في عالم التعليم، لا يُقاس النجاح بعدد النماذج المعبأة، ولا بكمّ الملاحظات المسجلة، بل بمدى الأثر الذي يُترك في النفوس قبل العقول. فالإدارة التربوية في جوهرها، ليست سلطة تُمارَس، بل مسؤولية تُحمل، وفن يُتقن وعلم يُفهم ومهارة تُصقل. غير أن المشهد أحياناً ينحرف عن مساره الطبيعي حين تتحول بعض الإدارات من قيادة ملهمة إلى رقابة متحفزة، ومن دعمٍ للمعلم إلى ترصّد لأخطائه. وهنا تبدأ القصة؛ لا قصة نظام، بل قصة نفسٍ لم تُحسن استخدام موقعها مع الأسف. تجد مديراً أو وكيلاً يقف خلف مكتبه، لا يرى في المعلم شريكاً في الرسالة، بل خصماً عند التقييم. يترصد الهفوات ويضخم الزلات، ويغض الطرف عن النجاحات. يُمسك باستمارة التقييم كما لو كانت أداة انتقام، لا وسيلة تطوير، فيسجل الملاحظات لا ليبني، بل ليهدم، لا ليقوّم، بل ليُقوِّض العمل الجميل. والمفارقة المؤلمة أن بعض تلك الملاحظات تكشف- من حيث لا يشعر- محدودية إلمامه بتخصصات الآخرين، فيحاكم أداءً لا يفهم أبعاده، وينتقد أساليب لا يفقه فلسفتها. ومع ذلك، يمضي في تسجيل الأحكام بمعرفته المحدودة، وكأنه يكتب حقيقة مطلقة لا تحتمل النقاش. لكن الأخطر من كل ذلك، ليس ظلم معلمٍ بعينه، بل ما يخلّفه هذا السلوك من شرخٍ خفي في البيئة التعليمية. فالمعلم الذي يُستهدف، يفقد شيئاً من شغفه ويتراجع عطاؤه، لا عجزاً بل إحباطاً. كما أن زملاءه الذين يراقبون المشهد، تتسلل إليهم العدوى: فيكون أسلوبهم صمتٌ حذر، وأداءٌ بارد ومبادراتٌ مؤجلة. أما الطالب- وهو الحلقة الأضعف- فيدفع الثمن دون أن يدرك أسباب الخلل. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما قيمة إدارة مدرسية تُتقن تسجيل الملاحظات، وتفشل في صناعة الدافعية؟ وما جدوى تقييمٍ يُنقص الدرجات، لكنه لا يرفع مستوى الأداء؟ فالإدارة التربوية الحقيقية لا تبحث عن الكمال في المعلم، بل تُعينه على بلوغه. لا تُشهر الأخطاء، بل تحتويها. لا تُسجل العثرات لتصطادها، بل لتتجاوزها. هي التي تُنصِف قبل أن تُحاسب، وتفهم قبل أن تُصدر الحكم، وتبني قبل أن تنتقد. أما حين تنحاز الإدارة لعاطفتها، وتُسخّر أدواتها لتصفية مواقف شخصية، فإنها لا تُسيء إلى معلمٍ واحد فحسب، بل تُسيء إلى منظومة بأكملها، وتُربك بوصلة التعليم التي يجب أن تشير دائماً نحو الطالب …لا نحو الأنا. والمعروف إن أعظم الإدارات أثراً، ليست تلك التي تقلق المعلمين وتحاول أن تخيفهم، بل التي تُلهمهم وترفع مستواهم. وليست التي تُكثر من الملاحظات، بل التي تُحسن اختيارها. فما بين ملاحظة من أجل الذات، وملاحظة من أجل الهدف يتحدد مصير بيئة تعليمية بأكملها. وبالله التوفيق.