في عالم تتهاوى فيه دول بسبب الطاقة قبل أن تتهاوى بسبب السلاح، لم تعد الكهرباء ملفاً خدمياً ولا بنداً تقنياً ضمن خطط البنية التحتية، بل أصبحت شرطاً أولياً لبقاء الدولة الحديثة، ومقياساً صامتاً لقوة القرار، وقدرة النظام على حماية اقتصاده ومجتمعه في آن واحد. من هذا المنطلق، تعاملت المملكة العربية السعودية مع ملف الكهرباء بوصفه ملف سيادة مكتملة الأركان، لا مشروع تحسين مرحلي. السيادة الكهربائية تعني امتلاك القرار الكامل على مصدر الطاقة، وسلسلة إنتاجها، وآلية توزيعها، وقدرة حمايتها في كل الظروف. هذا الفهم قاد المملكة إلى إعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس إستراتيجية، تبدأ من تنويع المصادر، ولا تنتهي عند حماية الشبكة الوطنية من أي اختراق تقني أو سياسي. الدولة التي تعتمد على مصدر واحد للطاقة تعيش تحت رحمة الأسواق والتقلبات الدولية، بينما الدولة التي تمتلك مزيجاً متوازناً تصنع هامش حركتها بنفسها. اختيار المملكة التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لم يكن استجابة لضغط بيئي عالمي، بل كان قراءة دقيقة لمستقبل السيادة. تحويل الجغرافيا إلى أصل إنتاجي، واستثمار الشمس والرياح بوصفهما موارد وطنية دائمة، نقل مفهوم الطاقة من الاستهلاك إلى التمكين. هذه المشاريع لا تخفف الكلفة التشغيلية فقط، وإنما تحصّن القرار الاقتصادي، وتمنح الدولة قدرة أعلى على التخطيط بعيد المدى. وفي موازاة الإنتاج، أدركت المملكة أن الشبكة الكهربائية هي العمود الفقري للسيادة الحديثة. شبكة غير ذكية تعني دولة مكشوفة. شبكة غير مرنة تعني اقتصاداً هشاً. لهذا جاء الاستثمار في الشبكات الذكية، وأنظمة التحكم المتقدمة، وإدارة الأحمال، والتنبؤ بالاستهلاك، بوصفه استثماراً في الاستقرار الوطني قبل أن يكون استثماراً تقنياً. استقرار الكهرباء أصبح جزءاً من الثقة العامة في الدولة، وقدرتها على إدارة التحول. الجانب التنظيمي لم يكن أقل أهمية من الجانب الفني. السيادة لا تقوم دون تشريع واضح وحوكمة صارمة. تحديث الأطر التنظيمية لقطاع الكهرباء مكّن الدولة من ضبط السوق، وتشجيع الاستثمار المنضبط، ومنع الفوضى التشغيلية، وضمان كفاءة الأداء. التنظيم هنا أداة سيادية تحمي القطاع من الارتجال، وتمنح صانع القرار وضوحاً كاملاً في إدارة المخاطر. وعلى المستوى الدولي، انتقلت المملكة من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صياغة مستقبل الطاقة. الدخول في سلاسل الإمداد للطاقة النظيفة، وتصدير الخبرة التشغيلية، والمشاركة في التحالفات الدولية، أعاد تعريف موقع المملكة في خريطة الطاقة العالمية. هذا الحضور لا يعكس قوة تقنية فقط، وإنما يعكس ثقة دولة بقدرتها على التأثير لا الاكتفاء بالتكيّف. ولا يكتمل هذا المشهد دون البُعد الصناعي. توطين صناعة المحولات، والكوابل، وأنظمة التخزين، والبرمجيات المرتبطة بالطاقة، نقل الكهرباء من كونها خدمة إلى كونها قطاعاً سيادياً منتجاً للمعرفة والوظائف. الدولة التي تصنع أدواتها تملك قرارها، والدولة التي تستورد كل شيء تبقى رهينة في لحظة الأزمة. كما أن الأمن الكهربائي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني. حماية الشبكات من الهجمات السيبرانية، وبناء سيناريوهات الاستجابة السريعة، ورفع الجاهزية في حالات الطوارئ، تمثل خطوط الدفاع الأولى في عالم يعتمد على الكهرباء في كل تفصيل من تفاصيل الحياة. المملكة تعاملت مع هذا الملف بعقلية استباقية تدرك أن انقطاع الكهرباء في العصر الرقمي يعني شللاً شاملاً. ما تبنيه المملكة اليوم في قطاع الكهرباء ليس بنية تحتية فقط، وإنما نموذج سيادي متكامل يعكس فلسفة دولة قررت أن تتحكم في مستقبلها لا أن تلاحقه. في عالم تعاد فيه صياغة القوة من خلال الطاقة، ترسخ المملكة موقعها بوصفها دولة تدير التحول، وتفرض إيقاعه، وتحوّل الكهرباء من خدمة صامتة إلى أداة سيادة صلبة.