إن مما تبلى به المجتمعات، هو وجود أفراد يسعون جاهدين للتسيد على العقول واختطاف الفكر وإعلان الوصاية على المجتمع. منطلقين من فكر قاصر يصور لهم أن المجتمع لا يزال في مرحلة التكوين ولم يصل بعد إلى مرحلة النضج أو أنه تتهدده المخاطر وأنهم يمثلون حائط الصد الذي تتكسر عليه تلك الحملات التي تستهدف المجتمع ومن هنا فهم خَيَار المرحلة. فينصّبون أنفسهم أوصياء على المجتمع وسادة عليه ويتولون التفكير عنه ومن ثم توجيه الرأي العام والتوجهات العامة للجماعات والأفراد وفق رؤاهم الخاصة ووفق ما يصيغونه من أطروحات، في الوقت الذي يشكل باقي أفراد المجتمع -في نظرهم- القطيع الذي ينبغي أن يُوَجَّه وفق رؤاهم وفهمهم للعديد من الجدليات. هؤلاء يستمدون شرعية الوصاية من خلال إيهام فئات المجتمع بأنهم مستهدفون من الآخر -هذا الآخر الذي لم نستطع إلى الآن فهمه أو تأطيره أو تحديد ماهيته- وكذلك من خلال الترويج لنظرية المؤامرة. فتجدهم ليل نهار يطبّلون بأن خصوصية المجتمع عرضة للاختراق وأن الدين يوشك أن تطوى صحفه. وعلى النقيض نجد تيارا فكريا آخر يروج لطرح مفاده أن المجتمع قد جمد فكريا في مرحلة فكر عصر ابن تيمية وأنه أضحى بعيداً جداً عن التحديث وعن مواكبة فكر العصر وواقعه. والجميع يلعب على وتر المصطلح، فعوضا عن تقديم توصيف دقيق للمصطلح وفق قراءة منهجية دقيقة فإنهم يقوموم باختزال المصطلح في مفردات بسيطة تلهب غيرة مريديهم وتثير غضبهم من مناصري التيار الآخر. فنجد الأصولي الديني من خلال تفسيراته الارتجالية للمصطلح والمنافية للدلالة الدقيقة له يوهم مناصريه بأنه في عراك مع الأفكار الضالة ومع دعاتها. في حين يرى بعض نخب التيار الفكري الآخر -الليبراليين- أن الدين مختطف من قبل ثلة من المتاجرين به الذين يحملون أجندة خاصة لعل أبرز ملامحها إعادة المجتمع إلى العصور البدائية وتوقف عجلة التنمية والإصلاحات بشقيها السياسي والاقتصادي تمهيدا للتسيد على المجتمع والتفرد بالسلطة. فهذا الفريق هو أيضا تنقص أغلب أتباعه الرّوية والاتزان الانفعالي فغالبية ردود أفعاله هي نتاج استفزازات لحظية من الطرف الآخر. كما أنه لم يستطع تقديم مشروعه التنويري في قالب متكامل وواضح المعالم يسهل فهمه من شرائح وطبقات المجتمع. الإشكالية أن هذين التيارين قد ناصبا بعضهما العداء، فكل فريق يحلم بإزاحة الآخر عن الساحة أو تهميشه. ويرى أنه يمثل خيار المرحلة القادمة. ومثل هذا الأمر هو تكريس للفرقة والعداء والبغض بين مكونات المجتمع وهو وسيلة هدم للمكتسبات المجتمعية وثغرة لأعداء الوطن قد يتمكنون من الولوج إلينا من خلالها كما أنها تسهم في تفتيت لحمة المجتمع وهي أساس ديمومته وبقائه. وبين هذين التيارين تاه بقية أعضاء المجتمع، مجتمعنا الذي يتسم بالوسطية والصلاح ومحبة الخير للجميع ويسعى إلى تحسين الواقع ويتبع سياسة الإصلاح المرحلي التي تبنتها الحكومة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين. إن الواقع ومتطلبات المرحلة والمتغير الدولي يفرض علينا أن نتحد وأن نلغي خلافاتنا ونتبع سياسة التعايش السلمي وأن نغلب لغة الحوار على لغة التخويف والتخوين. فالجميع يسعى لصلاح ولصالح المجتمع مع اختلاف المنهجية التي يتبعها لتحقيق ذلك. ولنكن عوامل بناء معاول هدم ولنتذكر دوما أن المجتمع لا يقوم سوى على أكتاف أبنائه متى ما اتحدوا وألقوا بخلافاتهم جانباً.