كان للمعتمد بن عباد الأندلسي حاكم أشبيلية الوزير عمار الذي لم يكن يستطيع فراقه إلا سويعات الليل. وكانت نهايته أن المعتمد بن عباد قتله بيده، ولها قصة طويلة يمكن مراجعتها في موسوعة عبد الله عنان عن التاريخ الأندلسي. أما سليمان القانوني الذي أخرجت له السينما التركية من قريب مسلسل زاهي فلم يكن زاهيا تماما، فقد كان أقرب الناس إليه الصدر الأعظم إبراهيم الذي زوجه أخته فأصبح صهر السلطان الأعظم. في ليلة قال سليمان القانوني تمنى ما تريد يا إبراهيم؟ قال أريد منك شيئا واحدا فقط؟ قال أنا لك سامع وملبٍ. قال الصدر الأعظم: إن غضبت عليّ يوما، وأردت طردي من خدمتك، فأخرجني أبيض الوجه دون مذلة وقباحة وخيانة. قال قد وعدتك بذلك! هل تعلمون النتيجة؟ قتله السلطان بيده وترك دمه سائحا في المكان أربع ليالٍ. العلاقات الإنسانية جدا دقيقة فقد يتحول الصديق إلى عدوّ وبالعكس. ولعل أعظمها تلك التي قال عنها القرآن أن العدو يتحول إلى صديق حميم حين ترد إساءته بالإحسان إليه. (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). ومنه النهي عن الفرط في العواطف والانجذابات والأهواء، فلا تحب حبيبك بعشق مفرط فقد يتحول إلى عدو وشنآن. ومنه ذكر القرآن أننا يجب أن ننتبه جدا من المشاعر، وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. من هذه القواعد السابقة علينا أن نتحرى في علاقتنا مع الناس التوازن أيضا في الزيارات والعلاقات قبل أن تتحول إلى صداقة عميقة، فالصداقة شيء لا يصل إليه إلا النوادر من الناس. فالصديق وقت الضيق، والصديق من كتم سرك، وأخفى عيبك، ورفع ذكرك، ودافع عنك في غيابك، وفتح لك جيبه بدون حساب وسؤال. ومنه فإن الزيارة يجب أن تغب وتظهر مثل الطبيعة فتشرق الشمس يوما وتغيم يوما آخر، والطبيعة الإنسانية مثل الطبيعة الأم، فيوما غبراء غاضبة ويوما باسمة بريح عليل ويوما في أنشودة بكاء مع المطر ويوما بردا وصاعقة. إذن في العلاقات الإنسانية يجب اعتماد سحر الغموض وهالة الغياب، وربما أحيانا على الإنسان أن يبقى متخفيا فلا يظهر شكله الفيزيائي، وكان ملك ألانكا لا يظهر على الناس. ومنه ابتكر الخلفاء قديما منصب الحجابة والسيف. وحاليا السكرتير الذي يحجب الناس عن لقاء المسؤول فيعطيه هيبة قد يستحقها وكثيرا ما لا يستحقها.