«الصندوق العقاري» يكشف عن عدد القروض المُقدمة لتمكين الأسر من تملك مسكنهم    أسعار النفط ترتفع بنسبة 2%    هيئة المحتوى المحلي تُصدر قائمة استثنائية إلزامية للمستلزمات الطبية    يوليو المقبل.. تشغيل أول منشأة لإعادة تدوير مخلفات البناء والهدم في الرياض    زلزال بقوة 6.8 درجات يضرب شمال تشيلي    كوبا تسجل تسع إصابات جديدة بكورونا    ارتفاع إصابات كورونا في السودان إلى 5310 حالات    اهتمامات الصحف السودانية    حالة الطقس المتوقعة اليوم الأربعاء    إزالة تعديات على أراضٍ حكومية تجاوزت مساحاتها 433 ألف متر مربع بالمدينة    البلديات: أبلغوا عن أي مخالفات لتعليمات مواجهة انتشار «كورونا»    الشورى يطالب بحوافز ودعم للمصدرين وإلزام قطاعات الترفيه بالسعودة    جمعية الدعوة بالطائف تنظم سلسلة من الكلمات الدعوية عن بعد    رسوم صخرية شمالي المملكة تكشف استخدام الكلاب في الصيد    وكالة المسجد النبوي تشرع 11 باباً للمصلين    الداخلية تعلن عن إجراءات وتدابير " بروتوكولات" وقائية إضافية لعدد من القطاعات للحد من انتشار كورونا    جونسون يلوح بمنح جوازات سفر بريطانية لملايين من سكان هونغ كونغ    1026 بلاغاً للشؤون الإسلامية بعد عودة إقامة صلاة الجماعة في المساجد    ندوب في وجه الوطن..    فيروس كورونا يضرب فريقاً أوكرانياً.. 25 نتيجة إيجابية!    بدء التسجيل بالفصل الصيفي في تقنية البنات بتبوك    مدير هيئة الهلال الأحمر بالمدينة المنورة يتفقد نقاط الفرز البصري بالمسجد النبوي    مدير فرع الشؤون الإسلامية بجازان يتفقد مساجد وجوامع المنطقة    "المسارعة في الخيرات" محاضرة عن بعد بتبوك غداً    اهتمامات الصحف الليبية    رسمياً: استئناف تصفيات آسيا لمونديال 2022 في أكتوبر    تنبيه من الأرصاد: نشاط للرياح السطحية وارتفاع الأمواج بمحافظة ينبع    وقت اللياقة تطلق خصومات حملة “لأنك قدها”    أمير الشرقية خلال لقائه مدير شرطة المنطقة:                    شرطي أمريكي في أحد مواقع الفوضى أثر أعمال الشغب    رجاء الجداوي    أمين الرياض يوجه بتشجير مواقف المركبات التابعة للمجمعات والمراكز التجارية    الدوري يحدد مصير هزازي    أندية الدرجة الثانية تطالب بإلغاء الدوري    مؤتمر المانحين: إجماع على أهمية الوصول إلى حل سياسي للأزمة اليمنية    سمر باهادي: حلم الاحتراف يزيد الاهتمام    عاش الدكتور عبد العزيز خوجة.. ليكتب    من سرق الروحانيات    بايدن يتّهم ترمب بتحويل الولايات المتحدة إلى ساحة معركة    «المياه» للعملاء: الفصل لمتعثري السداد اعتبارا من الأحد القادم    174 مليوناً لطريقين في تبوك    محمد بن عبدالعزيز يعزي في وفاة شيخ قبيلة آل حيدر بصامطة    خدمة الرسائل والطلبات مستمرة عبر منصة "أبشر"    والد زوجة الزميل مغرم عسيري    أسبانيا تدرس السماح للجماهير بحضور المباريات    ماجد عمر مستمر مع «النموذجي»    فيصل بن مشعل يرأس اجتماع اللجنة الإشرافية العليا للطوارئ    بروتوكول سيارات الأجرة والنقل المشترك للوقاية من كورونا.. التفاصيل كاملة    أمير تبوك يطلع على مشروعات النقل بالمنطقة    "صالح أبو نخاع " يعبر عن قلقه من استغلال اللاعبين والمدربين عند استئناف النشاط الرياضي    سعود بن نايف : جهود رجال الأمن في الميدان وعملهم الدؤوب أسهم في نجاح الخطط الأمنية    وكيل إمارة منطقة الرياض يستقبل مديري التعليم والشؤون الإسلامية والنقل بالمنطقة    مدير تعليم سراة عبيدة يتفقد جاهزية مباني الإدارة ويتابع تنفيذ الإجراءات الاحترازية والصحية مع عودة الموظفين    أوباما يندد باستخدام الشرطة للقوة المفرطة ويشيد بأفعال المحتجين السلميين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مكانة الشيخ والسلطة الرمزية للداعية
نشر في الوطن يوم 02 - 04 - 2020

سبيلان سلكتهما المعرفة في انتقالها من جيل إلى جيل، طريقان تلقى المتعلمون لها علومهم عن العالمين بها، سبيلا السماع والقراءة، وقد كان السماع هو السبيل الأوحد في ثقافة الشعوب البدائية، وذلك قبل ظهور الكتابة كما بقي هو السبيل الأمثل في ثقافات الشعوب التي بقيت تتشكك في مقدرة الكتابة على نقل المعرفة، ومنها الثقافة العربية، وخاصة في الجانب الديني منها، حيث تقدم فعل السماع على فعل القراءة، واحتل «الشيخ» مكانة متقدمة على «الكتاب»، أو ما كان يعرف بالصُّحُف، وبقيت الشهادة على مبلغ علم الرجل أن يقال عنه أنه تلقى علمه على يد عدد من المشايخ المشهود لهم بالعلم، وإذا جاءت السيرة على ذكر كتاب من الكتب الأصول لم يكن هناك بد من شيخ يتوسط بين الكتاب ومن قرأه، فهو قرأ هذا الكتاب على هذا الشيخ أو ذاك بحيث يبقى «الشيخ» مصدرا مستقلا للمعرفة أو وسيطا بين المعرفة ومن يقرأ كتابا فيها، وقد روي عن الإمام الشافعي قوله (من تفقه من بطون الكتب ضيّع الأحكام).
وبلغ من تهوين شأن فعل تلقي العلم بالقراءة تأكيدهم على أن العلم لا يؤخذ عن صحفي قط، والمقصود بالصّحفي ذلك الشخص الذي تلقى علمه بقراءته للكتب، أو الصحف كما كانت تُسمى، وروي عن الإمام سعيد بن عبدالعزيز التنوخي قوله (لا تحملوا العلم عن صحفي)، ولعل إحساسا حادا بمنازعة القراءة لدور المشايخ هو ما يمكن أن نجده في قول بعضهم (من أعظم البلية تشيّخ الصحيفة) أي اعتبار الكتاب شيخا يُتلقى العلم عنه، واعتبار الكتاب شيخا تهديد لمكانة الشيخ ودوره في تسلسل تنقّل المعرفة من جيل إلى جيل، وبلغ تكريس قيمة الشيخ غايته في قولهم (من لا شيخ له لا دين له)، وتطرف بعض أصحاب الفرق في هذا الباب فصرحوا بأن كل من لم يتخذ له شيخا فهو عاص لله ورسوله ولا يحصل له الهدي بغير شيخ، ولو حفظ ألف كتاب في العلم، بل حكموا عليه بالكفر فقالوا «من لا شيخ له فشيخه الشيطان، ومتى كان شيخه الشيطان كان في الكفر حتى يتخذ له شيخا متخلقا بأخلاق الرحمن».
والتمس الشيخ ابن باز وجها لقولهم (من كان إمامه كتابه خطؤه أكثر من صوابه) حين سئل عن هذا القول، فقال رحمه الله (المعروف: أن من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه، هذه هي العبارة التي نعرفها، وهذا صحيح: أن من لم يدرس على أهل العلم ولم يأخذ عنهم ولا عرف الطرق التي سلكوها في طلب العلم، فإنه يخطئ كثيرا، ويلتبس عليه الحق بالباطل لعدم معرفته بالأدلة الشرعية والأحوال المرعية التي درج عليها أهل العلم وحققوها وعملوا بها، أما كون خطؤه أكثر فهذا محل نظر، لكن على كل حال أخطاؤه كثيرة؛ لكونه لم يدرس على أهل العلم ولم يستفد منهم، ولم يعرف الأصول التي ساروا عليها، فهو يخطئ كثيرا، ولا يميز بين الخطأ والصواب في الكتب المخطوطة والمطبوعة، وقد يقع الخطأ في الكتاب ولكن ليست عنده الدراية والتمييز فيظنه صوابا، فيفتي بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله لعدم بصيرته؛ لأنه قد وقع له خطأ في كتاب، مثلا: لا يجوز كذا وكذا، بينما الصواب أنه يجوز كذا وكذا، فجاءت (لا) زائدة، أو عكسه: يجوز كذا وكذا والصواب: ولا يجوز فسقطت (لا) في الطبع أو الخط فهذا خطأ عظيم، وكذلك قد يجد عبارة: ويصح كذا وكذا، والصواب: ولا يصح كذا وكذا، فيختلط الأمر عليه لعدم بصيرته ولعدم علمه، فلا يعرف الخطأ الذي وقع في الكتاب وما أشبه ذلك)، وهي وجهة نظر صائبة على المستوى المعرفي خاصة حين يتعلق الأمر بعلوم الشريعة وما تطلبه المعرفة بها من تحرّز وتحوّط خشية الوقوع في اللبس وسوء الفهم أو ما قد يعرض في نسخ الكتب من تحريف وتصحيف.
غير أننا إذا ما أعدنا النظر في القيمة الممنوحة للشيخ والمنزوعة عن الكتاب فإن بإمكاننا أن نرى فيها الآلية التي تتحول بواسطتها المعرفة إلى سلطة، فالشيخ ليس مجرد منتج للمعرفة أو ناقل لها فحسب وإنما هو صاحب الحق في منحها ومنعها، كما هو صاحب الحق في تأويلها وتفسيرها وتصحيحها كذلك، وإذا كان غياب مصنف الكتاب يتيح لمن يقرأه من طلاب المعرفة حرية فهمه وتأويله فإن حضور الشيخ باعتباره منتجا للمعرفة أو مؤولا لها يعني سلب هذه الحرية، فما على مريد الشيخ أو تلميذه غير حسن الإصغاء والحفظ، وقد نصت آداب طلب العلم على عدم مناقشة الشيخ فضلا عن مخالفته والاعتراض عليه كما سيتبين لنا لاحقا، وهو ما يعني أن المعرفة تتحرك في خط واحد من الأعلى ممثلا في الشيخ إلى الأدنى ممثلا في تلاميذه وطلاب العلم الذين يستمعون عليه، لعل في قولهم (طلب العلم جثو على الركب) ما يكفي للإشعار بتواضع مكان ومكانة طلاب العلم في حلقات مشايخهم، الذين يعبر تصدرهم لمجالس العلم وحلقاته على علو مكانتهم، لما للصدر من مكانة رمزية يحتلها الأمراء والرؤساء والفرسان، تاركين أطراف المجالس للحاشية ومن يليهم ممن لا يستحقون أن يتصدروا تلك المجالس، ومن هنا فإن حلقة العلم التي يحتل الشيخ مركزها تكرس السلطة الرمزية للمعرفة، وهي السلطة القادرة على التصنيف وتحديد درجات الاستحقاق للمكانة والقيمة في السلم الاجتماعي، وذلك ما لا يتحقق لطلب العلم من خلال القراءة التي يكون الحضور فيها للقارئ، باعتباره مستهلكا للمعرفة ومتحكما في الكيفية التي يتلقاها بها، ويغيب عنها المؤلف الذي لا يتجاوز حضوره حضور اسمه على غلاف المصنف الذي صنفه.
السلطة الرمزية للمعرفة سلطة لا مرئية وتأثيرها، كما أشار بورديو (أعمق وأخطر لأنها تستهدف أساسا البنية النفسية والذهنية للمتلقين لها، ومن جهة أخرى فهي لا تمارس إلا بقابلية أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم خاضعون لها).
وقد شهدنا في زمن الصحوة، كما لا زلنا نشهد في وسائل هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على أتباعهم، كيف تم توظيف مكانة الشيخ التاريخية وتجييرها لدعاة التشدد، حيث تمكنوا بما لهذه المكانة من قدرة على الهيمنة، وما تتمتع به من سلطة رمزية من التأثير على جمهور المجتمع الذي دان لتلك الثقافة وخضع لها خضوع التلاميذ لشيوخهم، خاصة بعد أن اتخذ أولئك الدعاة من منابر المسجد وحلقات الدرس ما يمنح خطابهم مصداقية وقدرة على التأثير كما يمنحه شرعية جعلته بمنأى عن المراجعة فضلا عن النقض.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.