنية عبر قوات نظامية تمثل أبناء المحافظة وتحترم خصوصيتها الاجتماعية والتاريخية، بما يحفظ وحدة اليمن ويصون السلم الأهلي ويحول دون تفاقم الصراعات الداخلية. وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة، يبدو أن أزمة اليمن ستبقى عاملاً أساسياً في حماية فرص السلام ومنع انهيار الاستقرار عبر جمع الأطراف على كلمة سواء تقوم على احترام الإرادة الشعبية والحفاظ على وحدة اليمن ومعالجة قضاياه العادلة بروح وطنية مسؤولة، مع ضرورة إعادة الاعتبار للسياسة كأداة لحل الخلافات وتغليب منطق الدولة على منطق السلاح حفاظاً على اليمن أرضاً وإنساناً ومستقبلاً. 2 لبنان: الضغط من أجل الإصلاح في لبنان، استخدمت المملكة نفوذها السياسي والاقتصادي لدفع المجتمع الدولي نحو الإصلاح، ودعم الحكومة اللبنانية في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية. استطاعت الرياض، من خلال شبكات دبلوماسية محكمة، التأثير على اتجاهات المجتمع الدولي، مما أعاد للأزمة اللبنانية جزءًا من الحلول العملية، دون المساس بسيادة الدولة اللبنانية. 3 سوريا: إعادة دمشق إلى السياق العربي والدولي في سوريا، اتبعت المملكة استراتيجية محكومة بالتوازن بين إعادة الدمج وإلزام دمشق بشروط محددة تحمي مصالح العرب. هذا النهج أظهر أن الرياض قادرة على الجمع بين الدبلوماسية والضغط السياسي، وأنها ليست مجرد مراقب، بل لاعب رئيسي يحدد شروط المشاركة السورية في أي إطار عربي مستقبلي. قامت المملكة، تالياً، بإعادة دمشق إلى المجتمع الدولي الواسع، ففتحت لها أبواب واشنطن وساهمت بقوة في رفع العقوبات عنها وجعلها ساحة تتعاطى مع العالم سلمياً ووفق القانون الدولي. 4 إيران: الحوار القائم على المصلحة في الملف الإيراني، تميزت المملكة بالقدرة على التوفيق بين الحوار والضغط، بين الانفتاح وعدم التسامح مع الهيمنة. رسائلها المتكررة لإيران كانت واضحة: التعاون ممكن في الملفات الاقتصادية والسياسية، لكن الهيمنة على الخليج أو التدخل في شؤون دول الجوار مرفوض. هذه السياسة انعكست في تعزيز الأمن الإقليمي واستقرار الأسواق، وتوفير توازنات جديدة في العلاقات الدولية، مع قدرة على تحييد التوترات قبل تصاعدها. الدبلوماسية الدولية: التنويع في العلاقات لم تعد السياسة السعودية قائمة على الاعتماد على واشنطن وحدها. المتغيرات العالمية — صعود الصين، عودة روسيا كلاعب دولي مؤثر، وتراجع الالتزام الأمريكي في بعض الملفات — دفعت القيادة في المملكة لاعتماد استراتيجية مختلفة: التعاون مع الجميع دون الاعتماد على أحد. هذا التوجه الجديد أفرز علاقات متقدمة مع الصين في النفط والطاقة والتكنولوجيا، وتعميقاً للعلاقات مع الهند، واستئناف الحوار مع روسيا من موقع متوازن، مع ترميم العلاقة مع واشنطن على قاعدة الاحترام المتبادل. في الوقت نفسه، أظهرت الرياض قدرة عالية على استخدام أدوات القوة الناعمة: الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، الطاقة النظيفة، الذكاء الاصطناعي، والمشاريع الثقافية والاقتصادية، ما جعل المملكة لاعبًا لا يُستهان به في إعادة رسم ملامح النظام الدولي في المنطقة. جذور السياسة السعودية: من الدرعية إلى الرياض لفهم هذه السياسة، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية. الدرعية، التي تأسست عام 1446 م على يد مانع المريدي، كانت نواة الدولة السعودية. تطورت الإمارة تدريجيًا، إلى أن تولى الإمام محمد بن سعود الإمارة عام 1727م، وبدأ مشروعه الكبير لتوحيد القبائل المتناحرة تحت راية واحدة. وصف المستشرق «شيخوا» الإمام محمد بن سعود بأنه «رجل ذو عزم وإقدام»، وقد جسد حنكة سياسية نادرة في توحيد القبائل ونشر الأمن في منطقة كانت تعاني الفوضى. هذا الإرث التاريخي امتد ليصل إلى عهد الملك عبد العزيز، مؤسس المملكة الحديثة، الذي أعاد توحيد الأراضي السعودية وبنى الدولة على أسس صلبة من النظام والقانون. أما اليوم، فإن الأمير محمد بن سلمان يواصل هذا النهج التاريخي، مستلهماً فلسفة البدء من القليل لتحقيق الكثير، عبر رؤية 2030 التي تربط بين الهوية الوطنية، التنمية الاقتصادية، الإصلاح الاجتماعي، والاستقرار السياسي. القوة السعودية اليوم: الرؤية، الجرأة، والتحكم السياسة في المملكة اليوم لا تكتفي بمراقبة الأحداث، لكنها تشارك في صياغتها. هذا التحول يعكس قدرة الدولة على قراءة المشهدين الإقليمي والدولي بواقعية، واتخاذ قرارات استراتيجية تحمي مصالحها الوطنية العليا، وتضمن حضورها في أي ملف دولي. المملكة عادت إلى مركز الطاولة، ليس كضيف أو مراقب، لكن كلاعب محوري يحدد اتجاهات الأحداث، ويصوغ موازين القوى في المنطقة والعالم. ولي العهد الأمير محمد بن سلمان» حفظه الله « يمثل في هذا السياق شخصية قيادية تحمل مشروعاً مستقبلياً شاملاً، يحول الدولة إلى نموذج عالمي في الحوكمة والاقتصاد والاستدامة. هو يجمع بين الجرأة والحكمة، بين الطموح والحسابات الدقيقة، ليجعل المملكة لاعباً مؤثراً في الساحة الدولية، ووسيطاً موثوقاً في النزاعات الإقليمية، وصوتاً مرجّحاً في القضايا العربية والإسلامية. التحوّل الاقتصادي.. هندسة القوة السعودية الجديدة منذ اللحظة التي أمسك فيها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بخيوط مشروع التحوّل السعودي عام 2015، كان واضحاً أن الاقتصاد لن يكون واحداً من مسارات التحديث، بل هو المسار الذي ستُقاس عليه جدية التغيير وعمقه. فالسياسة تمنح الدول موقعاً على الخريطة، لكن الاقتصاد وحده هو الذي يحدد وزنها، ويصنع استقلالها، ويضمن لها مقعداً ثابتاً على طاولة الكبار. كان القرار الحاسم أن المملكة لن تبقى دولة ريعية، وأن زمن الارتهان لتقلبات أسعار النفط يجب أن ينتهي. منذ ذلك التاريخ، بدأت تتشكل معالم ما يمكن وصفه ب«هندسة القوة السعودية الجديدة»، وهي عملية إعادة بناء شاملة، لا تطال القطاعات فحسب، بل تعيد صياغة علاقة الدولة بالسوق، ودور المؤسسات، ومفهوم التنمية. رؤية 2030 لم تُعدّ وثيقة إصلاح بقدر ما صيغت كخطة نهضة كاملة، تتضمن أهدافاً محددة، وحوكمة دقيقة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وبرامج تنفيذ تتابعها مجالس سياسات اقتصادية تعمل بمنهجية صارمة. 1. رؤية 2030.. من خطاب التغيير إلى صناعة المستقبل حين أُعلنت رؤية 2030، قيل إنها نقطة كسر في تاريخ الاقتصاد السعودي. اليوم، بعد قرابة عقد، يمكن القول إنها تحولت إلى نقطة تأسيس. فالرؤية نقلت السعودية من اقتصاد مرتهن لعائدات سلعة واحدة إلى اقتصاد واسع القاعدة، متعدد المصادر، ومهيأ لزمن جديد تُدار فيه الدول عبر الاستثمار، والابتكار، والتقنية. التغيير لم يكن مزاجياً، بل منهجياً: ميزانيات مستقرة لا تتأثر بأسعار النفط، برامج كبرى تعمل وفق جداول زمنية ومحاور واضحة، وإعادة تعريف لدور الدولة كمنظم ومحفّز، لا كممول وحيد. ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية، وتغيّر المزاج الاستثماري، وصارت المشاريع الضخمة جزءاً من الاستراتيجية الوطنية، لا حدثاً استثنائياً. تغيّر كل شيء: من البنية التنظيمية إلى طريقة عمل الأجهزة الحكومية، ومن النظرة إلى القطاع الخاص إلى صورة المملكة في الاقتصاد العالمي. 1. صندوق الاستثمارات العامة.. الذراع التي تُعيد رسم الجغرافيا لا يمكن فهم التحول السعودي دون فهم الدور المحوري لصندوق الاستثمارات العامة. هذا الصندوق الذي تأسس في الستينيات بمهام محدودة، أصبح اليوم من بين أكبر الصناديق السيادية في العالم، بأصول تجاوزت 620 مليار دولاراً أربعة أضعاف حجمه قبل عقد واحد. وهو ليس مجرد صندوق؛ بل ذراع اقتصادية لإعادة بناء المملكة، ومختبر لابتكار قطاعات جديدة، ومسرّع لنمو القطاع الخاص، ومهندس لمشاريع كبرى تغير الجغرافيا الاقتصادية. منذ 2016، حين ضخ الصندوق 3.5 مليار دولار في «أوبر» ولفت الأنظار عالمياً، بات يتحرك بوصفه قوّة مركزية في صياغة السعودية الجديدة. الباحثة كارين يونغ وصفته عام 2019 بأنه «غير مسبوق» في تأثيره، معتبرة أنه أصبح المحرك المركزي للنمو في المملكة، وأنه يستند إلى قدرته على تغيير الأمور بسرعة وخلق قيمة ضخمة في فترة زمنية قصيرة. الصندوق اليوم هو من أطلق مشاريع مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، و«روشن» و«سكا» وسلسلة من المدن المستقبلية. أكثر من 103 شركات أسسها منذ 2017، ويدخل في 13 قطاعاً استراتيجياً، من التعدين والتقنية إلى الطاقة المتجددة واللوجستيات والترفيه. إنه ليس مستثمراً فقط، بل صانع قطاعات، ومؤسس أسواق، ورافعة لتوطين التقنية وبناء سلاسل قيمة محلية. وبرنامج الصندوق (2017–2030) صمم ليجعل منه مركز تنفيذ خطط الدولة للتحول الاقتصادي، وبوابة لاستثمار ثروات المملكة في الداخل والخارج، ورافعة لخلق فرص وظيفية واسعة لجيل شاب يتصدر مسار التنمية. 1. تنويع مصادر الدخل.. الخروج من ظل النفط التحول السعودي أحدث قطيعة مع مرحلة كان النفط فيها المصدر الوحيد للاستدامة المالية. الرهان أصبح على قطاعات جديدة: السياحة، اللوجستيات، التعدين، الطاقة المتجددة، الصناعات العسكرية، الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. هذا التنويع لم يكن تجميلياً؛ بل عملياً مدعوماً باستثمارات ضخمة وبنية تشريعية متماسكة. مع هذا التحول، أصبحت المملكة لاعباً عالمياً في النفط، ولكن دون أن تكون أسيرة له. فاقتصادها بات أكثر تحصيناً أمام الأزمات العالمية، وأكثر تنوعاً وقدرة على توليد فرص نمو متواصلة، لا ترتبط ببرميل يصعد ويهبط. 1. البنية التحتية.. بنية الواقع وبنية التنظيم المملكة أعادت بناء شوارع ومدن وموانئ ومطارات. لكن الأهم أنها أعادت بناء النظام الذي يدير هذه البنى: تشريعات موحدة، وإجراءات أسرع، وترخيص مبسط، وحوكمة تخلق بيئة تنافسية للمستثمرين. هذا التحول جعل السعودية واحدة من الوجهات الأسرع نمواً في جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ قفز عدد الشركات العالمية التي اتخذت الرياض مقراً إقليمياً من 44 شركة إلى 570 خلال عامين فقط. الاستثمارات الأجنبية تضخ آلاف الوظائف سنوياً، والاتفاقيات التي توقعها وزارة الاستثمار – والتي تجاوزت قيمتها 3.7 مليار ريال مع دول مثل المكسيك والصين وبريطانيا والهند – تمتد لقطاعات تستهدفها الرؤية: معالجة المياه، الصناعة، الثقافة، التطوير العقاري، الخدمات اللوجستية. وبرنامج «صوت العمل» يعيد تصميم رحلة المستثمر، عبر تقييم جودة الخدمات الحكومية وتطويرها وفق أفضل الممارسات العالمية. 1. سوق العمل.. انتقال من التوظيف إلى الإنتاج أحد أكبر التحولات جرى في سوق العمل: سعودة قطاعات رئيسية، تمكين النساء، إدماج الشباب في الاقتصاد الجديد، وتطوير منظومة التدريب. الكفاءة أصبحت معياراً، والوظيفة عنصر إنتاج لا ملاذاً آمناً. هذا التغيير ترافق مع صعود جيل جديد يعيش في بيئة رقمية متقدمة، يقوده التطبيق الوطني «توكلنا» الذي تحول إلى منصة بأكثر من ألف خدمة تقدمها 250 جهة. هذه البيئة خلقت جيلاً متمكناً، قادراً على الابتكار والمنافسة، ومؤهلاً ليكون جزءاً من مستقبل الاقتصاد السعودي. 1. السياحة.. اقتصاد موازٍ السعودية لم تنشئ قطاعاً سياحياً فقط؛ بل أعادت تعريف السياحة في المنطقة: تأشيرة سياحية مفتوحة، وجهات فاخرة، مهرجانات عالمية، وتفعيل كنوز التاريخ والثقافة. هذا القطاع بات رافعة اقتصادية تولد وظائف، وتفتح أسواقاً جديدة، وتبني صورة حديثة للمملكة بوصفها وجهة عالمية كبرى. 1. الإصلاح المالي.. انضباط الدولة واستقلال القرار أحد أعمدة التحول كان ضبط الإنفاق، تعزيز الإيرادات غير النفطية، رفع كفاءة الأجهزة الحكومية، وإدارة الدين العام باحترافية. النتيجة: ميزانيات مستقرة، ومرونة أكبر في التعامل مع الأزمات، وجاذبية أعلى للمستثمرين. 1. الاقتصاد بوصفه أساس النفوذ السعودي ما يحدث اليوم في السعودية ليس مجرد نمو اقتصادي؛ بل إعادة بناء لمفهوم القوة. اقتصاد قوي يصنع حضوراً سياسياً قوياً، وتحالفات أكثر اتزاناً، وقدرة على صياغة مصالح الدولة بوضوح واستقلالية. المملكة اليوم لاعب اقتصادي عالمي: قوة مالية عبر صندوق سيادي هائل، لاعب رئيسي في «أوبك+»، مركز لوجستي يربط ثلاث قارات، وبيئة استثمارية تنافسية تستقطب الشركات التقنية العالمية. ومع تحويل أرامكو إلى عملاق صناعي عالمي، ودفع الشركات الوطنية للتمدد عبر الحدود، وتعزيز الصناعات العسكرية المحلية، تكتمل معادلة القوة التي تضع المملكة في موقع لا يعود فيه المستقبل رهن الأسعار أو المزاج العالمي. التحوّل الأمني والعسكري.. الردع وحماية المصالح في عهد القيادة الشابة، لم يكن التحوّل الأمني والعسكري في المملكة مجرد عملية تحديث تقني أو تجديد للأسلحة، بل شكّل حجر الزاوية في مشروع شامل لبناء الدولة الحديثة. دولة تعرف موقعها الاستراتيجي، وتحمي مصالحها الحيوية، وتؤمّن استقرارها الداخلي، وتستطيع التأثير في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. القوة، بهذا المنظور، ليست رفاهية، بل شرط لازم لإتمام التحولات السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية. إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية مع بداية العقد الحالي، شرعت القيادة السعودية في تطوير شامل للقوات المسلحة، شمل إعادة تنظيم القيادة لضمان سرعة اتخاذ القرار وفاعلية الاستجابة، ودمج وحدات متخصصة في الدفاع السيبراني والدفاع الجوي وجمع المعلومات الاستخباراتية. كما تم رفع مستوى التدريب وفق أحدث المعايير العالمية، بالتعاون مع حلفاء تقنيين، إلى جانب تطوير الصناعات العسكرية المحلية لتقليل الاعتماد على الخارج وتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية. الهيكل الجديد منح المملكة قدرة أعلى على الردع، وسرعة أكبر في نشر القوات عند الحاجة، مع تعزيز كفاءة الإنفاق العسكري، ما جعل القوة العسكرية أداة استراتيجية متكاملة وليس مجرد عنصر ردعي تقليدي. القوة الصاروخية أدركت القيادة أن الأمن الحديث يعتمد على الدفاع المبكر، لا فقط على القوة الأرضية. تم تحديث منظومات الدفاع الجوي لتشمل صواريخ بعيدة المدى وقدرات اعتراضية عالية الدقة، وربط أنظمة الرصد السيبراني والجوي بالقيادة المركزية للقوات المسلحة لضمان كشف أي تهديدات قبل الوصول إلى الأراضي السعودية. التجارب العملية خلال السنوات الأخيرة أكدت جاهزية النظام الدفاعي في حماية المدن والمنشآت الحيوية، بما في ذلك الاقتصاد الوطني. تطوير القوة البحرية موقع المملكة على الخليج العربي والبحر الأحمر يتطلب قوة بحرية متطورة. فقد جرى تحديث الأسطول بأحدث السفن الحربية والغواصات، وتعزيز المراقبة البحرية لحماية خطوط التجارة والطاقة، وإنشاء موانئ عسكرية ذكية متصلة بالشبكات الدفاعية الإقليمية. بهذا، صارت المملكة قادرة على حماية مصالحها البحرية وتأمين ممرات الشحن الحيوية، وهو عنصر أساسي في مكانتها الاقتصادية والسياسية. الأمن الداخلي: قاعدة الاستقرار القوة العسكرية وحدها لا تكفي دون أمن داخلي مستدام. أعيد تنظيم أجهزة الأمن لضمان حماية المدن والسلامة العامة، مع تطوير برامج مكافحة الإرهاب والتطرف، تشمل استخبارات متقدمة وبرامج إعادة تأهيل وتعاون دولي. كذلك، عززت المملكة البنية القانونية والرقابية لربط الأمن بالقضاء والإدارة المدنية، ما جعل الاستقرار الداخلي متكاملاً وذو مصداقية، ويتيح تنفيذ التحولات الاقتصادية والاجتماعية دون تهديدات أمنية. التكنولوجيا العسكرية والرقمية التحوّل الأمني شمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والدفاع السيبراني. وحدات سيبرانية متقدمة تحمي البيانات الحيوية والاتصالات العسكرية، في حين تطورت الطائرات بدون طيار وأنظمة الاستطلاع عالية الدقة، بالتعاون مع شركات عالمية في مجال التكنولوجيا العسكرية. هذا التوجه منح السعودية قدرة ردع غير تقليدية، وأتاح لها التأثير في مناطق النزاع دون التعرض لمخاطر مباشرة. التعاون الأمني الإقليمي والدولي التحديث العسكري ارتبط بشبكة تحالفات جديدة، تشمل التعاون الخليجي لتعزيز الأمن المشترك، وشراكات مع القوى الكبرى لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب المشترك مع الولاياتالمتحدة وأوروبا وآسيا. أصبحت المملكة بذلك قوة محلية وإقليمية، وركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي. الدفاع المدني والطوارئ لم يقتصر التحوّل على القوات المسلحة، بل شمل الدفاع المدني وإدارة الطوارئ. حيث تم تجهيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير آليات إدارة الأزمات والكوارث الطبيعية، ودمجها مع المؤسسات الصحية والمدنية لضمان استجابة سريعة وفعالة، ما جعل الأمن جزءًا من الحياة اليومية، وليس مجرد أداة ردع خارجية. ولا يبدو التحوّل العسكري والأمني في المملكة، مجرد غاية بحد ذاته، بل وسيلة لضمان نجاح التحوّل الاقتصادي وحماية المكتسبات الاجتماعية والثقافية، وتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات سياسية جريئة إقليمياً ودولياً. القوة العسكرية والأمنية صارت قاعدة تُبنى عليها كل التحولات الأخرى في السعودية، مع القدرة على الردع وحماية المصالح الوطنية داخلياً وخارجياً. تطوير جميع القدرات تسعى المملكة لتعزيز تفوقها العسكري الجوي، بما في ذلك صفقة شراء طائرات F-35 الأمريكية، التي تمثل قفزة نوعية لقدرة الردع الجوية والتفوق الاستراتيجي. هذه المقاتلات الشبحية مزودة بإمكانات تخفي عالية، وقدرة على إطلاق صواريخ دقيقة لمسافات بعيدة، ما يعزز الردع ويمنح المملكة قدرة حماية أكبر لمصالحها الحيوية. كما تدعم هذه الصفقات نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية ضمن رؤية 2030، مع تعزيز مكانتها كلاعب إقليمي مؤثر. على الصعيد البري، تم تطوير القوات البرية لتعزيز قدرة الحماية على الحدود الطويلة ونشر وحدات سريعة الاستجابة. القوات البحرية تسهر على حماية الممرات البحرية والمرافق الاقتصادية، فيما القوات الجوية والدفاع الجوي وقوة الصواريخ الاستراتيجية صارت منظومة متكاملة، تتيح استجابة سريعة وفعالة ضد أي تهديد. التحالفات الاستراتيجية توازت التطورات العسكرية مع تحولات السياسة الخارجية السعودية، التي اتسمت بالمرونة والانفتاح على قوى متعددة، مع الحفاظ على تحالفاتها التقليدية. المملكة اعتمدت على دبلوماسية التوازنات، للتعامل مع صعود قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، ومع تحولات النفوذ العالمي بين الولاياتالمتحدة والصين وروسيا، ما عزز قدرتها على المناورة الاستراتيجية دون الانحياز الكامل لأي طرف. العلاقات مع الصين، الشريك التجاري الأول للمملكة، امتدت لتشمل الطاقة المتجددة والبنية التحتية والتكنولوجيا، بينما كانت روسيا شريكاً أساسياً في أوبك بلس لضمان استقرار أسواق النفط. كما حرصت الرياض على تعزيز الحوار مع الاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على التحالف التاريخي مع الولاياتالمتحدة على أساس المصالح المتبادلة، بعيداً عن التبعية التقليدية، مع القدرة على اتخاذ مواقف مستقلة عند الضرورة. استعادة العلاقات مع تركيا أعادت بناء الثقة الثنائية، وعززت التعاون في الطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي، فيما الاتفاق التاريخي مع إيران بوساطة صينية عام 2023 مثل تحولاً استراتيجياً، أسهم في إعادة رسم التوازن الإقليمي، وفتح آفاق التعاون المباشر لتخفيف النزاعات والتوترات البحرية، مع تعزيز قدرة المملكة على التركيز على أولوياتها الاقتصادية والتنموية وفق رؤية 2030. قيادة التحالفات الإقليمية منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لعبت السعودية دور القيادة المحورية، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي والجغرافي والديني. عملت المملكة على تعزيز التكامل الخليجي في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن، من خلال اللقاءات التشاورية والمبادرات المشتركة، وتطوير آليات التعاون الأمني والاقتصادي، ما جعل المجلس نموذجاً للتكامل الإقليمي. على صعيد الأمن الإقليمي، أدارت المملكة التحالف العربي في اليمن لمواجهة التهديدات الحوثية وحماية الشرعية الدولية، ومبادرات حماية البحر الأحمر وخليج عدن لضمان الممرات التجارية، إلى جانب المشاركة في التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. هذه الجهود تمزج بين القوة العسكرية والدبلوماسية الذكية والتحالفات الاستراتيجية لتحقيق استقرار مستدام، وتعكس قدرة السعودية على إدارة التحديات المعقدة وتحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز قيادتها الإقليمية. عقد جديد من التأثير العالمي في عهد الأمير محمد بن سلمان، استطاعت السعودية إعادة صياغة دورها الإقليمي والدولي عبر تحالفات متعددة الأقطاب، وشراكات اقتصادية ودبلوماسية مرنة. المملكة أصبحت لاعباً مؤثراً في مجموعة العشرين، وشريكاً استراتيجياً لكل من الشرق والغرب، ووسيطاً محورياً في النزاعات الإقليمية والدولية، مستثمرة القوة الناعمة والثقافية لتعزيز مكانتها في المجتمع الدولي، وتحقيق أهداف التنمية الوطنية. السياسة الخارجية السعودية اتسمت بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى، والانفتاح على مبادرات عالمية في الطاقة المتجددة، والتقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، ما يعكس قدرة المملكة على دمج التحول الاقتصادي مع الأمن والدبلوماسية، وبناء شبكة علاقات دولية مرنة تعزز دورها كلاعب مؤثر في القرن الحادي والعشرين. التحوّلات الاجتماعية والثقافية يصعب فصل التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المملكة العربية السعودية عن التحوّل السياسي والفكري الأوسع الذي قادته القيادة السعودية في العقد الأخير، وارتبط بصورة مباشرة بصعود رؤية جديدة لإدارة الدولة والمجتمع. في هذا السياق، شكّلت مرحلة الأمير محمد بن سلمان منعطفاً حاسماً في إعادة تعريف علاقة الدولة بمواطنيها، ودور المجتمع في مشروع النهضة، ومكانة السعودية في محيطها الإقليمي والعالمي. لم تكن التحوّلات الاجتماعية والثقافية نتيجة ضغوط خارجية أو استجابات ظرفية، بل جاءت ضمن تصور متكامل صاغته «رؤية السعودية 2030» بوصفها مشروع دولة طويل النفس، يربط بين الإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء العقد الاجتماعي، وتحديث أنماط الحياة، من دون القطيعة مع الثوابت الدينية والثقافية التي قامت عليها. أحد أوجه التحوّل اللافتة تمثّل في المقاربة السعودية لمفهوم المواطنة الخليجية، حيث انتقلت من إطار سياسي نظري إلى سياسات عملية ملموسة. فقد عملت المملكة على تسهيل حركة مواطني دول مجلس التعاون الخليجي داخل أراضيها، سواء للعمل أو الدراسة أو الإقامة، مع تقليص الحواجز الإدارية إلى حدّها الأدنى. وساوت السياسات السعودية بين المواطن الخليجي والمواطن السعودي في مجالات حيوية مثل التعليم، والعمل، والتملك، بما يعكس إيماناً عملياً بأن التكامل الخليجي لا يكتمل بالاتفاقيات وحدها، بل بتقاطع المصالح اليومية، وتشابك المجتمعات، وبناء شعور جمعي بالمصير المشترك. هذا التوجّه أسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية بين شعوب الخليج، ورسّخ دور السعودية كرافعة أساسية لمشروع التكامل الخليجي، وقوة دفع باتجاه وحدة اجتماعية واقتصادية قادرة على مواجهة تحوّلات الإقليم بثقة وتماسك. التعليم والثقافة: هوية مشتركة وآفاق مفتوحة في موازاة ذلك، لعبت المملكة دوراً محورياً في جهود توحيد السياسات التعليمية والثقافية الخليجية، إدراكاً منها بأن الهوية المشتركة تُبنى في المدارس كما تُصاغ في الخطاب السياسي. وقد تجلّى هذا الدور في دعم توحيد المناهج التعليمية، مع التركيز على التاريخ المشترك، والقيم الثقافية الجامعة، بما يرسّخ وعياً خليجياً متقارباً لدى الأجيال الجديدة. كما دفعت السعودية باتجاه إطلاق برامج ثقافية وإعلامية مشتركة، شملت مؤتمرات فكرية، ومعارض فنية، ومهرجانات ثقافية، أسهمت في تعزيز التفاعل بين النخب والمجتمعات الخليجية. ولم تغب الجامعات ومراكز البحث عن هذا المسار، إذ شُجّع التعاون الأكاديمي والبحثي بوصفه رافعة للابتكار وبناء قاعدة معرفية مشتركة. هذه الجهود أسهمت في بلورة هوية خليجية منفتحة، تحترم الخصوصيات الوطنية، لكنها تنطلق من قناعة بأن الثقافة المشتركة عنصر قوة لا عبء. الوعي البيئي: تحوّل ثقافي جديد ضمن التحوّلات الاجتماعية الأوسع، برز البعد البيئي بوصفه أحد ملامح التحديث الثقافي في المملكة. فقد أُدرجت الاستدامة البيئية في صلب السياسات العامة، ليس باعتبارها ترفاً فكرياً، بل ضرورة تنموية وأخلاقية. أطلقت السعودية مبادرات كبرى مثل «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، واضعة نفسها في موقع قيادي إقليمي في مواجهة تحديات التغيّر المناخي، وخفض الانبعاثات، وزيادة المساحات الخضراء. هذه المبادرات لم تقتصر على الجانب التقني، بل سعت إلى نشر ثقافة بيئية جديدة عبر التعليم، والإعلام، والمشاركة المجتمعية. هنا، يتبدّى التحوّل الثقافي بوضوح: مجتمع أكثر وعياً بعلاقته بالطبيعة، وأكثر استعداداً للربط بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد للأجيال المقبلة. اعتراف إقليمي ودولي بالدور السعودي لم تمر التحوّلات الداخلية في السعودية من دون صدى خارجي. فقد حظي الدور السعودي بتقدير واسع من قادة الخليج والمؤسسات الدولية، التي رأت في المملكة «العمود الفقري» لمجلس التعاون، وركيزة أساسية لاستقرار المنطقة. تقارير دولية عدّة أشادت بالسياسات السعودية الداعمة للاستقرار السياسي والاقتصادي، وبمشاركتها الفاعلة في المبادرات الإنسانية والتنموية. هذا الاعتراف لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل نتيجة مسار متكامل ربط بين الإصلاح الداخلي، والقيادة الإقليمية، والانفتاح على الشراكات الدولية. المرأة السعودية: من الهامش إلى الشراكة يُعد تمكين المرأة أحد أبرز مؤشرات التحوّل الاجتماعي في المملكة. فقد انتقلت المرأة السعودية خلال سنوات قليلة من موقع محدود المشاركة إلى شريك فاعل في الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والدبلوماسية المجتمعية. توسّعت فرص التعليم والتدريب، ودخلت المرأة مجالات كانت مغلقة أمامها، وتقلّدت مناصب قيادية في القطاعين العام والخاص. ولم يقتصر هذا الحضور على الداخل، بل امتد إلى المشاركة في المؤتمرات الدولية، والمبادرات الثقافية، والمنتديات العالمية، ما أسهم في تقديم صورة أكثر توازناً وحداثة عن المجتمع السعودي. هذا التحوّل انعكس أيضاً في السياسات المؤسسية، عبر برامج مثل «أمان» لحماية المرأة من العنف، و«تمكّن» لدعمها اقتصادياً ومهنياً. وهي برامج لم تُصمَّم بوصفها حلولاً ظرفية، بل كجزء من رؤية شاملة ترى في تمكين المرأة شرطاً للتنمية المستدامة. أثر التمكين على المجتمع أسهم تمكين المرأة في إعادة تشكيل العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتعزيز ثقافة الشراكة داخل الأسرة، ورفع مستوى المشاركة النسائية في التربية والتعليم والعمل المجتمعي. كما ساعد على تغيير النظرة التقليدية لدور المرأة، وفتح نقاشات مجتمعية أكثر نضجاً حول المساواة والفرص. ورغم التحديات المرتبطة بتغيير بعض العقليات، فإن المسار العام يشير إلى قبول اجتماعي متزايد، مدفوع بسياسات واضحة وبرامج توعوية مستمرة. النهضة الثقافية والفنية على المستوى الثقافي، شهدت المملكة نهضة غير مسبوقة. فافتُتحت دور السينما، ونُظّمت مهرجانات سينمائية وموسيقية ومسرحية، وازدهرت الفنون التشكيلية والتصوير والنحت. وأصبحت مواسم مثل «موسم الرياض» و«الجنادرية» منصات جامعة بين الترفيه، والثقافة، والهوية الوطنية. هذه الحركة الثقافية لم تُلغِ التراث، بل أعادت تقديمه في قالب معاصر، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة لغة للتعبير عن الذات دون القطيعة مع الجذور. السياحة: رافعة اقتصادية وثقافية برزت السياحة كأحد أعمدة التحوّل الاقتصادي والاجتماعي. فقد تنوّعت أنماط السياحة بين الدينية، والثقافية، والترفيهية، والطبيعية، ما جعل المملكة وجهة متعددة الوجوه. في السياحة الدينية، استمر الاستثمار في توسعة الحرمين الشريفين، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، لضمان تجربة ميسّرة لملايين الحجاج والمعتمرين. وفي السياحة الترفيهية، شهدت السواحل والمدن الكبرى مشاريع نوعية، ومهرجانات عالمية، وفعاليات رياضية كبرى. أما السياحة الثقافية، فوجدت في مواقع مثل الدرعية، وجدة التاريخية، والعلا، مساحات لإعادة اكتشاف التاريخ السعودي وتقديمه للعالم. العلا: نموذج للتحوّل المتكامل تمثّل العلا نموذجاً مكثفاً للتحوّل السياحي والثقافي. بموقعها الجغرافي الفريد، وتاريخها الممتد عبر الحضارات النبطية والرومانية، تحوّلت إلى وجهة عالمية تجمع بين الطبيعة، والتراث، والفن. مشاريع الهيئة الملكية لمحافظة العلا ركّزت على تطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم فعاليات ثقافية مثل «شتاء طنطورة»، التي مزجت بين الموسيقى العالمية والمواقع الأثرية، في تجربة سياحية غير مسبوقة. القراءة والمعرفة: مهرجان إثراء نموذجاً ضمن هذا المشهد، برز «مهرجان إثراء للقراء» كمبادرة ثقافية تهدف إلى تعزيز القراءة ونشر المعرفة. قدّم المهرجان معارض كتب، وورش عمل، ولقاءات فكرية، وأنشطة للأطفال والشباب، وأسهم في دعم صناعة النشر، وإبراز الكتّاب السعوديين والعرب. يتكامل هذا المشروع مع أهداف رؤية 2030 في بناء مجتمع معرفي، وتعزيز الانفتاح الثقافي، وخلق فرص عمل في قطاع الثقافة والإبداع. أنماط حياة جديدة وهوية ثابتة أدّى الانفتاح الاجتماعي إلى تغيّر أنماط الحياة، مع ازدياد الاهتمام بالترفيه الداخلي، والرياضة، والتحوّل الرقمي، وظهور أسلوب حياة عصري يجمع بين الحداثة والالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية. ورغم هذا التغيير، نجحت المملكة في حماية هويتها الوطنية، عبر تعزيز التراث، وتنظيم فعاليات للحوار الثقافي، وترسيخ الانتماء الوطني في التعليم والإعلام. العلاقات الاجتماعية والتحديات أسهمت التحوّلات في نشر ثقافة الحوار، ورفع الوعي بالمسؤولية المجتمعية، وتعزيز دور الأسرة والمجتمع المدني. ومع ذلك، برزت تحديات تتعلق بالتوازن بين الحداثة والهوية، والفجوة بين الأجيال، وضغوط التغيير السريع. تعاملت الدولة مع هذه التحديات عبر خطط استراتيجية وبرامج توعوية، إدراكاً منها بأن التحوّل الاجتماعي مسار طويل، يتطلب صبراً وحكمة.منذ عام 2015، دخلت المملكة العربية السعودية طوراً سياسياً ودبلوماسياً مختلفاً، لا بوصفه قطيعة مع تاريخها، وإنما باعتباره إعادة تعريف لدورها وحدود حركتها ومصالحها. خلال عقد واحد، انتقلت الرياض من دولة ذات تأثير معتبر في محيطها إلى دولة محورية تُحسب حساباتها في الإقليم والعالم، ويُصغى إلى قراراتها في ملفات الطاقة، والأمن، والاقتصاد، والدبلوماسية الدولية. لم يكن هذا التحوّل نتاج خطاب جديد فقط، بل ثمرة منهج مختلف في إدارة الدولة والعلاقات الدولية: وضوح في المصالح، استقلال في القرار، وتوازن دقيق بين الشراكات التاريخية والانفتاح على قوى صاعدة. هكذا تشكّل مشهد سعودي جديد، تتقدّم فيه الدولة بوصفها فاعلاً لا تابعاً، ومبادِراً لا منتظِراً. هندسة التحالفات: من الاعتماد إلى التوازن أعادت القيادة السعودية منذ 2015 هندسة شبكة تحالفاتها على قاعدة التنويع لا الاستبدال، والتوازن لا القطيعة. العلاقة مع الولاياتالمتحدة بقيت ركيزة أساسية، لكنها خرجت من منطق الاعتماد الأحادي إلى شراكة أكثر نضجاً. استمر التعاون الأمني والعسكري، وتوسّعت مجالات الاستثمار والتكنولوجيا، غير أن الرياض باتت أكثر قدرة على اتخاذ مواقف مستقلة حين تتقاطع المصالح أو تختلف التقديرات، من دون أن يفضي ذلك إلى اهتزاز التحالف أو توتيره. بهذا المعنى، تحوّلت العلاقة السعودية – الأميركية إلى تحالف عقلاني، يقوم على المصالح المشتركة لا على الإملاءات، وعلى الحوار لا على التبعية. واشنطن شريك مهم، لكنها لم تعد الطرف الوحيد في معادلة القرار السعودي. في المقابل، تقدّم الحضور الصيني في السياسة السعودية بوصفه شراكة اقتصادية استراتيجية. الصين دخلت بقوة إلى قطاعات البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتجارة والتمويل. هذا التقارب منح المملكة هامش حركة أوسع في نظام دولي يتّجه نحو التعددية، من دون أن يتحوّل إلى بديل عن التحالفات التاريخية. الرياض أدارت العلاقة مع بكين ببراغماتية واضحة: شريك اقتصادي مهم، ضمن شبكة علاقات متوازنة شرقاً وغرباً. أما الهند، فقد صعدت لتصبح أحد أعمدة السياسة الآسيوية السعودية. قوة ديموغرافية واقتصادية وتكنولوجية تتقاطع مع طموحات رؤية 2030. شراكات في الطاقة، والاقتصاد الرقمي، والصناعات التحويلية، وأمن الممرات البحرية، جعلت من العلاقة نموذجاً لتحالفات المملكة مع القوى الصاعدة، حيث الاستثمار في المستقبل لا الاكتفاء بحسابات اللحظة. مع أوروبا، اتسمت السياسة السعودية بقدر عالٍ من البراغماتية. تعاون في الطاقة التقليدية والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، وحوار سياسي مستمر حول أزمات الإقليم. في الملفات الحقوقية، كانت الرسالة السعودية ثابتة: التعاون مرحّب به، والسيادة غير قابلة للمساومة. هكذا استقرّت العلاقة على قاعدة المصالح المتبادلة، بعيداً عن الخطابات المتشنجة. الفضاء العربي: من إدارة الأزمات إلى جمع الصف على المستوى العربي، سعت المملكة إلى الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة بناء المحيط المستقر. دعم مصر اقتصادياً وسياسياً، تحالف استراتيجي متين مع الإمارات، مساندة السودان في مراحله الحرجة، فتح قنوات تعاون مع العراق لإعادته إلى عمقه العربي، وتعزيز الشراكات مع الأردن والمغرب وتونس. الفكرة المركزية كانت واضحة: استقرار الدول مقدّم على الصراعات الإيديولوجية، والتنمية شرط للسيادة، والدولة الوطنية هي الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمعات. في هذا السياق، برزت التحالفات المؤسسية بوصفها أدوات استراتيجية. التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن مثّل مقاربة أمنية لحماية الإقليم من التفكك، بينما جاء التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب ليؤكد دور المملكة القيادي في مواجهة التطرف، ليس كظاهرة أمنية فقط، بل كخطر فكري وسياسي عابر للحدود. السعودية والقضايا الدولية الكبرى: وضوح بلا استقطاب خلال العقد الأخير، تميّز الخطاب السعودي بقدر لافت من الوضوح في القضايا الدولية الكبرى. في الحرب الأوكرانية، اختارت المملكة موقع الحياد الإيجابي: حماية استقرار أسواق الطاقة، الانخراط في جهود الوساطة الإنسانية، ورفض الانجرار إلى منطق المعسكرات. هذا الموقف أكسب الرياض احتراماً دولياً، ورسّخ صورتها دولة مسؤولة توازن بين مصالحها والتزاماتها العالمية. في ملف الطاقة، عزّزت السعودية موقعها القيادي داخل «أوبك+». قراراتها باتت مؤثرة في الاقتصاد العالمي، انطلاقاً من مبادئ ثابتة: استقرار الأسواق، حماية المنتج والمستهلك، رفض تسييس الطاقة، والاستثمار المتوازي في مصادر الطاقة المتجددة والمتقدمة. بذلك، لم تعد المملكة مجرد مصدر رئيس للطاقة، بل لاعباً أساسياً في رسم مستقبلها. أما القضية الفلسطينية، فبقيت في صميم السياسة السعودية. ثبات على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، واقعية في التعامل مع التحولات الإقليمية، دعم للمسار السياسي والمساعدات الإنسانية، وسعي لإعادة توحيد الموقف العربي. في الوقت ذاته، رفضت المملكة توظيف القضية في مشاريع إيديولوجية أو ميليشياوية تخرجها من إطارها الوطني. في مكافحة الإرهاب، اعتمدت الرياض استراتيجية شاملة تقوم على تجفيف منابع الفوضى، لا الاكتفاء بمواجهتها أمنياً. دعم الدول الهشّة، محاربة التمويل غير المشروع، تعاون استخباراتي دولي، وبرامج فكرية متقدمة لمواجهة التطرف. هذه المقاربة المتكاملة جعلت من السعودية واحدة من أكثر دول المنطقة استقراراً رغم محيطها المضطرب. القوة الناعمة: الاقتصاد، الإنسانية، والحوار الحضاري ترافق التحوّل السياسي مع توسّع في أدوات القوة الناعمة. استضافة قمة مجموعة العشرين عام 2020 شكّلت محطة مفصلية، عكست مكانة المملكة الاقتصادية وقدرتها على التأثير في النقاشات العالمية، من التعافي الاقتصادي بعد الجائحة، إلى التنمية المستدامة، والابتكار، والأمن الغذائي، والتغير المناخي، والشمول المالي. لم تكن القمة حدثاً بروتوكولياً، بل منصة لإدراج رؤية السعودية 2030 في صلب الأجندة الدولية. على الصعيد الإنساني، رسّخت المملكة موقعها كإحدى أكبر الدول المانحة عالمياً عبر مركز الملك سلمان للإغاثة وبرامج التنمية. مساعدات في الكوارث والحروب، دعم مشاريع تنموية في أفريقيا وآسيا، ومبادرات بيئية ك«السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر». الرسالة كانت واضحة: الحضور الدولي لا يُقاس بالقوة الصلبة وحدها، بل بالقدرة على إحداث أثر إنساني مستدام. وفي المجال الثقافي والفكري، تبنّت المملكة الحوار بين الأديان والثقافات بوصفه أداة استراتيجية للاستقرار. تأسيس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان، ودعم تحالف الأممالمتحدة للحضارات واليونسكو، وإنشاء مراكز وطنية للوسطية والاعتدال، كلها عكست تحوّلاً عميقاً في مقاربة المملكة للبعد الحضاري. الاستثمار في الشباب، وتمكينهم من المشاركة في مبادرات الحوار وصناعة السلام، أضاف بعداً مستقبلياً لهذا التوجه. التحوّل السياحي.. السعودية وجهة عالمية لم تعد السياحة بنداً ثانوياً في دفاتر الاقتصاد العالمي، ولا نشاطاً ترفيهياً ملحقاً بحركة السفر، بل تحوّلت إلى صناعة سيادية مكتملة، تقود النمو، وتعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والثقافي. الأرقام وحدها تكشف حجم التحوّل: في عام 2023 تنقّل نحو 1.5 مليار إنسان عبر الحدود الدولية، وفي أفق 2035 يُتوقَّع أن يقفز الرقم إلى ما بين 2.5 و3 مليارات مسافر. هذا الاتساع غير المسبوق لا يُدار بالنيات ولا بالشعارات، بل برؤوس أموال ضخمة، وبنى تحتية عابرة للقطاعات، وسياسات عامة تتقاطع فيها الدولة مع السوق، والتقنية مع الإنسان. في هذا المشهد، تقدّم السعودية نفسها لاعباً مركزياً، لا ضيفاً على الطاولة. أكثر من 200 مليار دولار تُضخ في قطاع السياحة خلال خمس سنوات فقط، لبناء وجهات جديدة ومدن كاملة مثل «نيوم» و«البحر الأحمر»، في استثمار لا يستهدف استيعاب الطلب العالمي فحسب، بل المشاركة في تشكيله. السياحة اليوم تسهم بنحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بما يقارب 11 تريليون دولار، ولم يعد السؤال عن جدواها، بل عن موقع كل دولة في هذه الصناعة العملاقة. من هنا جاء «تورايز 2025» بوصفه إعلاناً سياسياً واقتصادياً في آن واحد: السياحة صناعة استراتيجية تحتاج إلى حوكمة دولية، وتنسيق عابر للحدود، ومنصات حوار منتظمة تجمع الحكومات بالقطاع الخاص، والتقنية بالاستثمار، والابتكار بالاستدامة. الرياض لا تريد مؤتمراً عابراً، بل مركز ثقل عالمي دائم للنقاش حول سياسات السياحة، وتسهيل الاستثمار، ودفع الابتكار، وترسيخ نموذج أكثر شمولاً للأجيال المقبلة. وزير السياحة أحمد بن عقيل الخطيب لخّص هذا التحوّل حين قدّم «تورايز» بوصفه منصة عالمية تجمع القطاعين العام والخاص، انطلاقاً من رؤية «2030» التي نقلت السياحة من الهامش إلى قلب مشروع تنويع الاقتصاد. التجربة السعودية منذ 2019، كما يقول، كشفت فجوة واضحة بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، فجاءت فكرة المنصة التي تجمع كل عناصر المنظومة السياحية: من وكالات السفر والمنصات الرقمية، إلى الطيران والمطارات، والنقل والإقامة، والتجزئة، والأغذية والمشروبات، والتقنيات الداعمة. السياحة هنا ليست رحلة، بل سلسلة قيمة متكاملة. ومن هذا الإدراك وُلدت مبادرة «ما وراء السياحة» بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي، مبادرة متعددة القطاعات، تستند إلى عشر مبادئ، وتعيد تعريف السياحة بوصفها جسراً بين الثقافات، وأداة لتمكين المجتمعات، ومحرّكاً لفرص الأجيال المقبلة. القطاع، وفق هذا التصور، سيكون حاضراً بثقل أكبر في أجندة المنتدى الاقتصادي العالمي، ليس كموضوع جانبي، بل كملف استراتيجي. التحديات العالمية حاضرة بوضوح: تضاعف أعداد المسافرين، فجوات العمالة، الاستثمارات الفندقية الضخمة، الضغط على شركات تصنيع الطائرات، صعود الذكاء الاصطناعي، والحاجة إلى التوازن بين التقنية والتواصل الإنساني. الخطيب يذكّر بأن 357 مليون إنسان يعملون اليوم في السياحة حول العالم، وأن القطاع مرشح لإضافة 90 مليون وظيفة جديدة بحلول 2034. أربعون في المائة من هذه الوظائف تشغلها النساء، وثمانون في المائة يشغلها الشباب، ما يجعل السياحة من أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص عمل واسعة ومستدامة. الذكاء الاصطناعي قادم بلا شك، لكنه، في رأيه، لا يمكن أن يحل محل الإنسان في صناعة تقوم جوهرياً على الضيافة والتجربة. الاستثمار هو الوجه الآخر للصورة. وزير الاستثمار خالد الفالح يربط بين قفزة السياحة وقفزة الاستثمار. مساهمة القطاع تجاوزت 200 مليار ريال، بما يعادل نحو 5 في المائة من الناتج المحلي، وهو المستوى المتوسط المستهدف لعام 2030. الأصول المستثمرة في السياحة تضاعفت خمس مرات منذ إطلاق «رؤية 2030»، وتدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر تضاعفت ثلاث مرات، فيما قفز الاستثمار الأجنبي في الضيافة والفنادق ثمانية أضعاف، مع إضافة نحو 400 ألف غرفة فندقية. السياحة، كما يراها الفالح، قطاع مرن ومتداخل، يؤثر في جودة الحياة، والثقافة، والترفيه، والرياضة، ويثبت أن الدول لا تحتاج إلى ثروات طبيعية هائلة لتصبح وجهات عالمية، بل إلى بيئة استثمارية جاذبة. وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم يذهب أبعد، حين يصف السياحة بأنها مسرّع لتنويع الاقتصاد، وقناة لخلق قيمة اقتصادية متراكمة. طبيعة القطاع تسمح بتوزيع النمو جغرافياً، وربط المدن الصغيرة بالطلب العالمي، وفتح المجال أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والحرف، والثقافة، لتتحول إلى لاعبين اقتصاديين فاعلين. أرقام النمو تدعم هذا التصور: عدد السياح ارتفع من 80 مليوناً في 2019 إلى 116 مليوناً خلال خمس سنوات، بزيادة 45 في المائة، مدفوعاً باستثمارات البنية التحتية والمشاريع العملاقة الجارية. على المستوى المؤسسي، تؤكد لبنى العليان أن قانون الاستثمار الجديد يرسّخ مبدأ المساواة بين المستثمر المحلي والأجنبي، ويعزّز الشفافية، ويعكس متانة اقتصاد متنوع، يتمتع بأدنى نسبة دين إلى الناتج المحلي بين دول مجموعة العشرين، ما يمنح المملكة قدرة عالية على امتصاص الصدمات العالمية. هذا الزخم يتوّج باستضافة الرياض للدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة لمنظمة الأممالمتحدة للسياحة في نوفمبر 2025، بمشاركة أكثر من 160 دولة، في حدث يتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس المنظمة. الشعار واضح: «السياحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي: إعادة تعريف المستقبل». ليست صدفة أن تكون أول جمعية عامة لوكالة أممية تُعقد في دولة خليجية. الرسالة سياسية بقدر ما هي سياحية: السعودية لم تعد متلقياً للسياسات، بل شريكاً في صياغتها. الذكاء الاصطناعي هنا ليس ترفاً تقنياً. خبراء مثل نبيل العبيدي يرون أن السعودية أصبحت مركز قيادة للنقاش العالمي حول السياحة الذكية والمستدامة، وأن مشاريع مثل «نيوم» و«القدية» رغم أنها تعرضت لإعادة جدولتها حتى تكون وجهات حقيقة، لمدن تُدار بالخوارزميات، وتعيد تعريف السياحة بوصفها أسلوب حياة. التحديات معروفة: نقص الكفاءات، كلفة التحول، المخاطر، ضعف التكامل. والحل، كما يُجمعون، في شراكات حقيقية، ومنصات بيانات مفتوحة، وبرامج تدريب وطنية. تقارير منظمة الأممالمتحدة للسياحة تذهب أبعد، حين تقدّر أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين 15.7 و19.9 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول 2030. السعودية تواكب هذا المسار باستثمارات تقنية، ومبادئ أخلاقية، ومشاريع عملاقة تُحوّل المفاهيم إلى واقع. الهدف ليس زيادة الأرقام فقط، بل إعادة تعريف تجربة السفر، وتحويل السياحة إلى رافعة اقتصادية ذكية ومستدامة. في المحصلة، التحوّل السياحي السعودي ليس حملة ترويج، بل مشروع دولة. مشروع يربط الاستثمار بالتقنية، والاقتصاد بالثقافة، والمستقبل بالإنسان. السعودية، في هذا الفصل من تحولها، لا تكتفي بأن تكون وجهة، بل تسعى لأن تكون مرجعاً، وصوتاً مؤثراً في رسم مستقبل السياحة العالمية. بين المؤسس والحفيد قراءة في مسار دولة قبل ثمانية عقود، التقطت مجلة «لايف» الأميركية صورة لم تكن عادية في سياقها الزمني. عام 1943، خرج الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود إلى الفضاء الدولي للمرة الأولى، لا عبر ساحة معركة ولا بيان سياسي، بل من خلال عدسة صحافية حملت إلى الغرب صورة مختلفة عما اعتاده عن الشرق. كان العالم غارقاً في أتون الحرب العالمية الثانية، وكانت السعودية دولة فتية تتلمس طريقها، لكن مؤسسها بدا في ذلك اللقاء واثقاً، واضحاً، مدركاً لموقعه في لحظة دولية مضطربة. تحدث الملك عبدالعزيز عن فلسطين، وعن وحدة العرب، وعن معنى العدالة، وتطرق بهدوء إلى سؤال التحديث وكيف يمكن إدخال الحداثة إلى مجتمع محافظ من دون كسر توازناته. لم تكن كلماته موجهة لزمنه فقط، بل بدت كأنها رسالة مؤجلة إلى أجيال لم تولد بعد. لم يكن اللقاء مجرد حوار صحافي، بل لحظة تأسيس للرواية السعودية الأولى أمام العالم، حين قررت الدولة أن تقدم نفسها كما هي، لا كما يراها الآخرون. منذ تلك اللحظة، بدأت السعودية رحلتها عبر عهود متعاقبة قادها أبناء المؤسس، كل منهم أضاف طبقة جديدة إلى بناء الدولة الحديثة. في عهد الملك سعود اتسعت مؤسسات الحكم، وفي زمن الملك فيصل ترسخ الحضور الخارجي ورُسمت السياسة النفطية بوضوح، وجاء عهد الملك خالد ليستقر فيه البناء الداخلي، قبل أن تشهد البلاد في زمن الملك فهد نهضة إدارية واقتصادية كبرى. ثم جاءت سنوات الملك عبدالله حاملة إصلاحات اجتماعية وتعليمية وتحولات إقليمية عميقة. ومع تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز، دخلت السعودية طوراً مختلفاً من التحولات، أكثر جرأة وتسارعاً، برز فيه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوصفه مهندس مشروع واسع لإعادة تعريف الدولة ودورها. عبر «رؤية 2030»، انتقلت السعودية من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل، من المدن الذكية إلى اقتصاد الابتكار، ومن حضور إقليمي ثابت إلى دور دولي فاعل، مستندة إلى إرث المؤسس الذي وضع الهوية، وساعية اليوم إلى رسم ملامح الغد. إذا كانت مقابلة «لايف» قد قدمت للعالم صورة الدولة في لحظة التأسيس، فإن العقد الأخير يرسم صورة أخرى للسعودية وهي تعيد اكتشاف ذاتها، لا كدولة نفط فقط، بل كقوة سياسية واقتصادية تسعى إلى موقع أوسع في النظام الدولي. السعودية في العقد الأخير خلال السنوات الماضية، ظهرت نتائج التحول السعودي بوضوح على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لم تعد التغييرات مجرد استجابات ظرفية، بل مساراً متكاملاً يعكس إعادة صياغة عميقة لدور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي. يرى عضو هيئة التدريس في العلوم السياسية بجامعة الملك عبدالعزيز، إياد الرفاعي، أن ما تشهده السعودية يتجاوز تحسين الصورة أو إدارة الأزمات، ليصل إلى إعادة بناء جذرية للهوية السياسية. ويقول إن هذا المسار تقوده قيادة حازمة أعادت رسم موقع المملكة داخل معادلات القوة العالمية. ويشير الرفاعي إلى أن صعود ولي العهد إلى قلب صنع القرار عام 2017 شكل نقطة تحول مفصلية، نقلت البلاد من نموذج محافظ يعتمد على النفط والتحالفات التقليدية، إلى لاعب أكثر استقلالية وجرأة. لم يكن التحول عفوياً، بل نتاج استراتيجية جمعت بين الحزم في التعامل مع التحديات الإقليمية والانفتاح على شراكات دولية جديدة، مع الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الولاياتالمتحدة. إقليمياً، شهدت السياسة الخارجية السعودية تحولاً نوعياً، انتقلت فيه من منطق المواجهة إلى الدبلوماسية المرنة. اتفاق استئناف العلاقات مع إيران بوساطة صينية في مارس 2023، وإنهاء الأزمة مع قطر، وتعزيز الشراكات مع تركيا، كلها مؤشرات على نهج يسعى إلى إدارة الصراعات لا تأجيجها، من دون التفريط بالمصالح الأساسية. داخلياً، شكلت الإصلاحات الاجتماعية أحد أبرز وجوه التحول، وفي مقدمتها توسيع حقوق المرأة، وتمكينها في سوق العمل ومواقع القيادة. تزامن ذلك مع تحولات ثقافية لافتة، من عودة دور السينما إلى تنظيم مواسم فنية ورياضية عالمية. لم تكن هذه التغييرات تجميلاً شكلياً، بل جزءاً من إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والاقتصاد والدولة. اقتصادياً، لعبت الدبلوماسية الاقتصادية دوراً محورياً عبر استثمارات صندوق الاستثمارات العامة، وتنويع مصادر الدخل، وتقليص الاعتماد على النفط. وجاءت «رؤية 2030» لتعيد تعريف موقع السعودية في الاقتصاد العالمي، مع تركيز متزايد على الطاقة المتجددة، والسياحة، والتقنية، والاستدامة البيئية. إدارة التغيير والتحديات لم يكن مسار التحول خالياً من التحديات، إذ واجهت السعودية انتقادات غربية رافقت تغير موازين القوة الاقتصادية العالمية. ويرى الرفاعي أن تراجع الاعتماد على الغرب وتوسع الشراكات مع آسيا وأفريقيا أسهما في تصاعد خطاب نقدي يستند أحياناً إلى صور نمطية قديمة، متجاهلاً حجم التحولات الجارية. ومع ذلك، بدأ الخطاب الغربي خلال عام 2025 يميل إلى الاعتراف بعمق التغيير، في وقت يواصل فيه الإعلام السعودي تفكيك هذه الصور عبر إبراز منجزات تحققت في زمن قياسي. ويخلص الرفاعي إلى أن السعودية مرشحة لتعزيز نموذج «القوة المستقلة المؤثرة» عبر دبلوماسية متعددة الأقطاب، تجعلها محوراً للاستقرار الإقليمي. إدارة هذا التحول تستحضر مقارنة لافتة بين جيلين من القيادة. الملك عبدالعزيز أدرك أن التحديث لا يفرض بالقوة، بل يبنى بالاقتناع وطمأنة المجتمع. قصة إدخال الراديو، حين جرى بث تلاوة قرآنية لتبديد المخاوف، كانت درساً مبكراً في إدارة التغيير من دون صدام. اليوم، تتكرر الفكرة نفسها بمنطق العصر. إصلاحات واسعة تُدار بمسارين متوازيين: الإقناع والصدمة المحسوبة. وقد رأت صحف غربية أن قرارات كالسماح للمرأة بالقيادة جاءت بعد نقاش داخلي طويل، ومرت بسلاسة لأنها لم تصطدم بالبنية الاجتماعية. كيف يقرأ الغرب رؤية 2030 يوضح علي صالح الضريبي، الرئيس الإقليمي للمركز الأوروبي للدراسات الدولية والاستراتيجية (CERIS)، أن الغرب بات ينظر إلى التحولات السعودية كمسار استراتيجي يعيد تعريف دور الدولة. ويرى أن الرؤية انتقلت من خانة النيات إلى مشروع دولة بخطط تنفيذ واضحة. تقييمات مراكز الفكر الأوروبية تربط التحول بأسلوب القيادة لدى ولي العهد، الذي يوصف بامتلاكه رؤية واضحة وقدرة تنفيذية لافتة. وتذهب هذه القراءات إلى أن ما يجري ليس تغييراً داخلياً فحسب، بل إعادة تشكيل للمشهد الخليجي بأكمله. في العلاقة مع أوروبا، تطورت الشراكة إلى مجالات تتجاوز التعاون التقليدي، لتشمل الطاقة والهيدروجين الأخضر والصناعات المتقدمة، في إدراك أوروبي بأن السعودية أصبحت شريكاً أساسياً في ملفات المستقبل. ما بين «لايف» و«فوكس نيوز» بين صورة «لايف» عام 1943 وتغطية «فوكس نيوز» عام 2023، تتبدل زاوية النظر الغربية. الأولى رأت دولة تتشكل في قلب الصحراء، والثانية رأت قوة صاعدة تعيد صياغة ملامح الاقتصاد والسياسة. قال المذيع بريت باير لولي العهد: «لقد أصبحتم لاعباً كبيراً على المسرح العالمي»، واصفاً بلداً يبني مدنه من الصفر، ويعمل بوتيرة لا تهدأ. المؤسس والحفيد ما فعله الملك عبدالعزيز حين فتح أبواب الرياض ل«لايف» يشبه في جوهره ما يفعله الأمير محمد بن سلمان اليوم. كلاهما أراد أن يعرف العالم بالسعودية من خلال روايتها الخاصة. الأول قدم الدولة وهي تولد، والثاني يقدمها وهي تعيد صياغة مستقبلها. وترى كارين إليوت هاوس، في كتابها «الرجل الذي سيصبح ملكاً»، أن ولي العهد مرشح لأن يكون من أكثر القادة تأثيراً في العقود المقبلة، يقود مشروعاً تحويلياً يتجاوز حدود المنطقة. وبين المؤسس والحفيد، تمتد مسافة زمنية طويلة، لكن الروح واحدة: قائد يواجه العالم بثقة، ويكتب مسار بلاده بيده. كيف أعادت السعودية رسم موقعها على خريطة الإبداع لم يكن التحول الثقافي الذي شهدته المملكة العربية السعودية في عهد الأمير محمد بن سلمان نتيجة رغبة عابرة في التحديث، ولا استجابة ظرفية لضغوط خارجية، بل جاء بوصفه أحد أعمدة المشروع السياسي – الاقتصادي الأوسع الذي أعاد تعريف دور الدولة، ووظيفتها، وعلاقتها بالمجتمع والعالم. الثقافة هنا لم تُطرح كزينة مرافقة للتنمية، بل كقوة ناعمة، وصناعة، ولغة تواصل مع الداخل والخارج في آن واحد. مع انطلاق «رؤية 2030»، خرجت الثقافة والفنون من هامش النقاش العام إلى مركزه. الدولة التي ارتبط اسمها لعقود بالاقتصاد النفطي والخصوصية الدينية، قررت أن تقول شيئاً آخر عن نفسها: نحن بلد يمتلك تاريخاً عميقاً، ومجتمعاً شاباً، وطموحاً يتجاوز القوالب الجاهزة. من هنا بدأ العمل على بناء مشهد ثقافي متكامل، لا يكتفي بعرض الفنون، بل يصنع بيئتها، ويؤسس لاقتصادها، ويهيئ جمهورها. الخطوة الأولى كانت البنية التحتية. لا يمكن لأي مشروع ثقافي أن يستقيم من دون فضاء مادي يحتضنه. المتاحف، المسارح، دور السينما، وقاعات العرض لم تُنشأ بوصفها مرافق ترفيهية فحسب، بل كمؤسسات عامة تعيد تنظيم العلاقة بين المواطن والفن. انتشار هذه المنشآت في المدن الكبرى، وتحول الرياض وجدة والدمام إلى منصات ثقافية دائمة، شكّل رسالة واضحة: الثقافة لم تعد حدثاً موسمياً، بل جزءاً من الحياة اليومية. لكن البنية وحدها لا تصنع مشهداً. الرهان الحقيقي كان على الإنسان. هنا ظهرت سياسات دعم الفنانين والمبدعين المحليين، عبر برامج وزارة الثقافة والهيئات المتخصصة التي وُلدت في وقت قياسي، واشتغلت على اكتشاف المواهب، وتأهيلها، وربطها بالأسواق العالمية. الابتعاث الثقافي، المنح الدراسية، الورش الدولية، وحاضنات الأعمال الإبداعية، كلها أدوات استُخدمت لبناء جيل جديد من الفنانين السعوديين، القادرين على التعبير عن هويتهم بلغة معاصرة، من دون عقد نقص أو تقليد أعمى. في هذا السياق، لم تنغلق السعودية على نفسها، بل اختارت الشراكة. التعاون مع مؤسسات ثقافية عالمية، واستضافة معارض متنقلة، وتنظيم مهرجانات ذات طابع دولي، وضع المملكة على خارطة الفنون العالمية بوصفها محطة لا يمكن تجاوزها. الأهم أن هذه الشراكات لم تُبنَ على الاستهلاك الثقافي، بل على التبادل، وعلى تقديم السعودية كجسر يربط بين العالم العربي والمشهد الدولي الأوسع. التحول الأعمق تمثل في التعامل مع الفنون كصناعة. السينما، الموسيقى، التصميم، الألعاب الإلكترونية، والفنون الرقمية لم تُنظر إليها كأنشطة نخبوية، بل كقطاعات اقتصادية قادرة على توليد الدخل، وخلق الوظائف، وتنويع مصادر الاقتصاد الوطني. التجربة العالمية كانت حاضرة في هذا الخيار: الصناعات الإبداعية أصبحت من أسرع القطاعات نمواً في الاقتصادات الحديثة، والسعودية لم ترغب في أن تبقى خارج هذا السباق. غير أن أي صناعة ثقافية لا تعيش من دون جمهور. لذلك كان إدماج الفنون في التعليم، وبناء الوعي الفني منذ المراحل المبكرة، جزءاً أساسياً من المشروع. المعاهد المتخصصة، الأكاديميات، والمبادرات المجتمعية أعادت تعريف العلاقة بين الأسرة والفن، وبين المدرسة والثقافة، في محاولة لبناء ذائقة عامة ترى في الفنون قيمة، لا ترفاً. الميزة السعودية في هذا المسار كانت قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد. التراث المحلي، بما يحمله من فنون شعبية، وشعر، وحرف، لم يُهمَّش، بل أُعيد تقديمه بصيغ معاصرة. العالم لا يبحث عن نسخة أخرى من تجارب جاهزة، بل عن صوت مختلف، والسعودية أدركت أن تميزها الحقيقي يكمن في سرديتها الخاصة. فعاليات ك«موسم الرياض» و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي» لم تكن مجرد مناسبات احتفالية، بل اختبارات ناجحة لقدرة المملكة على التنظيم، والجذب، والتأثير. هذه المواسم صنعت صورة جديدة للبلاد، وأثبتت أن السعودية قادرة على إدارة أحداث تضاهي ما تقدمه العواصم العالمية الكبرى، سواء على مستوى الفنون أو الرياضة أو الترفيه. قطاع الترفيه، الذي وُضع مبكراً ضمن محركات «رؤية 2030»، لعب دوراً حاسماً في ترسيخ هذا التحول. منذ 2016، لم تعد الفعاليات محصورة في مدينة واحدة أو جمهور محدد، بل توزعت على 13 مدينة، واستهدفت شرائح متنوعة من المجتمع. عشرات الحفلات الغنائية، الفعاليات الثقافية، والاستضافات الرياضية الكبرى، جعلت المملكة لاعباً رئيسا في صناعة الترفيه العالمية. الأرقام هنا ليست تفصيلاً ثانوياً. ملايين الزوار، مئات المواقع الجديدة، آلاف الرخص، وبرامج تدريبية خرّجت كوادر وطنية جاهزة لقيادة القطاع. الاستثمار لم يكن في الحدث فقط، بل في الإنسان، وفي بناء كفاءات قادرة على الاستدامة. اللافت أن هذا التوسع لم يُقدَّم بوصفه قطيعة مع المجتمع، بل كإعادة صياغة لخياراته. التنوع الثقافي، والانفتاح، واستيعاب الوافدين ضمن برامج مخصصة، عكس فهماً عميقاً لدور الثقافة في تعزيز التماسك الاجتماعي، لا تفكيكه. في النهاية، لم تعد السعودية تسأل: هل يحق لنا أن نكون حاضرين في المشهد الثقافي العالمي؟ بل أصبحت تسأل: أي دور نريد أن نلعبه؟ الإجابة التي تتشكل اليوم تقول إن المملكة لا تكتفي بالمشاركة، بل تسعى إلى التأثير، وإلى المساهمة في صياغة مستقبل الفنون والثقافة في المنطقة. هذا التحول، بكل ما يحمله من طموح وتحديات، يظل أحد أكثر ملامح عهد الأمير محمد بن سلمان دلالة: انتقال السعودية من موقع المتلقي إلى موقع الصانع، ومن هامش المشهد الثقافي إلى قلبه. السعودية على الساحة الدولية: من إدارة المكانة إلى صناعة الدور حين يُكتب عن موقع المملكة العربية السعودية في النظام الدولي الراهن، لا يعود السؤال متعلقاً بحجم الحضور أو كثافته، بل بنوعه ودلالاته. فالسعودية في زمن الأمير محمد بن سلمان لا تتحرك بوصفها دولة تسعى إلى تثبيت موقع مكتسب، بل كقوة تعمل على إعادة تعريف دورها، وعلى الانتقال من منطق إدارة المكانة إلى منطق صناعة الدور. هذا التحول لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو كثافة الزيارات، وإنما بقدرة الدولة على التأثير في مسارات الأحداث، وعلى أن تكون جزءاً من الحل في عالم تتزايد فيه الأزمات وتضيق فيه مساحات العقل. العالم الذي تتحرك فيه السعودية اليوم عالم مضطرب، متعدد الأقطاب، هشّ التوازنات، سريع التحولات. لم تعد فيه التحالفات ثابتة، ولا الخصومات نهائية، ولا القواعد التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة صالحة لإدارة صراعات القرن الحادي والعشرين. في هذا السياق، اختارت المملكة أن تبتعد عن منطق الاصطفاف الحاد، وأن تبني سياستها الخارجية على فكرة التوازن المرن، الذي يسمح بالحركة بين القوى الكبرى دون الارتهان لأي منها. هذا الخيار لم يكن ارتجالياً، ولا وليد ظرف عابر، بل نتاج قراءة عميقة لتحولات القوة في العالم. فالمملكة تدرك أن ثقلها الجغرافي والاقتصادي والديني يمنحها فرصة نادرة للعب أدوار تتجاوز محيطها الإقليمي، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الإفراط في استخدام هذا الثقل قد يحوّله من مصدر قوة إلى عبء سياسي. لذلك، جاءت دبلوماسيتها محسوبة الخطوات، هادئة النبرة، بعيدة عن الاستعراض، وقائمة على بناء الثقة أكثر من فرض الوقائع.الجغرافيا، التي كثيراً ما اعتُبرت قدراً، تحولت في التجربة السعودية إلى أداة سياسية. موقع المملكة في قلب طرق التجارة والطاقة، وعلى تماس مع أهم الممرات البحرية، لم يعد مجرد خلفية ثابتة، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع ترى في السعودية عقدة وصل بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. هذا الإدراك أعاد صياغة علاقتها بالعالم، من دولة يُمرّ عبرها النفط، إلى دولة يُعاد عبرها ترتيب المصالح. اقتصادياً، لا تنظر السعودية إلى النفط بوصفه نهاية التاريخ، بل بوصفه وسيلة لعبور مرحلة. صحيح أن الطاقة ما زالت تمنحها ثقلاً استثنائياً في المعادلة الدولية، إلا أن الرهان الحقيقي يكمن في ما بعد النفط: في تنويع الاقتصاد، وفي بناء قطاعات جديدة، وفي تحويل الداخل إلى عنصر جذب عالمي. «رؤية 2030» هنا ليست برنامجاً تنموياً فحسب، بل إعلان سياسي غير مباشر بأن المملكة لا تريد أن تبقى رهينة صورة نمطية واحدة، ولا أسيرة وظيفة واحدة في النظام الدولي. أما البعد الديني، الذي شكّل طويلاً إحدى ركائز الدور السعودي، فقد أعيد تقديمه بلغة مختلفة. لم يعد أداة تعبئة، ولا وسيلة نفوذ تقليدية، بل مسؤولية أخلاقية تُدار بعقل الدولة لا بعاطفة الخطاب. من هذا المنطلق، سعت المملكة إلى ربط ثقلها الديني بقيم الاستقرار والاعتدال، وإلى تحييد هذا البعد عن صراعات التوظيف السياسي، إدراكاً منها بأن الدين، حين يُساء استخدامه، يتحول من عنصر قوة إلى مصدر انقسام. في هذا الإطار المركّب، برزت السعودية وسيطاً دولياً لا لأن لديها طموح لعب هذا الدور فحسب، بل لأن البيئة الدولية نفسها باتت بحاجة إلى وسطاء من نوع جديد. وسطاء لا ينتمون إلى تاريخ طويل من الانحيازات، ولا يحملون إرثاً استعمارياً، ولا يسعون إلى تسجيل نقاط سياسية على حساب الأطراف المتنازعة. السعودية، بسياسة الحياد النشط، وبقدرتها على التواصل مع أطراف متخاصمة، وجدت نفسها في موقع يسمح لها بأن تكون منصة للحوار أكثر منها طرفاً في النزاع. الوساطة السعودية، في جوهرها، ليست سعياً إلى صناعة حلول جاهزة، بل إلى إدارة المسافات بين الخصوم، وتوفير شروط الحد الأدنى للتفاهم. هذا الدور، الذي قد يبدو متواضعاً في ظاهره، يكتسب قيمة استثنائية في عالم باتت فيه لغة السلاح أعلى من لغة السياسة. هنا، تظهر المملكة بوصفها دولة تراهن على التهدئة، لا على الاستثمار في الفوضى، وعلى الاستقرار الطويل الأمد، لا على المكاسب السريعة. ولا يمكن فهم هذا الحضور من دون التوقف عند عامل القيادة. فشخصية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بما تحمله من حسم وبراغماتية ورؤية مستقبلية، أسهمت في إعادة تعريف صورة السعودية في عيون العالم. لم يعد يُنظر إلى الرياض باعتبارها عاصمة محافظة تتحرك ببطء، بل كمركز قرار يتخذ مواقفه بسرعة محسوبة، ويتعامل مع العالم بلغة المصالح المتبادلة. العلاقات الشخصية التي بناها ولي العهد مع قادة دوليين لم تكن بديلاً عن المؤسسات، لكنها شكّلت جسور ثقة سهلت كثيراً من أدوار الوساطة والتقريب. في علاقتها مع الولاياتالمتحدة، ومع القوى الكبرى الأخرى، سعت المملكة إلى إعادة ضبط المعادلة. شراكة لا تقوم على التبعية، ولا على القطيعة، بل على إدراك متبادل للمصالح والاختلافات. هذا التوازن الدقيق منح السعودية هامش استقلال أوسع، وسمح لها بأن تقول «نعم» حين تقتنع، و«لا» حين ترى أن مصالحها أو استقرار المنطقة على المحك. التحدي الحقيقي أمام هذا المسار لا يكمن في الخارج فقط، بل في القدرة على الاستمرار في إدارة هذا التوازن من دون الانزلاق إلى فخ التناقضات. فالدبلوماسية المتعددة الأقطاب تتطلب أعصاباً باردة، وقرارات طويلة النفس، وقدرة على تحمّل الضغوط. غير أن التجربة السعودية في السنوات الأخيرة تشير إلى أن المملكة اختارت هذا الطريق عن قناعة، لا عن اضطرار. في خاتمة هذا المسار، يمكن القول إن السعودية في زمن محمد بن سلمان لا تسعى إلى لعب دور القوة العظمى، ولا إلى منافسة الكبار على زعامة النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تكون مجرد تابع في نظام يتغير. إنها دولة تعمل على ترسيخ حضورها بوصفها قوة عقلانية، مسؤولة، تدرك أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الصخب، بل إلى من يملك شجاعة التهدئة، وحكمة الإمساك بالخيط الرفيع بين المصالح والصراعات. بهذا المعنى، يصبح الدور السعودي ليس إضافة هامشية إلى المشهد الدولي، بل أحد عناصر توازنه الممكنة في زمن الاختلال الكبير. الأمير محمد بن سلمان يبحث مع رئيس إندونيسيا جوكو ويدودو مجالات التعاون المشترك ولي العهد والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يبحثان الجهود المتعلقة بأمن واستقرار المنطقة سمو ولي العهد ورئيس الولاياتالمتحدة الأميركية يوقعان اتفاقية الدفاع الإستراتيجية بين البلدين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الكوري السيد هان دوك سو أكدا على أهمية تعزيز العمل المشترك زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الهند الأمير محمد بن سلمان خلال لقاء رئيس الوزراء الياباني العلاقات السعودية الفرنسية ومرحلة جديدة من الشراكة الأمير محمد بن سلمان يصل عمّان والملك عبدالله في مقدمة مستقبليه ولي العهد وملك الأردن يعقدان لقاءً ثنائياً وجلسة مباحثات موسعة استقبال رسمي لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أنقرة برفقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس الروسي يستقبل ولي العهد بناءً على توجيه خادم الحرمين.. ولي العهد يقدم واجب العزاء في الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح تقرير - كتبه: د. غانم السليماني مستشار تحرير جريدة الراي الكويتية