"الذي اختار الصمت، سبق له أن قال كل شيء.. ولم يفهمه أحد" هذه العبارة في وجهة نظري لا تتحدث عن عزوفٍ متعالٍ عن الكلام، ولا عن مزاجٍ يميل إلى الانطواء، ولا عن حكمةٍ قررت أن توفر عباراتها، إنها عبارة تحكي إنساناً استنفد محاولاته في بيئة لا تلتقط الإشارة، وبذل من المعنى ما يكفي، ثم اكتشف أن المشكلة في المحيط الذي لا يملك أدوات التلقي، وحينها أصبح الصمت نتيجة وجودية، وردة فعل طبيعية لحياةٍ طويلة من الرسائل التي غادرت صاحبها ولم تجد في الجهة الأخرى وعيًا يستقبلها ولا مرفأً يحويها. الإنسان يتكلم لعبور المسافة بين الداخل والخارج، وبين الفكرة ومجالها، وبين الشعور ومن يفهمه. ولذلك فإن أعظم ما يرهق المتكلم أن تسقط رسالته في فجوة لا يُدرك معها أصلًا ما الذي قيل. حينها يشعر أنه لا يخاطب أحدًا، وإنما يردد نفسه في فضاء مغلق، فيبدأ التعب بالتسلل إلى صوته، ثم إلى رغبته، ثم إلى علاقته بالكلام ذاته. هنا تظهر المفارقة المؤلمة: فقد يكون الإنسان ثريًا في معناه، واسعًا في ثقافته، دقيقًا في لغته، رفيعًا في حساسيته الفكرية، ثم يجد نفسه عاجزًا عن إيجاد موطئ قدمٍ لعبارته، لأن السياق أضيق من أن يحملها، فليس كل محيط صالح لكل صوت، وليس كل جماعة مهيأة لكل مستوى من التعبير، وليس كل أذن معدّة لسماع ما يتجاوز مألوفها. ومن هنا ينشأ ذلك الشعور الثقيل بأن المرء يتحدث فوق مستوى الالتقاط، أو خارج تردد البيئة كلها. تتجاوز هذه الحالة أن تكون نقصاً إلى فائض في وعيه بالقياس إلى محيطه. وهو فائضٌ لا يُكافأ دائمًا، بل قد يتحول إلى عبءٍ داخلي، لأن صاحب الرسالة يظل في البداية يفسر عدم الفهم بوصفه تقصيرًا شخصيًا، فيعيد الشرح، ويبدل العبارة، ويخفف العمق، ويقترب من السطح، ويجرّب أكثر من منفذ، حتى يكتشف بعد زمن أن الأزمة في طبيعة البيئة لا في طبيعته. من هنا ينشأ الصمت كحماية له وصيانة لما يملك، ولعل أعمق ما في هذه التجربة أن الإنسان لا يصمت إلا لأنه يملك أكثر مما يحتمله السامعون، غير أن الخطر يبدأ حين يخلط الإنسان بين عدم فهم محيطه له وبين انعدام قيمته لما يحمل. هنا يتسلل الشك إلى جوهره، ويبدأ في تقزيم نفسه ليتناسب مع المساحة الضيقة. وهذه هي الخسارة الحقيقية. لأن النضج لا يقتضي أن يخون المرء عمقه كي يُفهم سريعًا، بل أن يعرف أين يتكلم، ولمن يفتح أبواب معناه، ومتى يحفظ كلماته لبيئة تستحقها. فليست كل لحظة مؤهلة لولادة المعاني الكبيرة. ختاماً.. الصمت الذي يولد من هذه التجربة لا ينبغي أن يُقرأ دائمًا بوصفه نهاية، فقد يكون طورًا من أطوار النجاة، ومرحلة يعيد فيها الإنسان ترتيب لغته، واختيار دوائره، والتمييز بين من يسمع ومن ينصت. رياض عبدالله الحريري