أهم المكاسب الدنيوية -معنويًا ومادياً- الوطن الآمن المستقر، الذي يسود فيه النظام، وتنقاد فيه الرعية لولي أمرها، وتحترم فيه الحقوق، وقد هيأ الله تعالى ذلك في وطننا الغالي.. ومن ادّعى أنه حريصٌ على تحصيل المعنويات مع التفريط بوطنه فهو مخدوع، وما مثله في ذلك إلا مثل من يبني على غير أساس، فأساس المعنويات وطنٌ يؤوي، وقيادةٌ مطاعةٌ تحمي الأمن والحقوق.. معلومٌ أن الحرص على الماديات -بصورة تعوق الانتفاع والنفع بها- مذمومٌ لا يليق بأهل المروءة، وبالمقابل فمن أسباب الرفعة في الدارين الحرص على المعنويات، بألا يدخر الجهد في تحصيل المفقود منها، ولا في صيانة الموجود منها، وجوهر الفرق بين المفلحين والمخفقين -بعد توفيق الله تعالى- أن المفلح شديد الحرص على إنجاز ما ينفعه، وتجنب ما يضره، ويستعد لأن يتحمل المشقة الصغرى لتجنب الكبرى، وتطمح عينه إلى المصلحة العليا ولو كان في ذلك تفويت للصغرى، وشعلة الحرص على المعنويات متوقدةٌ فيه دائماً لا تطفئها عثرةٌ عرضت له، ولا تجربةٌ مريرةٌ مر بها، ومستعدٌ لمنافسة الجادين في مجاله منافسةً شريفةً، أما المخفق فهو مقتنعٌ بهامش الأمور دائماً، زاهدٌ فيما يعود على مستقبله بالنفع في معاده ومعاشه، يهرب من مشقة عادية مع إدراكه أنه إن لم يتحملها وقع في أكبر منها، لكن تعجل بعض الراحة أهم عنده، وقد يصطنع بعض الحرص لكنه يتخلى عنه في أول اختبار صعب يواجهه، ويتحجج بتجاربه غير الموفقة كلما عرض عليه تغيير وضعه، وإذا تظاهر بمنافسة الآخرين ظهر للعيان أنه غير حريص على إنجاز شيء لنفسه، وإنما همه التشويش على غيره، وتثبيط مساعي الجادين، ولي مع الحرص على المعنويات وقفات: الأولى: أولى المعنويات بالحرص العبادات التي تقرب العبد إلى ربه، وقد تقررت تفاصيلها في النصوص الشرعية، واجتهد علماء الشريعة في بيان ذلك وتقريبه، وهو مدونٌ في مظانه، ويتجلى الحرص على العبادات في الجمع بين إعطاء الأولوية لما تقررت أولويته، وبين الحرص على غيره من غير إخلال بالأول، ولا إغفال للثاني، وتفهم هذه المعادلة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"، أخرجه البخاري.. فالفقرة الأولى من هذه الجمل المباركة قد دلت على تقديم الفرائض، وأن التقرب بها أحب إلى الله تعالى، وما بعده يدل على الجدوى العظيمة للنوافل، وما يترتب عليها من المصالح المعنوية التي يحرص عليها كل من تسمو به نفسه إلى معالي الأمور، ومع تنوع النوافل وكثرتها إلا أن الموفق يجتهد في أن يعمر يومه بما أمكنه منها، وهذا دليل على الحرص على المنافع الدينية، ونفع الآخرين، وهو منقبةٌ عظيمةٌ، كما يدل عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا" قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضًا" قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة"، أخرجه مسلم. الثانية: أفراد الأسرة –من الوالدين والذرية وأحد الزوجين والأقارب- والأصدقاء والزملاء من المكاسب المعنوية التي ينبغي الحرص عليها، ولا يسوغ الزهد فيها، ولا التفريط فيها؛ ولهذا ورد الأمر بالإحسان إلى هؤلاء في قوله تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم"، وعلى المرء أن ينحي ما يعترض طريق التعايش اللائق معهم، من سوء التفاهم والنزاعات بشتى أنواعها، وأن يظهر الحرص على ذلك، وذلك بالمرونة في المعاملة وتوسيع الصدر، وإلى ذلك أرشد الله أطراف الزواج بقوله تعالى: "ولا تنسوا الفضل بينكم"، وعدم مقابلة فورة الغضب بمثلها، وفي هذه الخصال دفعٌ لكثير من الإشكالات، فإن وقعت فينبغي الحرص على إزالتها بالصلح، كما قال تعالى: "والصلح خيرٌ"، ولا يقوم الصلح على أساس قوي ثابت إلا إذا كان الطرفان حريصين على إزالة أسباب المشكلة، مستعدين لأن يتنازل كلٌ منهما للآخر؛ ليتلاقيا على حل وسط، واكتساب أحد أفراد الأسرة أو الصديق بالصلح مكسبٌ معنويٌ يجب الحرص عليه. الثالثة: أهم المكاسب الدنيوية -معنويًا ومادياً- الوطن الآمن المستقر، الذي يسود فيه النظام، وتنقاد فيه الرعية لولي أمرها، وتحترم فيه الحقوق، وقد هيأ الله تعالى ذلك في وطننا الغالي المملكة العربية السعودية، فلا يسع أحداً منا إلا الحرص على استدامة هذه النعمة، والإسهام في كل ما يحمي الوطن، ويحفظ مكانته ومكانة قيادته الرشيدة، ومن ادعى أنه حريصٌ على تحصيل المعنويات مع التفريط بوطنه فهو مخدوعٌ، وما مثله في ذلك إلا مثل من يبني على غير أساس، فأساس المعنويات وطنٌ يؤوي، وقيادةٌ مطاعةٌ تحمي الأمن والحقوق.