في السياسة، كما في الطبيعة، لا تكفي النوايا الحسنة ولا الخطابات العالية لتغيير الواقع، فكما تخضع المادة لقوانين الجاذبية والحركة والطاقة، تخضع الدول والمجتمعات لما يمكن تسميته مجازًا ب (الفيزياء السياسية) (Political Physics): وهي منظومة من القوانين غير المكتوبة التي تحكم سلوك القوة، وحدود النفوذ، واستقرار الأنظمة، بغضّ النظر عن الشعارات أو الأخلاق المعلنة، هذه الفيزياء لا تُعنى بما تريده الدول، بقدر ما تهتم بما تستطيعه دون أن ينكسر النظام أو يختلّ التوازن أو تُستنزف الطاقة الكامنة فيها...ولكن ما هو المقصود ب «الفيزياء السياسية» مجازًا؟ وهل الفيزياء السياسية مفهوم أكاديمي وسياسي موجود؟ هو ليس مصطلحًا رسميًا صارمًا، لكنه حاضر ضمنيًا في: المدرسة الواقعية (Realism) في العلاقات الدولية وفي بعض المصطلحات الدارجة، وفي هذا المنظور: السياسة ليست أدبيات مجردة بل معادلة قاسية بين الممكن والمستحيل، فالفيزياء السياسية لا تسأل: ماذا تريد الدولة؟ بل تطرح السؤال الأكثر واقعية: ماذا تستطيع الدولة أن تفعل دون أن ينكسر النظام أو يدخل مرحلة الإنهاك؟ .وهنا نطرح نماذج من قوانين الفيزياء السياسية: 1 - قانون القوّة (Force) في الفيزياء: القوة = الكتلة × التسارع، وفي السياسة: الكتلة = السكان + الاقتصاد + الجغرافيا + الشرعية والتسارع = سرعة القرار والتنفيذ، والناتج = النفوذ الحقيقي، ولهذا قد تُحدث دولة صغيرة وسريعة أثرًا ملحوظًا، لكنها لا تستطيع كسر كتلة أكبر منها إلا بطاقة هائلة غالبًا ما تكون مستحيلة أو مُنهِكة. 2 - قانون التوازن (Equilibrium):في الفيزياء: أي نظام يختلّ توازنه إمّا أن يعود إليه أو ينهار، وفي السياسة: اختلال ميزان القوى يقود حتميًا إلى تحالفات مضادة أو صراعات تصحيحية أو انهيار داخلي، ولهذا لا توجد هيمنة مطلقة مستقرة، بل تفوق مؤقت يعقبه تصحيح أو انهيار. 3 - القصور الذاتي (Inertia): في الفيزياء: الجسم يستمر في حالته ما لم تؤثر عليه قوة خارجية، وفي السياسة: الدول تستمر في سياساتها وتحالفاتها وعداواتها حتى لو تغيّرت الظروف، ولهذا فإن تغيير مسار دولة أصعب بكثير من تغيير حكومة. 4 - الاحتكاك (Friction): في الفيزياء: الاحتكاك يبدّد الطاقة، وفي السياسة: البيروقراطية، والثقافة، والمجتمع، والمعارضة، والجغرافيا والصراعات والمغامرات الخارجية كلها أشكال احتكاك سياسي تُبدّد قوة القرار مهما كانت النوايا. ولهذا تفشل قرارات مُمكنة نظريًا حين تصطدم بواقع معقّد غير محسوب. 5 - الطاقة وحدودها (Energy Limits): في الفيزياء: الطاقة ليست لانهائية، وفي السياسة: المال، والشرعية، والصبر الشعبي، والقدرة العسكرية كلها موارد تنفد، والدولة التي تُشعل صراعات أكثر من قدرتها، تدخل مرحلة الإنهاك والاحتراق السياسي (Political Burnout)، والفيزياء السياسية لا تنفي النظريات السياسية وأدبياتها، لكنها تضعها في سياقها الواقعي، وتقول بوضوح: السياسة التي تتجاهل قوانين القوة تتحول إلى خطاب جميل بلا أثر، ولهذا يخبرنا التاريخ: أن صراعات أتت بنتائج معاكسة لأن الفيزياء سبقت أدبيات السياسة الجامدة في لحظة الصدام، وهذا يقودنا للإجابة عن هذا السؤال: لماذا تفشل مشاريع سياسية كبرى؟ لأنها ببساطة تحاول كسر قوانين الفيزياء السياسية . فلنحاول الآن أن نقدم قراءة تحليلية مقارنة لنماذج دولية كبرى من منظور (الفيزياء السياسية) ، بعيدًا عن الخطاب الأخلاقي أو الانفعالي. 1 - ألمانيا النازية (1933–1945) كان هنا (التسارع بلا حساب للطاقة) فقد امتلكت ألمانيا النازية تسارعًا عاليًا وكفاءة تنظيمية، لكنها تجاهلت حدود الطاقة والاحتكاك الجغرافي وفتحت جبهات تفوق قدرتها وحدودها. 2 - الاتحاد السوفيتي (1945–1991) (الكتلة بلا مرونة) امتلك الاتحاد السوفيتي كتلة جغرافية وعسكرية هائلة، لكنه عانى من احتكاك داخلي شديد وقصور ذاتي قاتل، لم يسقط بهزيمة عسكرية مباشرة، بل بانهيار داخلي نتيجة الإنهاك الفيزيائي السياسي. 3 - النموذج الإماراتي (التسارع العالي داخل مجال كتلة أكبر) يمثل النموذج الإماراتي حالة معاصرة متقدمة، تقوم على تسارع عالٍ وقدرة على المناورة، وهذا التسارع اللاعقلاني يسير داخل فلك إقليمي تشكل فيه السعودية مركز الثقل الأكبر، ووفق الفيزياء السياسية، فإن التسارع يمنح أثرًا سريعًا لكنه لا ينتج استقرارًا طويل الأمد ما لم يُنسق مع الكتلة الأكبر في المجال نفسه، وما يحدث بين السعودية والإمارات لايمكن فهمه بخطاب أخلاقي أو عاطفي فقط، بل بمنطق الفيزياء السياسية، فالبلدان يتحركان داخل فضاء إقليمي واحد، لكن: بكتلتين مختلفتين بشكل صارخ وتسارعَين مختلفين وطاقة مختلفة بينها بونا شاسع، فالسعودية تمثّل مركز ثقل إقليمي بكتلة سكانية وجغرافية واقتصادية عميقة، وبنَفَس إستراتيجي طويل، بينما تتميّز الإمارات بتسارع عالٍ وقدرة على المناورة السريعة وبمحدودية عالية جغرافياً وسكانياً وسياسياً وعمقاً إستراتيجيا، وحين تتحرك منظومتان بكتلتين وتسارعين مختلفين داخل المجال نفسه، يصبح الاحتكاك قانون حركة سواءً ساءت النية أو حسنت فالأنظمة الكبيرة لا تتحرك بسرعة الصغيرة، والصغيرة لن تستطيع تجاهل جاذبية الكتلة الكبيرة الهائلة، والغالب أنه لن ينتهي هذا التفاعل بين الكتلتين إلى اصطدام يحسم الأمر، ولا إلى انفصالٍ يريح النظام الفيزيائي السياسي هنا، بل إلى حالة أخرى مؤرجحة: اهتزاز دائم داخل المجال نفسه، وعند هذه النقطة، لا تنكسر الكتلة الصغيرة انكساراً كبيرا ولا تضمحل تماماً لكنها ستستنزف محاولة تثبيت المجال، وتفقد طاقتها دون أن تبلغ استقراراً، وهكذا يتحول النظام من حركة منتجة إلى عدم استقرار مزمن، حيث تُهدر الطاقة بلا نتيجة، ويصبح البقاء قائمًا لا على التوازن، بل على مقاومة الانهيار، وهذه ليست لحظة صراع تقليدي بل لحظة فيزيائية تقول إن تجاهل حدود الكتلة وحدود التسارع لا يصنع انتصارًا، بل يصنع اهتزازًا طويل الأمد يدفع ثمنه المغامر الصغير... السياسة ليست ساحة مغامرات هوجاء بل ميدان قوانين فلا فكرة بلا توازن، ولا تسارع بلا حساب طاقة ولا كتلة بلا مرونة ولا نفوذ بلا تنسيق داخل المجال. ومن يجهل فيزياء القوة، يعيد إنتاج الأخطاء مهما تغيّرت الشعارات.