كما شوق الغريق إلى الهواء، كما فرحة السجين بفضاء الحرية، كما انعتاق البائس من أوجاعه وخيباته إلى فضاءات الأمل، وحلم المستقبل، كما كل هذا احتفلت "الشعوب" اللبنانية يوم أمس الأول باستعادة قصر بعبدا رمزيته، وموقعه السياسي في النظام اللبناني، ودخول العماد ميشال سليمان القصر الأنيق كرئيس للجمهورية لولاية تمتد ست سنوات. الشعوب اللبنانية احتفلت - أيضاً - على طريقتها في كل مناسباتها، وما أكثرها. إطلاق العيارات النارية في الهواء، والرقص على أزيز الرصاص في وهم ثقافي متأصل أن "السلاح زينة الرجال" ولا بأس إذا اجتاح بيروت، ودمر أملاك وممتلكات الناس. وعطّل سبل عيشهم، وعبث بأرواحهم، وتحول وسط بيروت السياحي والتجاري إلى مخازن كبيرة للسلاح والذخيرة فهو زينة الرجال. إذ ليس من المعقول، أو المفترض أن تكون المعرفة، والوعي، والسلوك الحضاري هي زينة الرجال عند شعوب لاتزال تصنّم الزعيم حتى ولو كان هذا الزعيم خارجياً، أو من غير عرقها العروبي. الشعوب اللبنانية احتفلت بهذا الحدث. وكأن الدستور اللبناني لم ينص على تداول السلطة، وأن لبنان هو البلد الذي فيه تسلُّم وتسليم بين رئيس انتهت ولايته وسيغادر إلى بيته، وبين رئيس قادم منتخب تحت قبة البرلمان اللبناني من ممثلي الشعب اللبناني. ويصاحب هذا مراسم، وطقوس تتم في القصر الرئاسي لولا جناية التمديد للرئيس السابق إميل لحود الذي كان عهده التمديدي لعنة وكارثة على لبنان، حيث كانت الاغتيالات للسياسيين، والصحافيين، وفوضى الأمن، والهجرة، وانهيارات الاقتصاد، والسلم الأهلي، والمؤسسات المدنية، والتجويع، وحصار بيروت عبر وسطها التجاري، وقطع طرقاتها بالإطارات المحترقة، وميادينها بأكوام الحجارة. والسؤال: - هل انتهت محنة لبنان، ومأساته بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية..؟ السؤال كبير، ومن خلاله تتداعى الأسئلة الصعبة جداً، إذ أن لبنان علّمنا أن كل تسوية هي هدنة بين حرب وأخرى. أحسب أننا يجب أن نكون متواضعين في التفاؤل. فلا نجعل الآمال تأخذنا إلى البعيد. فتشكيل الحكومة، والبيان الوزاري، وتوزيع حصص الشعوب اللبنانية "الطوائف" في الوزارات، والإدارات، والمؤسسات ذلك كله معضلة، وربما كافية لتفجير الوضع، ثم تأتي الانتخابات النيابية التي سيكون فيها "كسر العظم" بصورة قاسية تحدد المشروع اللبناني الذي ربما وضحت معالمه. مسكين هذا اللبنان الذي هو أرض مستباحة لتصفية حسابات الآخرين مع بعضهم، ومسكين هذا المواطن اللبناني المنكوب بزعاماته التي لا توفر سبيلاً في عمليات البيع والشراء.