حين تشتدّ الظروف وتتعقّد المشاهد الإقليمية، لا تُقاس قوة الدول بوفرة التصريحات، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الحاسم في اللحظة المناسبة. والمملكة العربية السعودية، عبر تاريخها السياسي والاجتماعي، أثبتت أن حضورها في الأزمات ليس موقفًا عابرًا، بل نهج دولة راسخ في فلسفة قيادتها ومسؤوليتها تجاه محيطها الخليجي والعربي. ومن هذا المنطلق جاء التوجيه الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – أيده الله – باستضافة العالقين من مواطني دول مجلس التعاون استضافة كاملة حتى تزول الغمّة، ليؤكد أن المملكة ترى في الأشقاء امتدادًا طبيعيًا لها، لا مجرد أطراف خارج حدودها. يحمل هذا القرار أبعادًا إنسانية واجتماعية عميقة؛ فهو يبعث برسالة طمأنينة إلى الشعوب الخليجية بأن هناك عمقًا استراتيجيًا يحتضنها عند الحاجة، ويجسّد مفهوم البيت الخليجي الواحد بوصفه حقيقة عملية لا شعارًا إعلاميًا. إن الاستضافة الكاملة للعالقين، بما تتضمنه من رعاية وتنظيم وضمان للكرامة الإنسانية، تعكس أخلاقيات دولة تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، وتتعامل مع الأزمات بروح المسؤولية والتكافل. وليس هذا النهج وليد اللحظة؛ فقد رسّخه قادة المملكة في محطات مفصلية من تاريخ المنطقة. فعندما وقع الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990م، أمر الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – بفتح أبواب المملكة للأشقاء الكويتيين، فاستُقبلوا كشعب واحد في وطنهم الثاني، وتقاسمت الأسر السعودية مع أشقائها تفاصيل الحياة اليومية، في صورة نادرة من التلاحم الشعبي والرسمي جسّدت وحدة المصير الخليجي عمليًا لا نظريًا. كان ذلك موقفًا تاريخيًا أكّد أن أمن الكويت جزء لا يتجزأ من أمن المملكة، وأن الأخوّة تُترجم إلى حماية واحتواء ودعم بلا تردد. كما تجلّى ذات النهج في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – حين استجابت المملكة سريعًا لنداء مملكة البحرين عام 2011م لتعزيز الأمن والاستقرار ضمن منظومة مجلس التعاون، فكان التحرك حاسمًا ومنسّقًا، هدفه حماية مؤسسات الدولة البحرينية وصون استقرارها، دون انتظار أو تردّد. ذلك الموقف عكس فهمًا عميقًا بأن استقرار أي دولة خليجية هو استقرار للجميع، وأن التضامن الأمني مسؤولية جماعية. اليوم، يتكرر المشهد بروح المسؤولية ذاتها. فالتوجيه الكريم باستضافة العالقين يأتي امتدادًا لسلسلة مواقف تؤكد ثبات البوصلة السعودية في أوقات الأزمات. كما أن تواصل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد – حفظه الله – مع قادة دول مجلس التعاون يعكس قيادة واعية تدير المستجدات بروح التنسيق والتشاور، وتؤمن بأن توحيد الموقف الخليجي في اللحظات الدقيقة هو ركيزة الاستقرار الإقليمي. هذا النهج القيادي يعكس فكرًا استباقيًا يتعامل مع المخاطر بمنطق الاحتواء لا بردّ الفعل. ومن منطلق وطني واجتماعي، فإننا نستحضر هذه المواقف التاريخية لنؤكد أن ما تقوم به المملكة اليوم ليس حدثًا منفصلًا، بل امتداد لمدرسة قيادية عميقة الجذور. ونتقدم بخالص الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – أيده الله – على هذا التوجيه الإنساني الكريم، ونثمّن الدور المحوري لسمو ولي العهد في تعزيز هذا النهج وترسيخ ثقافة المبادرة والتكاتف الخليجي. حفظ الله المملكة وقيادتها، وأدام على دول الخليج نعمة الأمن والوحدة والاستقرار، وجعل هذا التلاحم مصدر قوة دائمة في مواجهة التحديات. * أستاذ الإعلام في جامعة جازان