حين الحديث عن الصورة التي تتشكّل عن مجتمعٍ ما، فإنّ ذلك يُقصد به الطريقة التي ينظر بها من هو خارج المجتمع إليه، كما يُقصد به الصورة التي يرسمها الأفراد عند وجودهم في خارج مجتمعهم. وإذا استطعنا الفكاك من ربقة عبارات العلاقات العامة، وملكنا التجرد الذي يغنينا عن المواقف الدفاعية المتحيزة، فلا شك أنّنا سوف نتوصل إلى نتيجةٍ يقينيةٍ، تثبت لنا أنّ صورة السعودي قد لحق بها ضررٌ كبير، وأنّ جزءاً أساسياً من هذا الضرر كان نتيجة لسلوك أفراد هذا المجتمع الذي يمتلك منظومتين قيميتين متوازيتيين، إحداهما في غاية المثالية والرقي، والأخرى ليس فيها سوى الانتهازية والتخلّف والجهل، وقد أصبح دور المنظومة الأولى مقتصراً على التنظير وخطابات الوعظ، حيث أضحت هذه المنظومة بمثابة القشرة الخارجية للفرد، يدفع بها المنتقد، ويزايد بها على المختلف، ويجترّها لتزكية نفسه ومجتمعه كما يستخدمها في ذم مقاييس الآخرين الأخلاقية والانتقاص منها، حتى أصبح التخلّي عن التطبيق العملي لمبادئ هذه المنظومة أمراً مستساغاً لا يبخس من قيمة صاحبه! ولا يستدعي الإنكار الأخلاقي من المجتمع، بل أصبح التبرير لهذا التخلّي، ومحاولة شرعنته وإيجاد الذرائع له، أمراً تصدر عنه النخب الدينية والفكرية، تحت دعاوى المصالح الدينية والواقعية العقلانية، هذا التوظيف النفاقي المقيت لمنظومة المُثل والإخلاق هو الذي أنتج المنظومة الأخرى في المجتمع، التي تُعتبر القانون الحقيقي الذي يسير عليه كثيرٌ من أفراد المجتمع، ففي منظومة الجهل هذه تكتسب الأشياء الذميمة أسماءً حسنة، فيصبح الكذب والتلون ذكاءً وفهماً لمقتضى الحال، وتصبح الفوضى وعدم التقيد بالأنظمة شجاعة، ويغدو البذخ والإسراف والتفاخر المذموم كرماً وفروسيةً، وينقلب ظلم الناس وسلبهم حقوقهم إلى حكمةٍ ودهاء، ومعرفة من أين تؤكل الكتف، والعكس بالعكس، حيث تفقد المُثل الأخلاقية الحقيقية قيمتها فتوصم بالمثالب والنقائص، فيصير الصدق والورع سذاجة وبلاهة، ويغدو التواضع والحلم والصبر ضعفاً وضعةً وجبناً، إلى أن صارت شريعة الناس فيما بينهم قول زهير: ومن لا يظلم الناس يُظلمِ! وحين الحديث عن صورة السعودي حينما يُنظر لها من خارج مجتمعنا، سوف نجد أنّ هذه الصورة كانت إلى وقتٍ قريب جزءاً من النظرة الكلاسيكية التي وضعها الرحالة والمستشرقون في القرنين الماضيين، حيث سحر الشرق وأخلاق العرب الأصيلة، والقدرة على مكابدة شظف العيش وقسوة الطبيعة، ثم ما يتبع ذلك من الأساطير وطقوس الخرافة وغيرها من التفاصيل التي تختص بها كل مساحةٍ جغرافيةٍ محددة، كان هذا مجمل التصور بغض النظر عن دقته وعمقه أو مصداقيته، ولكن بعد اكتشاف النفط في الثلث الأول من القرن الميلادي المنصرم، وما تبع ذلك من مشاريع التنمية الهائلة وقدوم أعدادٍ كبيرة من الأجانب والغربيين خصوصاً، تغيّرت هذه النظرة بشكلٍ كبير، حيث أصبح التعامل بين أفرادٍ عاديين من الجانبين، أي لم يعد من يكّون الصورة عنّا هم المستشرقون والرحالة بنظرتهم الحالمة واهتمامهم بالطقوس والعادات، بل أضحى هناك تعاملٌ مباشر تدخل فيه عوامل المنافسة والبغض والنظرة الدونية إلى الغريب ومحاولة عزله ومنع تأثيره من الانتشار،كل هذه العوامل وغيرها ساهمت في إظهار الصورة الحقيقية لأفراد مجتمعنا، فأصبحت الصورة التي ينقلها الأجانب عن مجتمعنا صورة قاتمة في غالب الأمر، حيث بدأ الحديث عن البذخ والجهل والغباء والتخلف والوضع الاجتماعي والديني وغيرها من الأمور، وتم كتابة مئات المقالات وتأليف عشرات الكتب التي تحاول رسم صورتنا التي تكونت لديهم، وليس هدفنا هنا تقييم هذه الدراسات والمقالات ولا بيان موضوعيتها، فمنها -ولاشك- الموضوعي ومنها ما دون ذلك، فالهدف هنا هو بيان تخلّق هذه الصورة وحسب، وقد استمرت هذه الصورة مع بعض التغيرات الطفيفة التي طرأت عليها في أوقاتٍ متفرقة، كما حدث عند أزمة النفط في السبعينيات الميلادية، أو كما حدث في فترة الابتعاث الأولى التي كانت في السنوات التالية لهذه الأزمة، ولكن التغير الحقيقي والتشويه البالغ لصورة السعودي لم يحدث إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة، حيث انطلقت أكبر موجة شيطنة شهدها العصر الحديث، هذه الموجة كانت موجهة للإسلام والمسلمين بشكلٍ عام، وللسعوديين بشكلٍ خاص، فأصبح طبيعياً أن يوضع كل تفصيلٍ من تفاصيل حياة السعوديين تحت مجهر النقد الغاضب، وأن يكون أسوأ التفاسير حاضراً عند تناول قضايانا وخلافاتنا، وطبيعة تقييمنا للأشياء، ولا شك أنّ معرفة القارئ الكريم بتفاصيل هذه الحملة التشويهية وآثارها يغنينا عن التفصيل فيها، ومرةً أخرى ليس هدفنا هنا تقييم هذه الحملة أو قياس موضوعيتها، فمنها ما كان باطلاً ومنها ما كان حقاً ومنها ما بين ذلك، هذا فيما يتعلق بصورة السعودي التي كوّنها الآخرون عنه حين نظرهم من خارج المجتمع السعودي إلى داخله، وهي بمثابة النصف الأول من عملية تشكل صورة السعودي لدى الآخرين. أما النصف الآخر من صورة السعودي فقد تشكل نتيجةً لسلوك السعوديين في الخارج، وقد ساهم قاصدو السياحة في الخارج بتشكيل الجزء الأكبر من الصورة، حيث كان سلوك الغالبية منهم متصفاً بالبذخ والمظهريات الفارغة، وكانت أنشطتهم السياحية مقتصرةً في الغالب على التسوق والسهر، حيث يندر أن تجد أسرةً سعودية تذهب إلى المتاحف أو دور الأوبرا أو الأنشطة الثقافية والمسرحية، وربما كان سبب هذه الندرة هو الغياب التام لهذه الحياة الفكرية والفنية في المجتمع السعودي، هذا النمط الاستهلاكي والسطحي لسياحة السعودي في الخارج، بالإضافة إلى طريقته المتعالية في التعامل، وظنه أنّ في مقدوره شراء كل شيء بالمال، هذه الأمور وغيرها ساهمت في تشويه صورة السعودي لدى أهل البلد الذي يذهب إليه، حتى وصل الأمر في بعض الدول إلى معاملة السعودي بطريقةٍ تمييزيةٍ سلبية، تطالبه بضماناتٍ أكبر من غيرها، وتضطره إلى دفع مقابل مادي أكثر مما يدفعه الآخرون للحصول على نفس السلعة أو الخدمة، وربما يكون السبب الرئيس لهذه الفوضى هو شعور السعودي بوجود الرقابة البشرية التي تحاصره في مجتمعه وتحصي عليه أنفاسه وسكناته، هذه الرقابة البشرية التي حرمته من تنمية رقيبه الذاتي والأخلاقي، مما جعله وبمجرد خروجه من بلده متطرفاً في الفوضى والجهل والانعتاق الغريزي. ومما يحسب لبرنامج الملك عبدالله للابتعاث أنّه قد نجح إلى حدٍ ما في أن يقلل من هذا التشويه لصورتنا في الخارج، حيث لم تعد الأخبار السلبية للسياح السعوديين هي كل ما يظهر في وسائل الإعلام الخارجي، بل أصبحنا نرى وبشكلٍ متكرر قصص النجاح والفخر التي يرويها الإعلام الخارجي عن أبناء هذا الوطن وبناته في الخارج، وأصبح لدينا ما نفخر به هناك، وما نشعر تجاهه بالزهو الحقيقي، وليس زهو الاستهلاك والمقدرة على البذخ.