من الفضائل والنعم التي حباها الله بلادنا الغالية أن منَّ الله عليها بالوسطية والاعتدال بين الأمم والشعوب، وهذا عائد بفضل الله وكرمه إلى النهج القويم الذي ينتهجه ولاة الأمور - حفظه الله - إذ إن مصدر العزة والقوة والتمكين في الأرض إنما هو ثمرة من ثمرات التمسك بالكتاب والسنة وامتثال التوجيه الإسلامي والحكم الرباني، وبلادنا حماها الله تمتلك من المزايا ما جعل بلدان العالم الإسلامي تدور معها حيث دارت، فهي التي تصلح أن تكون قائدة للمسلمين في شتى بقاع الأرض، والفضل فضل الله إذ مكنَّ لولاة أمورنا فأمسكوا زمام الأمور بعد تفلتها عندما تم توحيدها على يد المؤسس المصلح الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله. والمستقرئ لتاريخ بلادنا الغالية في جميع المناطق يرى البون الشاسع بين تلك الفترة التي سبقت توحيد البلاد وفترة ما بعد توحيدها إلى عصرنا الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين والنائب الثاني - حفظهم الله ونصر بهم الإسلام والمسلمين - وستتضح الرؤية لمستقرئ التاريخ فيعرف قدر هذه النعم التي نعيشها اليوم، ولقد جعل المؤسس والمصلح الموفق الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - نصب عينيه نصرة الدين وأهله، وحفظ الأمن بإقامة شرع الله المطهر على أرض مملكته، لأجل أن يطمئن الناس ويعيشوا في هناءة وراحة بال، فصلاح المؤسس ونيته الصادقة الصالحة وتمسكه بالكتاب والسنة وإحياؤه شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زادته قوة إلى قوته، ومكن الله له في الأرض، ورجال الإمام عبدالعزيز القريبون منه خصوصاً، يعلمون صلاحه وعبادته وغيرته على الدين. ومما يُذكر من تلك القصص التي تبين ما كان عليه الإمام الموحِّد من صلاح وعبادة، يقول الراوي: سمعتُ أحد حراس الإمام يقول: إنه في جميع غزواته التي شهدها معه، أنه يحيي ليله تهجداً ودعاء وتضرعاً لله، ونسمع صوته وهو يصلي ويدعو، وكان من دعائه اللهم إن كان في انتصاري عزاً ورفعة للإسلام والمسلمين فانصرني.. فالقوة التي حازها الإمام إنما هي قوة الدين والذود ونصرة العقيدة الصحيحة ومحاربة البدع والضلالات وأهلها، وسيرة المؤسس - رحمه الله - كما يعلم الجميع جمعت في دواوين وكتب في متناول الجميع. والخصائص التي تتمتع بها بلادنا كثيرة لعل من أبرزها: أولاً: انها تأسست على الشريعة الإسلامية، نصرة لدين الإسلام في الداخل والخارج. ثانياً: تحكيمها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي تنفرد بهذه الميزة التي لا تشاركها فيها دول العالم الإسلامي كافة. ثالثاً: إقامتها شعيرة عظيمة من شعائر المسلمين، وهي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من بداية التأسيس وإلى وقتنا الحاضر، ولا شك ولا ريب أنها بهذا العمل الفاضل تبوأت مكاناً رفيعاً يميزها من سائر بلدان العالم قاطبة، فضلاً عن أنها تتبوأ به الخيرية بين الأمم قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) الآية، والمشاهد الملاحظ ذلك الدعم من لدن حكومتنا الرشيدة لجهاز الحسبة المتمثل في الرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. رابعاً: توسطها في الدين فلا غلو ولا تفريط امتثالاً لقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) الآية. خامساً: اهتمامها بالحرمين الشريفين في عمارتهما وتوسعتهما، وإكرام قاصديهما، ومن ذلك تلك الاستعدادات التي تسبق موسم الحج من حسن استقبال ورعاية طبية، علاوة على الجهود المبذولة لاستتباب الأمن لحجاج بيت الله الحرام وللمعتمرين والزائرين. سادساً: الاهتمام بقضايا المسلمين في كل البلدان الإسلامية سياسياً واجتماعياً وإغاثياً وفق سياسة حكيمة ورؤية صائبة، وخصوصاً قضية فلسطين التي هي القضية الأولى للمسلمين، وما توليه بلادنا من اهتمام منقطع النظير في الدعم السياسي والإغاثي المتواصل. سابعاً: توجه أنظار العالم بعامة والعالم الإسلامي على وجه الخصوص للمملكة العربية السعودية، إذ هي مركز العالم الإسلامي، والقلب النابض بالحس الديني فيها، والمراكز الإسلامية في شتى بقاع الأرض شاهد صدق على ذلك. ثامناً: الاهتمام بالمصحف الشريف وإنشاء أكبر مطبعة في العالم لطباعته، مطبعة الملك فهد للمصحف الشريف بالمدينة النبوية، وتوزيع تلك المصاحف الشريفة على الحجاج والمعتمرين والزوّار لبيت الله الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وكذلك توزيعه على كافة المسلمين في أنحاء العالم. تاسعاً: الحرص على رفاهية المواطن والمقيم في البلد الآمن، وتسخير كافة الامكانات للعيش الرغيد. ولاشك ولا ريب أن النعم المتوالية على بلادنا بفضل الله وحده لا شريك له، وتتطلب منا شكراً لذي المنِّ والفضل سبحانه وتعالى، والشكر يكون بكثرة الأعمال الصالحة واجتناب المنهيات، وينبغي على عموم الناس أن يعرفوا قدر النعمة التي يعيشونها لتزداد بشكرهم لها، واسأل الله أن يديم على بلادنا نعمة الأمن والرخاء وأن يرزقنا شكر النعم، وأن يحفظ ولاة أمور المسلمين، وأن ينفع بهم الإسلام وأهله، ويعلي بهم كلمته، وأن يرزقهم البطانة الصالحة الناصحة وأن يبعد عنهم بطانة السوء آمين. * خطيب جامع بلدة الداخلة في سدير