التعادل السلبي يحسم مواجهة #الهلال و #الأهلي    المركز الوطني للأرصاد: سحب رعدية على منطقة جازان    "الصحة العالمية" توصي بعدم اشتراط " شهادات كورونا " أثناء السفر    جامعة الملك فيصل تنشر 1000 بحث بقاعدة "سكوبس" خلال العام الماضي    أمير جازان يعزي في وفاة الشيخين "صيرم" و"المسعودي"    الدانمارك تفوز على البحرين "34 20" في مونديال اليد    تأجيل تعديل قواعد الخصوصية في واتساب    500 مليون رأسمال الصندوق الثقافي.. ومنحه صلاحيات الإقراض والتمويل    الفرنسي هانسيل بطلاً ل"داكار السعودية" فئة السيارات    الإسكان تتجاوز مستهدفات 2020 ب30%.. 390 ألف أسرة مستفيدة    الصحف السعودية    الأسهم الأمريكية تغلق على انخفاض    «أبو لاح» واثق الخطى بكأس الملك عبدالله    بيع أغلى غلاف لمجلة في التاريخ ب3.1 مليون دولار    عبدالله بن سعود يحتفل بخطوبة ابنته من فهد بن منصور    إمام المسجد الحرام: لاتصدقوا إشاعات المرجفين بعدم فعالية لقاح كورونا    خبير: سلاح كوريا الشمالية «الأقوى في العالم».. نموذج وليس حقيقيا    صحة بيشة :أكثر من (٤١٦٠٠)مستفيداً ب عيادات الاسنان .    لقاح سعودي ضد فيروس كورونا    النظرة الثاقبة والقيادة الحكيمة    النصر يواصل انطلاقته بالرائد.. وتعادل ضمك والوحدة    برنامج لياقي يجهز رودريغيز    خطاب الاتحاد السري لاتحاد الكرة يخرج للعلن بعد أخطاء البلوي والخضير الكوارثية        استقبال طلبات تجربة خدمات التقنية المالية المبتكرة    عُطل مفاجئ يصيب تطبيق سيجنال    مشكلات أسرية مشتركة    6554 قضية ضد «لصوص الأراضي» والمدينة تتصدر    86 مليون درس افتراضي بمنصة مدرستي خلال الفصل الأول    شرطة حائل: القبض على مقيمين سرقا كيابل كهربائية    سامسونج تعلن 3 نسخ من هاتف S21    سينتصر الحق    3 أفلام لشباب سعوديين بمهرجان العين السينمائي    «تراجع الحفلات» يدفع شاكيرا لبيع أغانيها    أين نحن من لغتنا؟    واشنطن تتحول إلى ثكنة عسكرية واعتقال 100 شخص    #رئاسة_شوؤن_الحرمين_تقدم الترجمة بعدة لغات ل #ضيوف_الرحمن    أسعار الزراعة وصيد الأسماك ترفع مؤشر الجملة 5.2 %    الكشف عن سيارة أجرة ذاتية القيادة    الدنيا بخير    5 عادات صحية للحد من ضغوط العمل    القيادة تُعزي أمير دولة الكويت في وفاة الشيخة فضاء جابر الأحمد الصباح    اللواء البسامي بعد خدمة 35 عامًا رسالة ود وتقدير لجميع من عمل معهم    جامعة #الملك_فيصل تنشر أكثر من (1000) بحث علمي في قاعدة بيانات (سكوبس) في عام 2020م    أضف تعليقاً إلغاء الرد    الرياض.. القبض على 3 أشخاص تورطوا في جرائم سرقة ونشل الحقائب النسائية    «الموارد البشرية»: تعيين المرأة السعودية بمنصب «قاضية» بات قريباً    «العدل» تحدد مقابلاً مالياً لأعمال التوثيق    "شوؤن الحرمين" تقدم الترجمة ب(21) لغة لضيوف الرحمن    "الصحة": تسجيل 173 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 181 ووفاة 3 حالات    السفارة السعودية في واشنطن تطالب المواطنين بالابتعاد عن أماكن التجمعات والتظاهرات        #أمير_الشمالية يستكمل زيارته التفقدية لمحافظة #رفحاء    خطبتا الجمعة من المسجد الحرام والمسجد النبوي    اقتصاديون ل عكاظ: بيئة نظيفة وصديقة.. بلا ضوضاء            سمو وزير الخارجية يعقد جلسة مباحثات رسمية مع وزير خارجية روسيا الاتحادية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مكانة الشيخ والسلطة الرمزية للداعية
نشر في الوطن يوم 02 - 04 - 2020

سبيلان سلكتهما المعرفة في انتقالها من جيل إلى جيل، طريقان تلقى المتعلمون لها علومهم عن العالمين بها، سبيلا السماع والقراءة، وقد كان السماع هو السبيل الأوحد في ثقافة الشعوب البدائية، وذلك قبل ظهور الكتابة كما بقي هو السبيل الأمثل في ثقافات الشعوب التي بقيت تتشكك في مقدرة الكتابة على نقل المعرفة، ومنها الثقافة العربية، وخاصة في الجانب الديني منها، حيث تقدم فعل السماع على فعل القراءة، واحتل «الشيخ» مكانة متقدمة على «الكتاب»، أو ما كان يعرف بالصُّحُف، وبقيت الشهادة على مبلغ علم الرجل أن يقال عنه أنه تلقى علمه على يد عدد من المشايخ المشهود لهم بالعلم، وإذا جاءت السيرة على ذكر كتاب من الكتب الأصول لم يكن هناك بد من شيخ يتوسط بين الكتاب ومن قرأه، فهو قرأ هذا الكتاب على هذا الشيخ أو ذاك بحيث يبقى «الشيخ» مصدرا مستقلا للمعرفة أو وسيطا بين المعرفة ومن يقرأ كتابا فيها، وقد روي عن الإمام الشافعي قوله (من تفقه من بطون الكتب ضيّع الأحكام).
وبلغ من تهوين شأن فعل تلقي العلم بالقراءة تأكيدهم على أن العلم لا يؤخذ عن صحفي قط، والمقصود بالصّحفي ذلك الشخص الذي تلقى علمه بقراءته للكتب، أو الصحف كما كانت تُسمى، وروي عن الإمام سعيد بن عبدالعزيز التنوخي قوله (لا تحملوا العلم عن صحفي)، ولعل إحساسا حادا بمنازعة القراءة لدور المشايخ هو ما يمكن أن نجده في قول بعضهم (من أعظم البلية تشيّخ الصحيفة) أي اعتبار الكتاب شيخا يُتلقى العلم عنه، واعتبار الكتاب شيخا تهديد لمكانة الشيخ ودوره في تسلسل تنقّل المعرفة من جيل إلى جيل، وبلغ تكريس قيمة الشيخ غايته في قولهم (من لا شيخ له لا دين له)، وتطرف بعض أصحاب الفرق في هذا الباب فصرحوا بأن كل من لم يتخذ له شيخا فهو عاص لله ورسوله ولا يحصل له الهدي بغير شيخ، ولو حفظ ألف كتاب في العلم، بل حكموا عليه بالكفر فقالوا «من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومتى كان شيخه الشيطان كان في الكفر حتى يتخذ له شيخا متخلقا بأخلاق الرحمن».
والتمس الشيخ ابن باز وجها لقولهم (من كان إمامه كتابه خطؤه أكثر من صوابه) حين سئل عن هذا القول، فقال رحمه الله (المعروف: أن من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه، هذه هي العبارة التي نعرفها، وهذا صحيح: أن من لم يدرس على أهل العلم ولم يأخذ عنهم ولا عرف الطرق التي سلكوها في طلب العلم، فإنه يخطئ كثيرا، ويلتبس عليه الحق بالباطل لعدم معرفته بالأدلة الشرعية والأحوال المرعية التي درج عليها أهل العلم وحققوها وعملوا بها، أما كون خطؤه أكثر فهذا محل نظر، لكن على كل حال أخطاؤه كثيرة؛ لكونه لم يدرس على أهل العلم ولم يستفد منهم، ولم يعرف الأصول التي ساروا عليها، فهو يخطئ كثيرا، ولا يميز بين الخطأ والصواب في الكتب المخطوطة والمطبوعة، وقد يقع الخطأ في الكتاب ولكن ليست عنده الدراية والتمييز فيظنه صوابا، فيفتي بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله لعدم بصيرته؛ لأنه قد وقع له خطأ في كتاب، مثلا: لا يجوز كذا وكذا، بينما الصواب أنه يجوز كذا وكذا، فجاءت (لا) زائدة، أو عكسه: يجوز كذا وكذا والصواب: ولا يجوز فسقطت (لا) في الطبع أو الخط فهذا خطأ عظيم، وكذلك قد يجد عبارة: ويصح كذا وكذا، والصواب: ولا يصح كذا وكذا، فيختلط الأمر عليه لعدم بصيرته ولعدم علمه، فلا يعرف الخطأ الذي وقع في الكتاب وما أشبه ذلك)، وهي وجهة نظر صائبة على المستوى المعرفي خاصة حين يتعلق الأمر بعلوم الشريعة وما تطلبه المعرفة بها من تحرّز وتحوّط خشية الوقوع في اللبس وسوء الفهم أو ما قد يعرض في نسخ الكتب من تحريف وتصحيف.
غير أننا إذا ما أعدنا النظر في القيمة الممنوحة للشيخ والمنزوعة عن الكتاب فإن بإمكاننا أن نرى فيها الآلية التي تتحول بواسطتها المعرفة إلى سلطة، فالشيخ ليس مجرد منتج للمعرفة أو ناقل لها فحسب وإنما هو صاحب الحق في منحها ومنعها، كما هو صاحب الحق في تأويلها وتفسيرها وتصحيحها كذلك، وإذا كان غياب مصنف الكتاب يتيح لمن يقرأه من طلاب المعرفة حرية فهمه وتأويله فإن حضور الشيخ باعتباره منتجا للمعرفة أو مؤولا لها يعني سلب هذه الحرية، فما على مريد الشيخ أو تلميذه غير حسن الإصغاء والحفظ، وقد نصت آداب طلب العلم على عدم مناقشة الشيخ فضلا عن مخالفته والاعتراض عليه كما سيتبين لنا لاحقا، وهو ما يعني أن المعرفة تتحرك في خط واحد من الأعلى ممثلا في الشيخ إلى الأدنى ممثلا في تلاميذه وطلاب العلم الذين يستمعون عليه، لعل في قولهم (طلب العلم جثو على الركب) ما يكفي للإشعار بتواضع مكان ومكانة طلاب العلم في حلقات مشايخهم، الذين يعبر تصدرهم لمجالس العلم وحلقاته على علو مكانتهم، لما للصدر من مكانة رمزية يحتلها الأمراء والرؤساء والفرسان، تاركين أطراف المجالس للحاشية ومن يليهم ممن لا يستحقون أن يتصدروا تلك المجالس، ومن هنا فإن حلقة العلم التي يحتل الشيخ مركزها تكرس السلطة الرمزية للمعرفة، وهي السلطة القادرة على التصنيف وتحديد درجات الاستحقاق للمكانة والقيمة في السلم الاجتماعي، وذلك ما لا يتحقق لطلب العلم من خلال القراءة التي يكون الحضور فيها للقارئ، باعتباره مستهلكا للمعرفة ومتحكما في الكيفية التي يتلقاها بها، ويغيب عنها المؤلف الذي لا يتجاوز حضوره حضور اسمه على غلاف المصنف الذي صنفه.
السلطة الرمزية للمعرفة سلطة لا مرئية وتأثيرها، كما أشار بورديو (أعمق وأخطر لأنها تستهدف أساسا البنية النفسية والذهنية للمتلقين لها، ومن جهة أخرى فهي لا تمارس إلا بقابلية أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم خاضعون لها).
وقد شهدنا في زمن الصحوة، كما لا زلنا نشهد في وسائل هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على أتباعهم، كيف تم توظيف مكانة الشيخ التاريخية وتجييرها لدعاة التشدد، حيث تمكنوا بما لهذه المكانة من قدرة على الهيمنة، وما تتمتع به من سلطة رمزية من التأثير على جمهور المجتمع الذي دان لتلك الثقافة وخضع لها خضوع التلاميذ لشيوخهم، خاصة بعد أن اتخذ أولئك الدعاة من منابر المسجد وحلقات الدرس ما يمنح خطابهم مصداقية وقدرة على التأثير كما يمنحه شرعية جعلته بمنأى عن المراجعة فضلا عن النقض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.