ليست كل الأسماء ترحل حين يغيب أصحابها، فبعضها يبقى حيًا في الذاكرة، يتردد صداه في تفاصيل المكان، ويستقر في وجدان الناس كأنه لم يغادر. هكذا كان عبدالعزيز المطر، أحد أبناء عنيزة، الذين لم يكونوا مجرد عابرين في حياة المدينة، بل كانوا جزءًا من روحها، وصوتًا من أصواتها التي شكّلت ملامحها الثقافية. في عنيزة، تلك المدينة التي عُرفت بعمقها التاريخي وثرائها الثقافي، لم يكن فن السامري مجرد لونٍ من ألوان الفن الشعبي، بل كان حالة شعورية متكاملة، تنبض بالشعر، وتُروى عبر الأجيال كقصة انتماء. ومن بين هؤلاء الذين حملوا هذا الفن وأعطوه من أعمارهم، يبرز اسم عبدالعزيز المطر، الذي ترأس فرقة السامري في عنيزة، وكان واحدًا من رموزها الذين أسهموا في حفظ هذا الموروث وإبقائه حيًا. لم يكن المطر قائدًا لفرقة فحسب، بل كان شاعرًا في إحساسه، حاضرًا في كلماته، يملك تلك الروح التي تفهم الشعر قبل أن تنطقه، وتعي جماله قبل أن يُقال. كانت مشاركاته تحمل نَفَسًا مختلفًا، يعكس عمق التجربة، وصدق الانتماء، وارتباط الإنسان بأرضه وتاريخه. فالشعر في السامري ليس مجرد كلمات، بل هو مرآة للمجتمع، يعبّر عن أفراحه، ويختزن حكاياته، ويمنح لحظاته معنى أبقى من الزمن. لقد ترك جيل عبدالعزيز المطر إرثًا لا يُقاس بالسنوات، بل يُقاس بالأثر. إرثًا من البساطة الجميلة، واللقاءات الصادقة، والليالي التي كانت تمتلئ بالودّ والصفاء، حيث يجتمع الناس حول الكلمة، ويحتفون بالجمال دون تكلف. كانوا يصنعون من تفاصيلهم الصغيرة ذاكرة كبيرة، ويغرسون في وجدان المدينة حب التراث، دون أن يدركوا أنهم يكتبون تاريخًا سيُروى من بعدهم. وعنيزة، وهي تحتفظ بهذا الإرث، لا تحفظ مجرد فن، بل تحفظ روح رجالٍ مرّوا من هنا، وتركوا بصمتهم في كل زاوية من زواياها. فالفن الشعبي، حين يكون صادقًا، يتحول إلى هوية، وحين يُحمله رجال أوفياء، يصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية. رحل عبدالعزيز المطر، لكن حضوره لم يغب. بقي في كل بيتٍ من الشعر يُقال، وفي كل ذاكرة تستعيد زمنًا كان أكثر بساطة وصدقًا. وسيبقى اسمه شاهدًا على جيلٍ عرف قيمة التراث، فحمله بمحبة، وتركه لنا إرثًا نعتز به ونرويه بفخر