إذا دوّى جرسُ المنبّه صباحًا، خُيِّل إليك أنّ النهار لا يفتح بابه إلا لراكضٍ لاهث؛ فإما أن تعدو بأقصى سرعتك، وإما أن تتقهقر مع جموع المتخلفين! تتشكل ملامح هذا الإيقاع المتسارع داخل وعينا اليومي، يستحيل الفجر من الطمأنينة إلى فزع المسابقة، ويقين الرزق، إلى الخوف من فواته، وتغدو الدنيا وكأنها ميدان سباق، وأفواجٌ من الراكضين اللاهثين، كلٌ يقصد وجهته، ويسعى نحو بُغيته، حتى إذا ما تنحيت إلى جانب المضمار لالتقاط أنفاسك، رمقك الآخرون بنظرة المتقاعس. هذا هو وضع الكثيرين منا في عصرنا الحالي! حيث إن التأني والطمأنينة أصبحا يصنفان ضمن خيارات الرفاهية العليا Luxury" of Choice"، أي أن طبيعة الحال تكمن في العيش داخل دوامة القلق، وعجلة السرعة وهوس الإنجاز. وفي مواجهة هذا الطوفان المتسارع من الإيقاع الحياتي، وفي خضم كل هذه المؤثرات التي تحدونا إلى العجلة تبرز أهمية وفضيلة التأني، وكأنها بر الأمان في بحر لجي من المشاغل والعدو المستمر. يرمي الشافعي لمعالجة هذه الإشكالية إلى النظر من خلال عدسة التأني والتركيز عليها في السعي نحو الرزق، حيث يرى أن التمهل لا ينقص من الرزق، لأنه يكسب الإنسان مكاسب أخرى كالتركيز على الذات ومن له حق كأفراد الأسرة، أو الالتفاف إلى الهوايات وغيرها فيقول: ورزقك ليس ينقصه التأني وليس يزيد في الرزق العناء. غير أن هذا المعنى لا يُفهم على إطلاقه دون موازنة، وهو ما التقطه الشاعر القطامي عندما نظر للتأني بأسلوب استدراكي بقوله: قد يُدرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجَتِه وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ وربَّما فات قومًا بعضُ أمْرِهم من التَّأنِّي وكان الحزمُ لو عَجِلوا. أي أن التأني على الرغم من كونه استبطاءً في التقدم إلا أنه قد يؤدي إلى حصول المبتغى والمطلوب، ولكنه في مواضع الإفراط قد يتسبب في ضياع الفرصة، وفوات المراد. وهو طرح يتوافق مع نظرية أرسطو في كتابه "الأخلاق" بأن الفضيلة وسط ما بين رذيلتين وهو ما عبر عنه ب "Mesotes". وإذا انتقلنا من الحكمة الشعرية إلى البيان الإلهي، وجدنا معنى التأني يُصاغ بأسمى صورة، وهو في وصف نزول الوحي مفرقاً على مكث وتمهل، حيث تطلّب اهل مكة نزوله جملة ودفعة واحدة "لولا نزل عليه القران جملة واحدة"، ولكن الله أشار الى أن نزوله كان متدرجا بتمهل، حتى يستساغ ويفهم ويقع أثره في النفوس "وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكثٍ" وكأن الرسالة هي التمهل في تجارب الحياة حتى تحصل الفائدة القصوى منها. لحظة ختام: عندما وفد الجميع متلهثين وعجلين للقاء المصطفى "صلى الله عليه وسلم" في عام الوفود، تمهل المنذر بن عائذ حتى اغتسل وتجهز للقاء الرسول، فسُر عند لقائه قائلاً "إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة". عاصم عبد الفتاح