في العمل الحكومي نميل غالبًا إلى الاعتقاد أن القرار يولد في لحظة توقيع، وأن قيمته تُقاس بثقل الاسم الذي وُضع في أسفله أو بحجم القاعة التي أُعلن فيها. غير أن التجربة تقول إن أغلب القرارات لا تبدأ هناك، ولا تنتهي هناك أيضًا. فالقرار، في حقيقته، مسار طويل من الأفكار المتراكمة، والأسئلة المؤجلة، والتقديرات غير المكتوبة، قبل أن يتحول في لحظة ما إلى نص رسمي. القرار لا يُصنع دفعة واحدة، بل يتشكّل على مراحل غير مرئية. يبدأ كفكرة خام، ثم تُعاد صياغته ليتلاءم مع الواقع، ويُختبر لغويًا وقانونيًا، ويُفكك من حيث الأثر والتكلفة، ثم يُعاد تركيبه مرة أخرى ليصبح قابلًا للتنفيذ. وخلال هذا المسار، تتداخل أدوار متعددة، بعضها يظهر في المشهد، وبعضها يعمل في الخلفية بصمت، لكنه يترك بصمته العميقة على النتيجة النهائية. في هذه المسافة بين الفكرة والتوقيع، تُحسم جودة القرار. فالكثير من القرارات لا تفشل لأنها خاطئة في جوهرها، بل لأنها لم تمر بما يكفي من الفهم قبل أن يُطلب منها الاستجابة للواقع. القرار الذي لا يُختبر ذهنيًا قبل أن يُختبر ميدانيًا، غالبًا ما يعود على أصحابه بأسئلة أكثر من الإجابات التي ظنوا أنهم أغلقوها. العمل العام، بطبيعته، لا يحتمل القرارات السريعة ذات الأثر البعيد دون سند تحليلي راسخ. فكل قرار يحمل في داخله سلسلة من القرارات الصغيرة غير المعلنة: كيف سيُفهم؟ كيف سيُنفذ؟ وكيف سيتكيّف مع اختلاف الجهات والأدوار؟ هذه الأسئلة لا تُطرح عادة في لحظة الإعلان، لكنها هي التي تحدد إن كان القرار سيعيش طويلًا، أم سيبقى حبيس الوثيقة. وحين نتحدث عن استدامة القرار، فنحن لا نقصد فقط استمراره شكليًا، بل قدرته على الصمود أمام تغيّر الأشخاص والظروف. القرار الجيد هو الذي لا يفقد منطقه حين يغادر من صاغه مكتبه، ولا يتطلب إعادة تفسير في كل مرة يُنقل فيها من جهة إلى أخرى. إنه القرار الذي يحمل ذاكرته المؤسسية داخله، فلا يضيع مع تغيّر الوجوه ولا يضعف مع مرور الوقت. من هنا، تبدو صناعة القرار أقل ارتباطًا بلحظة التوقيع، وأكثر ارتباطًا بجودة ما سبقها. فالقوة الحقيقية لا تكمن في سرعة الحسم، بل في عمق الفهم الذي يسبق الحسم. وكلما كان القرار نتاج مسار واضح ومتزن، كان أكثر قابلية للتنفيذ، وأقل حاجة للتعديل، وأكثر احترامًا للعقل المؤسسي الذي وُلد فيه. في النهاية، لا يُقاس القرار بوقع إعلانه، ولا بعدد مرات تداوله في الأيام الأولى، بل بقدرته على العمل بهدوء بعد أن تنطفئ الأضواء. فالقرارات الأقوى ليست تلك التي تُحدث ضجيجًا عند صدورها، بل تلك التي تواصل أداء وظيفتها حين يصبح الصمت هو القاعدة.