في ليلة امتزج فيها الفخر بالوفاء، شهدنا مساء يوم 14 فبراير 2026 حفل تخرج 1000 من متدربي الخطوط الجوية العربية السعودية، وكان المشهد أكبر من مجرد توزيع شهادات؛ كان إعلانًا متجددًا بأن الاستثمار في الإنسان هو جناح المؤسسة الأقوى منذ تأسيسها قبل نحو ثمانية عقود. الوجوه الشابة التي اعتلت المنصة لم تكن تمثل دفعة جديدة فحسب؛ بل كانت تجسيدًا لمسيرة ممتدة على مدار 80 عامًا من العناية بالكفاءات الوطنية. فمنذ انطلاقة الناقل الوطني .. ظل الاهتمام بالكوادر البشرية خيارًا إستراتيجيًا لا يتغير؛ إيمانًا بأن الطائرات يمكن شراؤها لكن الإنسان الكفء يُبنى ويُصقل ويُستثمر فيه، وفي كلمته خلال الحفل، أشاد صالح الجاسر وزير النقل والخدمات اللوجستية بالتاريخ العريق للخطوط السعودية، مؤكدًا أن ما تحقق عبر ثمانين عامًا لم يكن ليصمد لولا الرهان المستمر على العنصر البشري. كما شدد ابراهيم العمر مدير عام المؤسسة على أن الاستثمار في الكوادر الوطنية ليس تكلفة مرحلية؛ بل استثمار أبدي للمؤسسة وللوطن ينعكس أثره في جودة الخدمة، وسمعة الناقل، وثقة المسافرين، ومكانة المملكة في قطاع الطيران العالمي. كانت الكلمات صادقة، لكنها لم تكن مجرد خطاب رسمي؛ فقد بدت في عيون الخريجين مسؤولية حقيقية. كل متدرب منهم يحمل اليوم إرثًا مهنيًا عريقًا، وينضم إلى منظومة عمل تُدرك أن الانضباط والالتزام وروح الفريق، هي أعمدة النجاح في صناعة لا تعرف الخطأ. ما ميّز الحفل هو ذلك التوازن بين الاعتزاز بالماضي واستشراف المستقبل. الاحتفاء بالتاريخ لم يكن حنينًا؛ بل كان حافزًا لمضاعفة الجهد. فالعالم يتغير بسرعة والتقنيات تتطور، وتوقعات المسافرين ترتفع؛ لكن الثابت يبقى هو الإنسان المؤهل القادر على مواكبة التحول وصناعة الفارق. كما حضرت لحظات الوفاء للمدربين الذين رافقوا المتدربين في رحلتهم، وللأسر التي كانت السند الأول. كان التصفيق في القاعة رسالة تقدير جماعية بأن النجاح لا يُصنع فرديًا؛ بل عبر منظومة متكاملة تؤمن بالشراكة والمسؤولية المشتركة. خرجنا من الحفل ونحن على يقين أن هذه الدفعة الجديدة ليست مجرد إضافة عددية؛ بل إضافة نوعية لمسيرة وطنية عريقة. ثمانون عامًا من الاستثمار في الإنسان أثمرت أجيالًا متعاقبة من الكفاءات، واليوم يبدأ جيل جديد رحلته، وهو يحمل الثقة والتأهيل والطموح. إنه حفل تخرج، نعم؛ لكنه أيضًا تجديد عهد بأن السماء التي حلّقت فيها السعودية لعقود ستظل مفتوحة أمام من يؤمن بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار فيه هو الضمانة الأقوى لمستقبل أكثر إشراقًا للمؤسسة وللوطن.