حين بدأ الحديث عن الترميز العقاري في المنطقة، بدا المشهد وكأنه وعد بإعادة تعريف الملكية نفسها. فكرة أن يتحول مبنى أو أرض أو مركز تجاري إلى حصص رقمية يمكن شراؤها بضغطة زر أغرت كثيرين، خصوصًا في مدن تتسارع فيها وتيرة التحول العمراني. غير أن التحول الحقيقي في هذا القطاع لا يبدأ من منصة إلكترونية ولا من سلسلة كتل، يبدأ من سؤال بسيط وحاسم: من يحكم اللعبة؟ الترميز في جوهره ليس عملية تقنية، إنه إعادة صياغة للعلاقة بين الأصل العقاري والمستثمر والسوق. العقار بطبيعته أصل ثقيل، بطيء الحركة، طويل الأجل. وعندما يُجزّأ إلى رموز قابلة للتداول، يتحول إلى منتج سريع التداول، تتغير أسعاره في شاشات رقمية وربما في دقائق. هنا تنشأ المفارقة الأولى: أصل مستقر في الأرض، وسعر متحرك في السوق. الفاصل بين الاثنين هو الحوكمة. التجارب الدولية تقدم إشارات واضحة لمن أراد أن يقرأها. في سويسرا، لم يُترك المجال مفتوحًا أمام الحماس التقني، جرى تعديل الإطار القانوني ليعترف بالسجلات الرقمية ويحدد طبيعة الحقوق الناشئة عنها، مع إخضاع الأنشطة ذات الصلة لرقابة مالية واضحة. الرسالة هناك كانت صريحة: لا وجود لملكية رقمية خارج منظومة قانونية معترف بها. في سنغافورة، جاء النهج مؤسسيًا وتجريبيًا في آن واحد، إذ أُطلقت مبادرات لاختبار البنية التحتية القانونية والمالية للترميز ضمن بيئة منظمة، مع التركيز على أدوار الحفظ والتسوية وإدارة المخاطر قبل فتح الباب على مصراعيه. وفي الاتحاد الأوروبي، اتجه المنظمون إلى وضع إطار شامل للأصول المشفرة مع تمييز دقيق بين ما يُعد أداة مالية خاضعة لتشريعات قائمة وما يخرج عنها. أما دبي فقد سعت إلى ربط فكرة الترميز بسجل الملكية ذاته، في محاولة لعدم فصل الرمز عن الأصل في الواقع القانوني. هذه التجارب تختلف في التفاصيل، غير أنها تلتقي عند مبدأ واحد: التقنية لا تُنشئ حقًا قانونيًا من العدم، ولا تحل محل السجل الرسمي، ولا تعفي من الإفصاح والمساءلة. في غياب هذا الإدراك، يتحول الترميز إلى طبقة رقمية فوق أصل تقليدي، من دون جسر صلب بين العالمين. أخطر ما يواجه القطاع هو مسألة تقييم الأصول. المستثمر الذي يشتري حصة رقمية لا يزور العقار غالبًا، ولا يفحص عقوده، ولا يراجع سجلات صيانته. هو يعتمد على تقييم معروض أمامه وعلى بيانات تشغيلية منشورة. إن كان المُقيّم مرتبطًا بالمُصدر، أو كانت منهجية التقييم غير واضحة، أو جرى عرض أرقام انتقائية عن نسب الإشغال والعوائد، يصبح السعر انعكاسًا لرواية تسويقية أكثر من كونه انعكاسًا لقيمة عادلة. ومع تداول الحصص في سوق ثانوي، قد ينفصل السعر السوقي عن واقع الأصل، فتظهر فجوة بين القيمة الرقمية والقيمة الحقيقية. هذه الفجوة هي البوابة الأوسع للمخاطر. ثم تأتي مسألة الإدارة والتشغيل. من يدير العقار بعد ترميزه؟ من يتخذ قرار إعادة التمويل أو التوسعة أو تغيير المستأجرين؟ من يتحمل تكلفة الصيانة الطارئة؟ وما ترتيب الحقوق عند التعثر أو الإفلاس؟ الرمز في ذاته لا يجيب عن هذه الأسئلة. الإجابة تكمن في عقود الإدارة، وفي وضوح العلاقة بين مالكي الحصص ومدير الأصل، وفي آليات تصويت عادلة، وفي نظام إفلاس قادر على حماية الحقوق. كلما كانت هذه العناصر غامضة، زادت هشاشة البناء بأكمله. هناك أيضًا وهم السيولة. يقال إن الترميز يجعل العقار أكثر سيولة، وهذا صحيح نظريًا إذا وُجد سوق ثانوي نشط ومنظم وشفاف. أما إذا اقتصر التداول على منصة محدودة أو على عدد ضيق من المشاركين، تصبح السيولة رهينة مزاج السوق. عند أول اضطراب، قد يكتشف المستثمر أن الخروج أصعب مما تصور، وأن الحصة الرقمية ليست أكثر قابلية للتسييل من شقة تقليدية في حي جانبي. الحوكمة في هذا القطاع لا تعني فقط وجود لائحة أو ترخيص، تعني تعريفًا دقيقًا لطبيعة الحصة المرمّزة، وربطًا قانونيًا واضحًا بسجل الملكية، وإفصاحًا دوريًا عن الأداء، وتدقيقًا مستقلًا، وحفظًا أمينًا للأصول والأموال، وسوقًا خاضعة لرقابة تمنع التلاعب والتضليل. من دون هذه المنظومة، يصبح الترميز تجربة عالية المخاطر مهما كانت التقنية المستخدمة متقدمة. الترميز العقاري يحمل فرصة حقيقية لتوسيع قاعدة المستثمرين وتنشيط بعض الأصول التجارية وتحديث أدوات التمويل. غير أن الفرصة ذاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر تقلبات حادة إذا سبق الحماس التنظيم. التجارب الدولية تشير إلى أن النجاح لا يقاس بعدد المنصات التي تُطلق، بل يُقاس بقدرة النظام على حماية المستثمر حين تسوء الأمور، لا حين تكون المؤشرات خضراء. في النهاية، السؤال ليس هل نستطيع ترميز العقار، السؤال هو هل نستطيع حوكمة الترميز. التقنية تفتح الباب، أما الثقة فتُبنى بالقانون والشفافية والانضباط. وفي سوق بحجم وطموح الرياض، ستكون الحوكمة هي الفارق بين مرحلة تأسيس متينة، وموجة عابرة تترك وراءها تساؤلات ثقيلة.