في بداية ديسمبر الماضي من العام الفائت 2025 تجاوز المشهد اليمني صراعاته الداخلية إلى صراعٍ جديد أكثر سخونةً وبدأ يشكّل معنى «التّمثيل وحدود القوة»، وهذا ما ظهر جليًّا في مدينة حضرموت والمهرة تحديدًا، وبقية المحافظات الجنوبية من تجهيزات حربية ومناورات عسكرية يقودها «عيدروس الزبيدي» قائد المجلس الانتقالي الجنوبي بمساندة ودعم قوى خارجية، وهذا التطوّر السياسي الخطير في المسرح اليمني يمثّل نقطة تحول جوهرية وغاية في التعقيد والأهمية، ورسالة تفرض قوتها كونها شرعية كما تعتقد! السؤال الذي يلحُّ في طلبه وعرضه وفي عمق الجنوبي اليمني من سمح للمجلس الانتقالي أن يشق عصا الشرعية؟ كي ينصّب الزبيدي نفسه قائدًا شرعيًا توافقيًا للمرحلة القادمة في المشهد اليمني، ومن منحه هذا التفويض؟ في هذه المرحلة الحسّاسة والتي تمر فيها البلاد بتحولات سياسية خطيرة، ولم نشاهد أي انتخابات وطنية ولا اجتماعات سياسية كبرى ولا حتى استفتاءات عامة ولا خاصة ولا حتى رأيًا شعبيًا قد يمنحه هذه القيادة! كل ما يُشاهد أمامنا وأمام كل العالم هو فرض السيطرة بالقوة العسكرية الجبرية كخيار أُحادي؛ كونها تفويض والسيطرة كونها تمثيل في سبيل تحقيق أهدافه وأطماعه دون النظر بعمق للجنوب اليمني والذي يشكّل تنوعًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، فالجنوب مهما حاول المجلس الانتقالي وقائده الزبيدي لا يمكن أن تضيق رؤيته السياسية السطحية وتنحسر في ذاتية الأهواء والأمزجة؛ كي يصبح مجلسًا انتقاليًا أو قائدًا طامعًا مغامرًا لا يدرك خطورة خوض غمار السياسة واللعبة العسكرية؛ فكيف إذا كان في اليمن؟ فالجنوب الذي يضمّ المنطقة التاريخية والسياسية الموغلة في القدم والحضارة «حضرموت» لا يمكن أن تكون منطقة هامشية ، ولا يمكن للمدينة الساحلية الثقافية الفاتنة «عدن» أن تكون قاعدة عسكرية وثكنات حربية ومعسكرات تدريبية، ولا يمكن لمدينة المهرة الاستثناء والخصوصية أن تكون مدينة خارج حسابات اليمن جغرافيًا وسياسيًا، ومهما حاول المجلس الانتقالي من إحكام قبضته على الجنوب اليمني بالقوة العسكرية الجبرية إلا أنه بمثابة مشروع تفكيك الوحدة الجنوبية وإحداث صدوع تقسّمه وتضعفه داخليًا وخارجيًا، وعندها سيكون الجنوب لقمة سائغة للطامعين فضلًا عن العدو الأول المتربص بهم في المشهد اليمني وهم الحوثيون! لم يدرك المجلس الانتقالي ومن يقف داعمًا خلفه خطورة التحركات العسكرية والمناورات الحربية بين فترة وأخرى، والتي ستمتد من قطرها اليمني الجنوبي إلى خارج هذا القطر اليمني؛ لتمس حدودًا جغرافية أخرى معنية بشكل مباشر بالمملكة العربية السعودية، وهذا ما يزيد الأزمة اليمنية الجنوبية تفاقمًا وتعقيدًا وتصعيدًا من فضاءاتها المحلية إلى فضاءات إقليمية كبرى لم تخطر ببال الانتقالي، وعندها يكون التهديد فيها صريحًا ومباشرًا لا يقبل فيها التبريرات والتأويلات للمملكة العربية السعودية ولأمنها واستقرارها؛ لذا جاءَ البيان السعودي صارمًا دون أي تردّد، وحاسمًا دون تمهّل متوافقًا مع القرار الحاسم والقاطع عندما قامت بضرب مقاتلات تحالفِ دعم الشَّرعية السفنَ القادمة من الفجيرة، والتي كانت تحمل أسلحةً وذخائرَ إلى ميناء المكلا لدعم قوات المجلس الانتقالي وتصدّر بيانًا تؤكد فيه الخارجية السعودية: «أنَّ أمنها خط أحمر، وأي محاولة للمساس به ستتم مواجهتُها بلا تردّد». وقد حرصت المملكة العربية السعودية منذ اللحظة الأولى في عاصفة الحزم على حماية اليمن من ويلات الاستعمار والحرب وتمزيق وحدته، وقطعت السعودية الأيدي الطامعة والتي حاولت العبث بأمن اليمن واستقراره، وقطعت الطريق كذلك على كل الطامعين في تقسيم اليمن وتفكيك مجتمعه واختطاف اليمن من مواطنيه، وواصلت مشروع وحدة اليمن ككيان قائم معترف به كدولة شرعية معترف بها دوليًا وعالميًا، وحملت على عاتقها مسؤولية «إعادة الأمل» وذلك وفق مشروع عظيم وكبير لتنمية وإعادة «إعمار اليمن» ولا تزال المملكة العربية السعودية تواصل سعيها الحثيث وتبذل كل طاقاتها، وتسخر كل إمكاناتها في سبيل حماية اليمن من محاولات الأطماع والدسائس التي تحيط به من الطامعين والأعداء، وقد سعت المملكة العربية السعودية كعادتها على احتواء الأزمة اليمنية في الجنوب وعدم التصعيد واحتواء الموقف السياسي والتطورات الجديدة والتفاهم مع الانتقالي بما لا يضرُّ بالشرعية اليمنية وسيادتها والتفاهم مع كل الأطراف الشرعية اليمنية، ولكن المجلس الانتقالي حاد عن الطريق المرسوم له بعدما غامر مغامرة غير محسوبة فكان الرد على قدر تلك المغامرة العبثية لتأتي رسالة وزير الدفاع الأمير: خالد بن سلمان التي حملت عنوان: «إلى أهلنا في اليمن» وكانت عميقة في معانيها، حريصةٌ على توحيد الكلمة واستقرار اليمن، والاستماع لصوت العقل والحكمة وتغليب المصلحة اليمنية العامة على المصالح الذاتية لتكون فوق كل الاعتبارات، وأهم من كل الخلافات التي يمكن تجاوزها في إطار اليمن الواحد، وبذلك تؤكد المملكة أنها دائمًا مع اليمن، وشعبه الذي يعاني أشد المعاناة منذ أكثر من عقد من الزمن، وأصبحت الأخطار الحقيقية تحيط به من كل جهة. الموقف السعودي الحازم والصارم والقاطع في هذا التوقيت العصيب قد يؤدي إلى إعادة التوازن السياسي في اليمن والخليج على حدٍّ سواء، ويرسم خارطة طريق للكثير من الحلول حول الأزمات بما فيها الأزمة اليمنية، والتي تكون مبنيّة على القيادة السياسية الشرعية وحماية الدولة ككيان قائم بذاته بعيدًا عن نزق الفوضوية الطامعة والقيادة اللاهثة والتي لا هدف لها ولا غاية.