الرؤية تعيد صياغة العلاقة بين السياق التاريخي والاجتماعي والاقتصادي السعودي    ارتفاع الرقم القياسي للإنتاج الصناعي بنسبة 8.9% خلال فبراير 2026م    ارتفاع أسعار البنزين في ألمانيا بوتيرة أسرع من الدول الأوروبية    أكثر من 4800 تصريح لتنظيم الأعمال على شبكة الطرق    جامعة "كاساو" تحتفل بتخريج الدفعة ال23 للعام الأكاديمي 2026    إدانة واسعة لأعمال الاقتحام والتخريب بقنصلية الكويت في البصرة    الأمطار تعيد السياحة البرية ل«غضا عنيزة»    ماذا كنا قبل تسع سنوات وما بعدها؟    قوات حفظ السلام بلبنان في مرمى النيران    الأقصى مغلق منذ 40 يوماً وتحذيرات من إعادة فتحه بشروط تُقيد دخول المصلين    يايسلة: المباراة سُلبت منا    بيزي: جيسوس سبب تألقي    «الآسيوي» يُهنئ المتأهلين لكأس آسيا السعودية 2027    «الإفتاء» و«العدل» توقّعان مذكرة للتكامل في المجالات المشتركة    طرق بلا أكتاف منها المسافر يخاف    خدمات التوصيل من الراحة إلى الإزعاج    القاعات المجتمعية.. توجّه جديد من "أمانة الرياض"    طلاب وطالبات الأحساء يتنافسون في «نسمو»    جحيم الكمالية    متاحف حائل.. إرثٌ وتاريخ    عبق الرعيل الأول.. دروس من قلب «الأم»    بذل الوسع    هكذا تعلمت من معاليه    مستشار أسري: طبقوا أسلوبًا تربويًا موحّدًا مع الأبناء    من صدر رضيع استخراج مسمار بطول 5 سنتيمترات    إدراج جزر فرسان في قائمة «رامسار الدولية»    رحبت بإعلان وقف إطلاق النار.. «الخارجية»: السعودية تدعم الوساطة للتوصل لاتفاق دائم يحقق الأمن والاستقرار    مدينة خميس مشيط الصحية تحتفل باليوم العالمي لمتلازمة داون    بحضور أمراء ومسؤولين.. باشويعر والملا يحتفلان بعقد قران عبدالرحمن ورفال    تخفيفاً لمعاناة المحتاجين والمتضررين.. مركز الملك سلمان يوزع سلالاً غذائية بفلسطين واليمن    دعا للتفاوض ب«حسن نية».. نائب الرئيس الأمريكي: «هدنة هشة» ومساع لتثبيت اتفاق طويل الأمد    تلقى رسالة خطية من رئيس جنوب السودان.. ولي العهد ونظيره الكويتي يبحثان مستجدات أوضاع المنطقة    8.4 مليار تداولات الأسهم    الزعفران في العلا.. خطوة لتنويع السلة الزراعية    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين.. تكريم الفائزات بجائزة الأميرة نورة للتميز النسائي    «جسور الفن السعودي المصري».. معرض تشكيلي في جدة    «مغنو الذكاء الاصطناعي» يقتحمون موسيقى الكانتري    رئيس الوزراء البريطاني يصل إلى جدة    نيوم يخطف فوزاً قاتلاً من الاتحاد    وزير الخارجية يتلقى اتصالًا هاتفيًا من وزير خارجية فنزويلا    عروض وخصومات للحجاج والمعتمرين عبر «نسك»    في ذهاب ربع نهائي يوروبا ليغ.. نوتنغهام فوريست لمحاولة التتويج بأول لقب قاري منذ نصف قرن    نائب أمير الشرقية يرعى حفل خريجي الجامعة العربية المفتوحة    مكملات المغنيسيوم .. فائدة محتملة ومخاطر خفية    الزعيم ينفرد بالوصافة    "الإفتاء" و"العدل" توقّعان مذكرة تفاهم وتعاون لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    لبنان خارج الحسابات أسبوعان يرسمان مصير الشرق الأوسط    إيقاف ديابي وأبو الشامات    تواصل سعودي كويتي لبحث اتفاق وقف النار الأمريكي الإيراني    حرم خادم الحرمين تكرم الفائزات بجائزة الأميرة نورة    مستشفى قوى الأمن بالرياض يحصل على شهادة اعتماد برنامج زراعة الكلى من المركز السعودي لزراعة الأعضاء    أمير نجران يستعرض أعمال فرع الموارد البشرية بالمنطقة    في قطاعات العمل والتنمية والنقل والقطاع غير الربحي.. «الشورى» يقر حزمة اتفاقيات دولية لتعزيز التعاون    تعزيز الخدمات الرقمية في المسجد الحرام بتقنيات QR    «حقن مونجارو».. ترند عرائس الهند    محافظ الطائف يستقبل الرئيس التنفيذي لتجمع الطائف الصحي المعيَّن حديثًا    فرسان تتزيّن بالأرجواني.. كرات الحريد الحية تحول البحر إلى لوحة ساحرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بصريات أعمى اليمن: الواقع.. في أربع بُنى لغوية..!
نشر في الرياض يوم 06 - 01 - 2005

تتشكل الصورة الشعرية لدى عبدالله البردوني من بنية لغوية تتشابك فيها العديد من الاعتبارات المضمونية والشكلية التي تستمد مفردتها - وجملتها - من السحنة اليمنية بما تنطوي عليه من إشارات بيئية يمكن التقاطها، كخصائص، في الشعر اليمني الحديث على نحو عام.
ثمة ما يشي بيمنية المفردة، وبيئية الجملة، وصرامة الإشارية الواقعية المتصلة جذورها بما هو عابر في اليومي الوطني سياسياً واجتماعياً، وما هو متجذر في الهاجس الصعد الحياتية ذاتها.. والبردوني، القادم من تفاصيل ثلاث مراحل سياسية تعاقبت على تاريخ اليمن الحديث، شاعر تكاثفت في لغته الشعرية السمات اليمنية ذاتها، التي اصطبغ بها الواقع بمفرداته الملهمة.. ولذلك بُنيت صوره الشعرية على المضامين الواقعية التي تتخذ لتشكيلها تعبيرات بيئية صميمة، وتسجل صيغ الاتصال الهرموني بالخلفية الاجتماعية والثقافية و - بالضرورة - السياسية:
إن همَتْ أحرفي دماً فلأني
يمنيُّ المداد.. قلبي دواتي
أمضغ القاتَ كي أظل حزيناً
والقوافي تهمي أسى غير قاتي
وإذا كان ذلك مفهوماً في إطار فهم التأثيرات البيئية في أي نتاج إبداعي، وطبيعياً تبعاً لطبيعة علاقة شخصية أي مبدع بمحيطه وبيئته، فإن لدى البردوني حالة إبداعية خاصة تراصت مفرداتها حد التطاول واجتراح ما هو منهيُّ عنه - وليس مسكوتاً عنه فحسب - في المواضعات الاجتماعية والصيغ المتآلفة.. وإذا كان متوقعاً من الشاعر السياسي أن يتوسل الصيغ الساخطة، في بعض ما يكشف عنه من مواقف وما يُعبّر من رؤى حيال ما يجري وما هو متوقع، فإن البردوني تخطى القالب الخطابي الذي يضع.. «الآخر» في محيط الرؤية الشعرية، مرتداً على «الذات»، ومتوحداً مع ذلك «الآخر» الذي تحوّل، في أضاميم لغة على درجة عالية من الشفافية، إلى «ذات» تتعرض لوابل من السياط التي تخترق الداخل، وتفجّر رؤيتها الفاضحة لكل شيء.
وفي هذه المستويات من الرهان التعبيري يتوحد البردوني مع «لص تحت الأمطار».. ويبحث معه عن نُهزة ممكنة للسطو والاستيلاء على ما يسدّ الرمق، ويستطلعُ، برؤية اللص وحرمان الجائع وضعف المحتال، شوارع المدينة، وبيوتها وحالات فرحها، وإحباطاتها الجاثمة على «اللص» وواقع المدينة معاً..!
من أين أمرّ..؟ هنا وكرٌ
ملعونٌ رادته ألعنْ
وخصوصياتٌ واقفةٌ
تهذي كالمذياع الألكنْ
وتقل براميلاً تسطو
وسط الأضواء ولا تُسجن
أيساراً يا «صنعا» أمضى
أم أنتهجُ الدربَ الأيمن
هل هذا الأحسنُ؟ أم هذا
يبدو لا شيءَ هنا أحسن..!
شهادات مجنونة
اهتم البردوني بحالات التقمص كثيراً.. وفي الشعر العربي الحديث وجد التقمص لنفسه موقعاً عند عدد من الشعراء.. فالسيّاب كان يتقمص شخصيات حبيباته ويستنطقهن استنطاقاً.. ونزار قباني لم يتحرج من تقمص حالات نسائية حساسة، في «يوميات امرأة لا مبالية» و«لوليتا» و«حُبلى».. وغيرها.. إلا أن لدى البردوني شطحاً بعيداً في مشاريع التقمص الحرجة إذا صح الوصف..
السيّاب تقمص حبيباته في سعيه إلى تعبيرات لم تخرج غالباً عن المضامين الذاتية.. ونزار فقد كان على مستوى من الشغب واجه به ثقافة المجتمع وقوانينه.. أما البردوني فقد كانت واقعيته شهادات مجنونة ضد صنوف سياسية واجتماعية.. وفي تقنيات التقمص قدم شخوصاً منكوبة ومكسورة وجائعة، لينفذ عبرها إلى حقائق خاصة على المستوى الواقعي والإبداعي في آن واحد.
وكما كان «لص تحت الأمطار» مشرداً وحائراً، ومنتهياً إلى يأس مشوب بطموحات لا طائل لها، كانت «امرأة الفقيد»، و«ابن فلانة» و«شاعر.. ووطنه في الغربة» و«ثرثرات محموم».. وغيرها شهادات من داخل الشخصية المنكسرة في ذاتية المهزوم أمام جنزير الواقع.. إلا أن اتساع الرؤية الواقعية يذهب قاصياً في اختيار الشخصية، واستكناه صيرورتها ومصيرها، واستنطاق الإشارات السياسية بالتباساتها المتشابكة.. ف «ابن فلانة»، ذلك الشاب الذي أنجبته أم «سيئة» يجد ذاته في تصارع يومي مع واقعه الذي لا يد له فيه:
كيف أحكي.. فلاناً ابن فلان
ورفاقي يدعونني ابن فلانه
إن رأوني أبدو رصيناً أشاروا
علّمتهُ تلك البتول الرصانه..!
لا تلح لي يا اسمي فإن جبانٌ
حين تبدو بفضل تلك الجبانه
ومن حالة التصارع هذه تلوح إيحاءات الإسقاط المتجاسرة على تقديم رؤية تشريحية للواقع الأكثر اتساعاً وتخاذلاً، وأشدّ تعالقاً بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، في مساحة تعبيرية يمكن وضعها ونصوصاً أخرى في الإشارات التشريحية ذاتها التي لم تترك مجالاً إلا لهذا النحو من الاستنطاق.. ألم يقدّم البردوني مجموعته «السفر إلى الأيام الخضر» لها..
اذكّرها مرآتها عرق مأرب
وأنّ لها فوق الجيوبَ جباها
وان اسمها بنت الملوك وأنها
تبيع بأسواق الرقيق أباها
وهي، نفسها، الملتبسة ب «غرام الذئاب»:
وهي ليست شاة ولكن لماذا
تتوالى هذي الهدايا إليها..؟
مقلتاها أظمأ من الرمل، ماذا
يرشف المرتوون من مقلتيها؟
وعلى المستوى الفردي كانت القصيدة المتقمصة تشريحاً للحالة السائدة:
كيف أقضي ديني وليس ببيتي
غير بيتي ومعزف غير شادي؟
والذي كان والدي صار طفلي
من أداري.. عناده؟ أم عنادي؟
ولأني مجوّف مثل غيري
بعت وجهي لوجه مائي وزادي
اليساري رزق اليميني وقالوا
أجودُ الخبز من طحين التعادي..!
والمؤدّى، هو أن البردوني اعتنى بتقنيات التقمص في مشروعه الشعري، تواصلاً مع قضيته التي لها سخّر امكانياته الجمالية مستفيداً من الشكل التناظري في القصيدة العربية.. وهو شكّل عبأه شاعر اليمن بأنماط أسلوبية متغايرة جسدت المواقف تبنتها جسدتها رؤيته للواقع بما فيه من تشابك وتناحر.. وتعاقب أيضاً..!
المؤدى الأهم، على مستوى التجربة الإبداعية، هو تلك الخاصية الأسلوبية التي كانت الصورة مهادها ومفادها.. فالصورة البردونية تفيد من مستويات التعبير التقليدية والحديثة في صياغة البنية اللغوية.. وإلى جانب مستوى التشبيه البلاغي هناك الصورة الرومانسية، والرؤية الرمزية، وأيضاً المشهد السيريالي..!
وما يربط بين هذه المستويات الأربعة، في الصورة البردونية، هو ذلك الحس البصري الذي أفاض على المضمون شكلاً لغوياً خلاقاً ومفاجئاً من إنسان فقد بصره وهو في السادسة من عمره، ولم يتسن له تسجيل خبرة بصرية كافية لإنتاج تصويراته الشعرية على هذا النحو الخارق..!
(يتبع)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.