في كثير من الأندية، خصوصًا على مستوى الفئات السنية، لا تُقاس الموهبة إلا بما تُقدّمه داخل الملعب.. سرعة، مهارة، هدف، صفقة، أما ما يحدث خارج الملعب، في الفصل، في الكتاب، في تكوين العقل والهوية، فهو تفصيل مؤجل.. أو غير موجود أصلًا، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. عدد من الأندية لا تملك أكاديميات تعليمية متكاملة، ولا شراكات جادة مع مؤسسات تعليم أساسي، ولا حتى تصورًا واضحًا لمسار اللاعب الناشئ إذا تعثرت رحلته الكروية. اللاعب يُسحب من المدرسة، أو يُخفّف حضوره، أو يُترك لمصيره «يدبر نفسه»، مقابل وعد غير مكتوب: «ركّز على الكرة، والباقي لاحقًا»، لكن «لاحقًا» غالبًا لا يأتي. الخطير في هذا النموذج أنه يتعامل مع الطفل أو المراهق كأصل استثماري قصير الأمد، لا كإنسان في طور التشكّل.. تُستثمر موهبته، يُستنزف جسده، ويُهمَل عقله.. وإذا نجح؟ يُقال: القرار كان صائبًا.. وإذا فشل؟ يُترك وحيدًا مع فراغ معرفي، وهوية مهزوزة، ومستقبل ضبابي. الحقيقة التي لا تحب الأندية سماعها: أغلب اللاعبين الناشئين لن يصلوا للاحتراف الكامل، ليس لضعفهم، بل لأن كرة القدم بطبيعتها انتقائية وقاسية، إصابة واحدة، مدرب لا يراك، توقيت خاطئ، أو حتى حظ سيئ.. كفيل بإخراجك من اللعبة.. فماذا بعد؟!. اللاعب الذي لم يُكمل تعليمه، ولم يُنمِّ مهاراته الذهنية، ولم يتعلم كيف يفكّر خارج المستطيل الأخضر، يجد نفسه فجأة بلا كرة.. وبلا بديل. هنا تبدأ المعاناة النفسية الحقيقية: شعور بالفشل، فقدان قيمة الذات، اكتئاب، غضب، وأحيانًا سلوكيات خطرة، لأن هويته كلها بُنيت على «أنا لاعب كرة»، وحين تسقط الكرة، يسقط معها كل شيء. الأندية التي تُهمِل التعليم لا تُنتج فقط لاعبين محدودي الخيارات، بل تُضعف حتى جودة المواهب نفسها، اللاعب المتعلم أذكى تكتيكيًا، أقدر على اتخاذ القرار، أكثر انضباطًا، وأسرع في التعلّم.. التعليم ليس عائقًا للأداء، بل رافعة له، لكن العقلية الربحية قصيرة النظر ترى في التعليم «تشتيتًا»، بينما هو في الحقيقة حماية طويلة المدى. المؤلم أن بعض الأندية تبرر هذا الإهمال بحجج واهية: «اللاعب مو فاضي» أو «الكرة أولًا» أو «إذا نجح، خلاص». وكأن النجاح الرياضي يُلغي الحاجة إلى عقل واعٍ، أو حياة متوازنة، أو مستقبل بعد الاعتزال، وكأن اللاعب آلة إنتاج، لا إنسان سينتهي به المطاف يومًا ما خارج الملعب. المسؤولية هنا أخلاقية قبل أن تكون رياضية، النادي الذي يستفيد ماديًا من موهبة طفل، عليه واجب واضح: أن يحمي مستقبله، لا أن يراهن عليه فقط، حماية المستقبل تبدأ من التعليم، من بناء مسار مزدوج: «كرة + دراسة، حلم + خطة بديلة، موهبة + وعي». نحن لا نحتاج فقط لاعبين جيدين، بل بشرًا متوازنين.. ولا نحتاج فقط أكاديميات كروية، بل أكاديميات حياة.. الاستثمار الحقيقي ليس في القدم وحدها، بل في الإنسان كاملًا، وكل نادٍ يتجاهل هذا، قد يربح موسمًا، لكنه يخسر إنسانًا.