لم يكن انهيار مفاوضات السلام بين الولاياتالمتحدة وإيران في إسلام آباد، بعد جلسة ماراثونية استمرت 21 ساعة، مجرد نتيجة للخلاف حول الملف النووي، بل جاء بالأساس نتيجة توظيف طهران لورقة السيطرة على مضيق هرمز كأداة ضغط تفاوضي حاسمة. فقد ربطت بشكل مباشر بين التوصل إلى اتفاق وضمان حرية الملاحة في المضيق، مؤكدة أنها لن تسمح بمرور آمن ما لم يتم التوصل إلى تفاهم «معقول»، وهو ما نقل مسار التفاوض من نقاش تقني إلى معادلة جيوسياسية معقدة. هذا الربط بين أمن الملاحة ومسار التفاوض قوض فرص الوصول إلى اتفاق؛ إذ لم تعد القضية مقتصرة على التزامات نووية طويلة الأمد، بل امتدت إلى ميزان السيطرة على أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. ومع هذا التحول، تحولت الجغرافيا إلى أداة تفاوض، والطاقة إلى وسيلة ضغط، مما أدى عمليًا إلى تقويض المسار الدبلوماسي. وتلقت أسواق النفط إعلان وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي بتفاؤل، مما دفع الأسعار إلى الهبوط دون مستوى 100 دولار، قبل أن تعاود الارتفاع يوم الخميس؛ إذ صعد خام برنت بمقدار 1.17 دولارًا، أو 1.2%، ليصل إلى 95.92 دولارًا، فيما ارتفع خام غرب تكساس بنحو 3.46 دولارات، أو 3.66%، الى 97.87 دولارًا. وعلى أساس أسبوعي، تراجع برنت بمقدار 13.83 دولارًا، أو 12.7%، ليبلغ 95.20 دولارًا، كما انخفض غرب تكساس بنحو 14.97 دولارًا، أو 13.4%، إلى 96.57 دولارًا، ما يعكس حدة التقلبات في السوق. ويأتي هذا التباين رغم ارتفاع مخزونات النفط التجارية الأمريكية بمقدار 3.1 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 3 أبريل 2026، مقابل تراجع الإنتاج بنحو 62 ألف برميل يوميًا إلى 13.596 مليون برميل يوميًا، ويعزز ذلك فرضية أن العوامل الجيوسياسية، وليس أساسيات السوق وحدها، هي المحرك الرئيس للأسعار في هذه المرحلة. ومع انهيار المفاوضات، برزت السيطرة على مضيق هرمز كعامل تصعيدي مباشر، في ظل تهديدات إيرانية باستمرار القيود على العبور، مقابل تأكيدات أمريكية بحماية الملاحة. كما بات وقف إطلاق النار، الذي مُدد لأسبوعين، مهددًا بالانهيار، بما يعكس هشاشة التهدئة وسرعة تقويضها. وتكشف هذه الأزمة أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، لا يحتمل حتى اضطرابًا جزئيًا دون انعكاسات فورية على الأسعار وسلاسل الإمداد، حيث تُضاف «علاوة مخاطر» مع كل تصعيد. كما تعكس تحولًا أعمق في مفهوم السيطرة على الطاقة؛ إذ لم يعد النفوذ مرتبطًا بحجم الإنتاج فقط، بل بقدرة التحكم في مسارات العبور. وبناءً على ذلك، لم يعد السؤال ما إذا كان المضيق مفتوحًا أم مغلقًا، بل من يملك القدرة على التحكم في تدفق النفط عبره وضمان استقراره؛ فالفتح الجزئي في ظل التهديد لا يختلف عمليًا عن الإغلاق. ومع استمرار التوتر وخسائر الإنتاج، قد تتجه الأسعار مجددًا نحو 100 دولار، وربما تتجاوزها. فلم تعد السيطرة على مضيق هرمز مجرد ورقة ضغط تفاوضية، بل تحولت إلى العامل الحاسم في إفشال المفاوضات وإعادة تشكيل موازين القوى، في مشهد يعكس تعقيد المرحلة المقبلة، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، وتتحول الطاقة إلى أداة نفوذ استراتيجية.