نعرف جيدًا أن الجاحظ كان له خصوم في زمانه، وقد أسرف بعضهم في تقريعه وشتمه. ولنأخذ على سبيل المثال أبا جعفر الإسكافي الذي كتب كتابًا يرد فيه على الجاحظ وسمّاه (نقض كتاب العثمانية)، وتمادى في شتم الجاحظ تارة، وفي الغمز به واللمز منه تارة أخرى، وقد وصفَ الجاحظ بأوصاف كثيرة منها: «الجاهل، المكابر، الكاذب، المعاند، المنحرف الذي لا حيلة فيه، الذي ليس على لسانه من دينه وعقله رقيب، الذي قوله لغو وكلامه لعب ولهو، وصاحب الدسائس والهمز واللمز.. إلخ». ومع ذلك فإن الجاحظ - وعلى خلاف ما يتوقعه المرء - لم يقابل ذلك بالسخط والنفور، بل أخذ كتاب الإسكافي نفسه، وضمه إلى بعض كتبه، ليكون جزءًا من أجزاء رسائله، وسمّاه باب (خلاصة نقض كتاب العثمانية لأبي جعفر الإسكافي)، وكتاب الإسكافي موجود إلى اليوم في كتاب رسائل الجاحظ - تحقيق عبدالسلام هارون-. فانظروا إلى الأمانة التي تحلّى بها الجاحظ، رغم أن الكتاب فيه نقض لأقواله، فضلًا عن الانتقاص منه والتسفيه به، فإنه أسهم في نشر كلام خصمه عنه، وأتاح للقراء النظر والحكم بين الكتابين. وعلى النقيض من ذلك تمامًا (مشهدنا الثقافي)؛ فإننا لا نقرأ كتابًا واحدًا فيه أي إشارة إلى كتاب آخر، أو أي فكرة لأحد زملاء الكاتب! بل بلغت بهم القطيعة الثقافية إلى أن نشعر أن كل واحد منهم يعيش في جزيرة معزولة، يكتب لنفسه ولجمهوره دون أن نرى أي أثر لغيره في أطروحاته. الثقافة لا تكون فاعلة إلا بصراع البراهين، وتضارب الآراء، ومجالدة الأفكار، وليس بالتراشق على المنابر الإعلامية، وحلقات اليوتيوب (البودكاست) السطحية. ولعلنا نستشهد بالصراع الذي حدث بين (فتجنشتاين) و(كارل بوبر)، الذي أوشك أن يصل إلى التشابك بالأيدي؛ إذ لا يخفى على أحد الانعكاس الإيجابي، الذي أحدثه ذلك الصراع، على الفلسفة. ألم يُسطِّر اليونانيون الحضارة البشرية المعجزة قبل الميلاد، بفضل تلك النقاشات التي كانت تغلي بين العقلانيين والسفسطائيين أولًا، ثم بين العقلانيين أنفسهم ثانيًا؟ ولم يكن أحدهم يعيش بمعزل عن الآخر، ولا أدلّ على ذلك من عبارة الحكيم أفلاطون عن تلميذه أرسطو التي أوردها (ويل ديورانت) في قصة الفلسفة ص 51: «بينما كان الحكيم المسن يشبّه تلميذه بمهر يرفس أمه الفرس بعد استنزافها وتجفيفها». الثقافة المصرية في عصرها الذهبي لم تتوقف الصراعات داخلها، بين طه حسين والرافعي والعقاد.. إلخ، وكانت هذه الأحداث مصدرًا مهمًا لإثراء الفكر، وإنعاش الثقافة العربية. قرأنا كتاب (حكاية الحداثة) لعبدالله الغذامي، كتاب قوبل بالرفض الشديد من قبل كثير من المثقفين، وتحدثوا عنه في المنابر الإعلامية، وقالوا: إن بعض مما جاء فيه غير صحيح، ولكنهم لم يردّوا عليه إطلاقًا برد مكتوب يُخبروننا فيه بما هو الصحيح. ولم يخرج إلى اليوم كتاب واحد يرد على الغذامي ردًا علميًا. أليس الواجب الثقافي يقتضي منهم أن يؤلفوا كتابًا يردون فيه على الغذامي، ويقدموا لنا شهادتهم باعتبارهم شهودًا على العصر؟! لا أدافع عن الغذامي، بل على العكس، أنا أختلف معه في أمور كثيرة، ولكن لا يمكن أن نقبل الطعون التي وُجِّهت لكتابه عبر «سواليف» في مواقع التواصل الاجتماعي؛ بل يجب التأليف نقدًا لكتابه،على غرار ما ألّف، والكتابة عنه على غرار ما كتب. بمعنى أن الاعتراض على الغذامي ليس بمشكلة في حد ذاتها- فهو ليس بمعصوم - وإنما المشكلة الحقيقية في غياب الرد المكتوب، وهو التصرف الطبيعي في أي ساحة فكرية. فإذا ما سمعنا بكتاب اسمه: «نقد حكاية الحداثة» أو «الحكاية الحقيقية للحداثة» فلنستبشر خيرًا حينئذ، ويكون ذلك دليلًا على تعافي الصحة الثقافية. علمًا بأنني أوردت «حكاية الحداثة» مجرد مثال على القطيعة الثقافية، وإلا فالكتب التي أثير حولها جدل كثيرة، وموجودة في كل الحقول الثقافية، وكالعادة يغيب الرد المكتوب! وليس بالضرورة أن يكون هناك وصال للصراع، بل قد يكون وصالًا للبناء؛ إذ لا نجد مثقفًا واحدًا يبني فكرته على مثقف آخر، أو يشير لها، أو يأخذ منها، أو يبني عليها، أو ينتقدها، أو يذمها، أو يمتدحها أو يرفضها... وهل ينهض الفكر بغير هذا؟