يُعد مدفع رمضان من أعرق العادات الرمضانية في العالم الإسلامي، وهو تقليد سنوي ارتبط بأجواء الشهر الفضيل في الحجاز وفي أنحاء المملكة العربية السعودية بوجه عام. ومع مرور الزمن أصبح صوت المدفع لحظةً ينتظرها الصائمون إيذانًا بالإفطار، ورمزًا من رموز الفرح والاحتفاء بالشهر الكريم، حتى صار جزءًا من الهوية الرمضانية للمدن السعودية القديمة. تذكر الروايات التاريخية أن فكرة المدفع تعود إلى عهد محمد علي باشا في مصر في القرن التاسع عشر، حين أطلق مدفع تجريبي وقت غروب الشمس في أحد أيام رمضان، فظن الناس أنه إعلان رسمي للإفطار، فخرجوا شاكرين للحاكم، وأُعجب بالفكرة وقرر اعتمادها. انتشرت العادة بعد ذلك في أنحاء العالم الإسلامي، حتى وصلت إلى الحجاز حيث وجدت قبولًا كبيرًا بين السكان بسبب طبيعة المدن المتقاربة واعتماد الناس على الإشارات الصوتية قبل وجود مكبرات الصوت والساعات الدقيقة. في مكةالمكرمة ارتبط المدفع بروحانية خاصة، إذ كان يُطلق من مواقع مرتفعة ليصل صداه إلى أكبر عدد من الصائمين، خصوصًا بالقرب من المسجد الحرام. وقد عُرف وجوده في الجبال المطلة على الحرم وفي مناطق مكشوفة تسمح بانتشار الصوت في أحياء مكة القديمة. وكان الناس ينتظرون دوي المدفع بلهفة، فيتوقف الباعة عن البيع وتُرفع الأيدي بالدعاء وتبدأ لحظة الإفطار في مشهد جماعي مهيب، بينما يفرح الأطفال ويرددون العبارات الشعبية المرتبطة بالمدفع. ومع توسع المدن وظهور الإذاعة والتلفاز استمر المدفع في أداء دوره الرمزي في مدن المملكة مثل الرياض وغيرها، لكن مع إجراءات أكثر تنظيمًا حفاظًا على السلامة. أحيانًا استُبدلت المدافع الحقيقية بمدافع صوتية حديثة تحاكي الصوت القديم، إلا أن الهدف ظل واحدًا وهو الحفاظ على التراث وإحياء ذاكرة المجتمع. الجهات الرسمية باتت تشرف على إطلاقه في مواقع محددة وبمواعيد دقيقة تتوافق مع التقويم الرسمي. اليوم لم يعد الناس بحاجة إلى المدفع لمعرفة وقت الإفطار بسبب التقنيات الحديثة والتطبيقات الرقمية، لكن قيمته المعنوية بقيت كبيرة، فهو إعلان رمزي بقدوم لحظة الرحمة اليومية في رمضان، وصوت يربط الأجيال بالحياة البسيطة القديمة. ما إن يسمع الصائم صدى المدفع حتى يشعر بعبق الماضي وروح الجماعة التي ميّزت رمضان في الحجاز، ولذلك بقي حاضرًا إلى يومنا هذا كجزء أصيل من الذاكرة الشعبية، وواحد من أجمل المظاهر التي تجسد تلاقي التاريخ بالدين والفرح الاجتماعي في الشهر المبارك.