«البيانات هي المورد الإستراتيجي الأهم في القرن الحادي والعشرين»؛ عبارة تُنسب إلى الخبير الاقتصادي كلايف همبي، تعد توصيفاً عمليًا ودقيقاً لواقعٍ يتشكل الآن. فالعالم الذي كان يقيس قوته بمخزون النفط والذهب، بات يقيس نفوذه اليوم بعدد مراكزه الحاسوبية، وسعة معالجاته، وقدرته على تخزين البيانات وتحليلها وحمايتها. فمن قلب العاصمة السعودية، يتشكل أكبر مركز بيانات حكومي في العالم، بطاقة تشغيلية تصل إلى نحو 480 ميغاواط، وعلى مساحة تتجاوز 30 مليون قدم مربعة، فهذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حجم منشأة، بل عن قدرة دولة على إدارة مليارات السجلات، ومئات المنصات الرقمية، وآلاف الأنظمة الحكومية من نقطة ارتكاز واحدة، بمعايير تشغيل تقترب من الاستمرارية المطلقة، وهي أرقام غير مسبوقة في عالم مراكز البيانات السيادية، مشروع «هيكساجون» الرياض بجاهزية تتجاوز 99.99%. في عالم تتوقف فيه الاقتصادات مع تعطل الخوادم لثوانٍ معدودة، يصبح هذا المستوى من الاعتمادية مسألة سيادة لا رفاهية تقنية، ليكون لا إنجازاً تقنياً فحسب، بل باعتباره لحظة انتقال تاريخية في مفهوم الدولة الحديثة. لقد بلغ حجم سوق مراكز البيانات عالمياً حتى عام 2025، بما يزيد على 300 مليار دولار، مع توقعات بتجاوز 500 مليار دولار قبل نهاية العقد الحالي، مدفوعاً بالطفرة غير المسبوقة في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء. تأكيداً لمقولة: «من يسيطر على البنية التحتية للمعلومات، يسيطر على مسار التنمية»، مقولة كثيراً ما تتردد في أدبيات الاقتصاد السياسي، ويجسدها المشروع السعودي بوضوح. فالمملكة، التي رفعت نسبة الخدمات الحكومية الرقمية إلى ما يفوق 97% بحلول 2025، فوفق البيانات الدولية: «أن أحمال العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحدها تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال ثلاث سنوات، وأن الطلب على قدرات المعالجة عالية الأداء ارتفع بنسب تتجاوز 25% سنوياً». لقد انتقل المشروع من رقمنة الإجراءات، إلى مرحلة أعمق: إعادة تصميم الدولة حول البيانات. وهنا يبرز «هيكساجون» ليس كمشروع محلي، بل كجزء من سباق عالمي محتدم على البنية التحتية للعقل الرقمي، ليكون العمود الفقري لهذا التحول، حيث ستُدار عبره قواعد البيانات الوطنية، ومنصات التحليل، ونماذج الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم في التخطيط، والصحة، والتعليم، والأمن، وإدارة الموارد، وهُنا تُظهر التقديرات أن الاستثمار في البنية التحتية للحوسبة يحقق عائداً مضاعفاً على الناتج المحلي، إذ يُسهم «هيكساجون» في خفض تكاليف التشغيل الحكومي بمليارات الريالات سنوياً، من خلال تقليل الاعتماد على البنى المتفرقة، وتحسين كفاءة إدارة البيانات، وتسريع اتخاذ القرار القائم على التحليل لا الحدس. فكل دولار يُضخ في مراكز البيانات المتقدمة يولد ما بين 1.5 إلى 2 دولار من القيمة غير المباشرة، عبر تحفيز الابتكار، وجذب الشركات التقنية، وخلق وظائف نوعية. أما في مجال الذكاء الاصطناعي، تحتاج الأنظمة إلى قدرات حوسبة ضخمة، ومعالجة فورية، وبنية تخزين آمنة، وهي عناصر لا يمكن توفيرها دون مراكز بيانات فائقة الحجم، والأرقام هنا أكثر دلالة، فبحلول مطلع 2026، يُتوقع أن يشكل الذكاء الاصطناعي ما يقارب 14% من الناتج الاقتصادي العالمي، وأن تعتمد أكثر من 70% من الحكومات على أنظمة تنبئية في التخطيط وصنع السياسات، وبالتالي يتحول «هيكساجون» إلى منصة تمكين وطني لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، من تحليل الأنماط الصحية، إلى إدارة الحشود، إلى تحسين كفاءة الطاقة والمياه، ولا يقل البعد البيئي أهمية عن البعد الاقتصادي. فمراكز البيانات تستهلك عالمياً ما يقارب 2% من إجمالي الكهرباء، مع توقعات بالارتفاع إلى 4% خلال سنوات قليلة إذا استمرت الوتيرة الحالية. إدراك هذا التحدي انعكس في تصميم «هيكساجون»، الذي يعتمد تقنيات تبريد متقدمة تقلل استهلاك الطاقة، وأنظمة إدارة ذكية ترفع كفاءة التشغيل، بما يضعه ضمن فئة المراكز الأقل استهلاكاً للطاقة مقارنة بحجمه. هنا تتحقق معادلة صعبة: توسع رقمي دون استنزاف بيئي، في انسجام مع التحولات العالمية نحو الاستدامة. على المستوى الجيوسياسي، يندرج المشروع ضمن مفهوم «السيادة الرقمية»، الذي بات أحد أعمدة الأمن القومي للدول. فيعيد «هيكساجون» توطين البيانات السيادية، ويمنح المملكة قدرة مستقلة على إدارة معلوماتها، في عالم يشهد تصاعداً في الهجمات السيبرانية وتسييس التكنولوجيا، لأن الدولة التي تُخزن بياناتها الحساسة خارج حدودها، أو تعتمد على بنى غير خاضعة لسيادتها، تضع قرارها الوطني في مهب الريح. القيمة الحقيقية لأي بنية حوسبية لا تكتمل دون العنصر البشري. حيثُ تشير المؤشرات إلى أن الطلب على المتخصصين في علوم البيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي سيشهد نمواً يتجاوز 30% سنوياً حتى 2030. ولأن «هيكساجون» منصة تدريب وطنية غير مباشرة، تُنتج جيلاً من الكفاءات السعودية القادرة على العمل في قلب الثورة الرقمية، لا على هامشها، فهو يفتح الباب أمام شراكات بحثية مع جامعات ومراكز ابتكار عالمية، تُحوّل المملكة من مستهلك للتقنية إلى مساهم في تطويرها، ومع دخول عام 2026، يتضح أن عالم الحوسبة لم يعد مجرد بنية خلفية صامتة، بل أصبح الفاعل الرئيسي في تشكيل السياسات والاقتصادات. ف«هيكساجون» ليس مشروعاً منتهياً، بل نقطة بداية لمنظومة رقمية تتوسع وتتعقد مع الزمن، لأن الحوسبة الفائقة، والحوسبة السحابية، والحوسبة الكمية التي تلوح في الأفق، كلها تعيد تعريف مفاهيم القوة والقدرة والتنافس. وفي هذا المشهد. وقفة: تحضر مقولة عالم المستقبليات ألفين توفلر: «القوة في عالم الغد لن تكون لمن يملك السلاح الأقوى، بل لمن يملك المعلومة الأسرع». «هيكساجون» هو تجسيد عملي لهذه الفكرة؛ بنية تحتية لا تخزن البيانات فقط، بل تصنع بها القرار، وتدير بها الدولة، وتبني بها المستقبل. ومن الرياض، يبدو أن المملكة لا تلاحق موجة الحوسبة العالمية، بل تشارك في قيادتها، واضعةً نفسها في قلب العصر الذي تُدار فيه الدول بالخوارزميات، لا بالصدفة.