لم يعد تميز الجامعات يقاس بتاريخ تأسيسها، أو بعدد طلابها، أو بموقعها الجغرافي وحجم حرمها الجامعي، بل بقدرتها على توظيف هويتها المؤسسية لإنتاج معرفة نوعية ذات أثر تنموي مستدام، وجاهزيتها لاستشراف التحولات وصناعة الفرص في عالم متسارع تتعاظم فيه أساليب التعلم وتتنامى فيه قيمة الابتكار. وفي ظل التحول التقني المتسارع، لم يعد التحدي في التعليم الجامعي مقتصراً على تطوير البرامج الأكاديمية أو تحديث اللوائح التنظيمية، بل أصبح يتمثل في بناء منظومات مؤسسية قادرة على استشراف التغيرات والتكيف معها بكفاءة، وتحويلها إلى فرص تعزز جودة المخرجات وتدعم التنافسية. ومن هذا المنطلق، لم تعد الجامعات مؤسسات أكاديمية تقليدية، بل أصبحت محركات للتنمية، ومصادر لإنتاج المعرفة التطبيقية، وركائز في تنمية القدرات البشرية المؤهلة للتعامل مع اقتصاد متجدد يقوم على الابتكار والتقنية. وفي هذا السياق، جاء نظام الجامعات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/27) ليعزز حوكمة التعليم الجامعي، ويرتقي بكفاءة الأداء المؤسسي، ويدعم الاستقلالية المنضبطة، ويمكن الجامعات من بناء رؤاها الإستراتيجية بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. وقد أكد النظام أن الجامعة مؤسسة أكاديمية عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة مالياً وإدارياً، تسهم في تنفيذ السياسة التعليمية للدولة، ولا تهدف إلى الربح، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في التخطيط بعيد المدى، وتطوير برامجها الأكاديمية، وتعزيز شراكاتها العلمية والبحثية، بما يدعم دورها في خدمة المجتمع والإسهام في بناء اقتصاد قائم على المعرفة. ومن أبرز ملامح التوجه التطويري في النظام بناء منظومة حوكمة متكاملة تقوم على وضوح الصلاحيات ورفع جودة القرار، حيث تتولى إدارة شؤون الجامعة ثلاثة مستويات رئيسة هي: مجلس الأمناء، ومجلس الجامعة، ورئيس الجامعة، بما يحقق التوازن بين الاستقلالية والمسؤولية، ويعزز كفاءة الأداء المؤسسي واستدامته. كما منح النظام مجلس شؤون الجامعات دوراً إستراتيجياً في رسم السياسات العامة للتعليم الجامعي، واعتماد اللوائح الأكاديمية والمالية والإدارية، والإشراف على تنظيم الاستثمار وتنمية الإيرادات الذاتية، وتقويم أداء الجامعات، بما يدعم جودة المخرجات ويرفع مستوى التنافسية. وتعكس هذه الصلاحيات توجهاً نحو بناء منظومة تعليم جامعي أكثر قدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة في المعرفة والتقنية، وأكثر ارتباطاً بأولويات التنمية الوطنية. ويبرز مجلس الأمناء بوصفه محوراً إستراتيجياً في توجيه الجامعة من خلال إقرار رؤيتها ورسالتها وأهدافها، واعتماد سياساتها الأكاديمية والمالية، ودعم البحث والابتكار، والموافقة على المبادرات الاستثمارية المعرفية، بما يعزز دور الجامعة كمصدر للحلول العلمية والتقنية، وشريك فاعل في دعم الاقتصاد وتنمية القدرات الوطنية. ولا يقتصر أثر هذا التحول على تطوير الهياكل التنظيمية، بل يمتد إلى إعادة تشكيل دور الجامعة في التنمية، بحيث تصبح أكثر قدرة على إنتاج المعرفة التطبيقية، وتعزيز الابتكار، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، وتحويل البحث العلمي إلى قيمة مضافة تسهم في رفع التنافسية الوطنية. فالجامعة في العصر الحديث لم تعد جهة تمنح المؤهلات فحسب، بل أصبحت شريكاً في صناعة الحلول، وعنصراً مؤثراً في بناء المزايا التنافسية، وممكناً للتحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة. وقد أكد النظام مبدأ التدرج في التطبيق، حيث يبدأ بعدد من الجامعات في مرحلة أولى، ثم يتوسع لاحقاً وفق جاهزية الجامعات، وهو منهج يعكس وعياً بأهمية التحول المؤسسي المتوازن الذي يبني القدرات ويعزز جودة التطبيق واستدامته. كما تشير التجارب الدولية إلى أن تحول الجامعات إلى منصات فاعلة للابتكار لا يتحقق بمجرد إنشاء مراكز بحثية، بل من خلال منظومة متكاملة تجمع بين الحوكمة المرنة، ودعم البحث التطبيقي، وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص، وتوفير بيئة محفزة للإبداع. إن نظام الجامعات الجديد يجسد تحولاً في مفهوم الجامعة ذاتها، من مؤسسة تركز على إدارة العمليات إلى مؤسسة تصنع القيمة، ومن دور يقتصر على نقل المعرفة إلى دور يسهم في تشكيل المستقبل. وبهذا التحول تصبح الجامعة أكثر قدرة على بناء قدرات وطنية، وأكثر إسهاماً في دعم التنافسية، وأعمق أثراً في التنمية، بما يعزز مكانتها كمحرك رئيس في بناء مجتمع معرفي متوازن ومستدام. عضو مجلس الشورى *