كلَّ أسبوع، نقرأ أفكاراً وتأملات تستقرئ جمال الإبداع في سطور قليلة، لا لنقرأ فحسب، بل لنتنفس المعنى، ونرتشف من نُضج العقول، ما يُنبت في أرواحنا بذور الوعي والجمال.. شذرات أدبية، رحلة في بساتين الفكر، ننتقل فيها من ظلّ شاعرٍ إلى ضوء فيلسوف، ومن دهشة روائيّ إلى حكمة مؤرخ، نستنطق الصفحات، ونصغي إلى همس الكلمات، لنكشف معاً ما تُخفيه شذرات الأدب من كنوز المعنى، وسحر الحرف الذي يُخاطب العقل مع القلب، ويُضيء الطريق، ويترك فينا أثراً لا يُمحى. حيّ الجرادية.. الروائي أحمد السماري في كتاباته تتجلّى جمال الكلمات، وبوح المشاعر، وتفرّد الأسلوب، وعمق التجربة، يأخذنا للغوص في حكايات حيّ «الطرادية» تلك الحارة ذات الطبيعة المتنوعة بالحكايات والشخوض والعادات، يقول عنها كاتبنا القدير السماري: كانت محتاجة لرسام ماهر يضعها في لوحة بريشة الفنان، بل بانوراما يمرر فيها كل الحركات والسكنات التي كانت في الشوارع وخلف الأبواب، وبين النساء والأسر، والتفاصيل الدقيقة للأزقة، ودكان العم سالم الحضرمي، وإعلان المشروب الغازي ملصقاً على بابه الحديدي الصدئ، وعتبة بيت عم عوض التي يجتمع حولها الأولاد يلعبون المصاقيل «البلي»، بعضهم يركب الدراجات الهوائية، والدورة عليها بأربعة قروش، والبعض قعود على الدكة، يتأملون جدراناً مشخبطاً عليها «يعيش النادي الفلاني»، ويتجادلون في نتائج كرة القدم، وأم جهير تبيع لهم المثلجات بصبغة التوت معبأة في أكياس النايلون، والولد دحيم ببسطته «شختك بختك»، والبائع المتجول سالمين وعلى رأسه بقشة تحوي احتياجات نساء الحارة، وينادي «فرقنا.. فرفنا»، والعم سعيد بائع الثلج في موسم القيظ، موعد الآباط المُتعرّقة، وحوله ثلاث بنات يلعبن الخطة، وجارنا مصلح الأعمى بعصاه وهو يسير بصحبة ولده الصغير يدله إلى المسجد الطيني، وصوت مؤذنه أبي حمد، وسيارة الأستاذ إبراهيم من موديل مرسيدس قديمة، ومُربّو الحمام في الأقفاص أو العشش فوق السطوح، وسر الغيّة بتحويمها في الهواء الطلق ساعة الأصيل، تلك السطوح المزينة بالجص على رؤوس جدرانها، ومقويات البث التلفزيوني كأنها سواري سفن بلا أشرعة، وسهرة تلفزيونية مع صوت ماجد الشبل يقرأ شعر أبي فراس الحمداني «أقول وقد ناحت بقربي حمامة..» يشاهدونها من على المراقد المصفوفة كل مساء صيفي. ومجموعة الأزيار مصفوفة ومعبأة بماء السبيل، وصخب السوق الشعبي، وبسطات بيع الخضار والفاكهة، والمأكولات الشعبية وخصوصاً في رمضان، ترسم أحلامهم وأمنياتهم البسيطة، وأما طيبة الناس وتكاتفهم وروحهم المتسامحة، فسيعجز الكثير عن رسمها وإبرازها على وجهها الحقيقي مقارنة بهذا الزمان المادي المتوحش المتنافر. التسامح شجاعة.. المؤرخ والأديب عبدالله بن عبدالمحسن الماضي بحسّه الأدبي العالي يقول عن «التسامح»: ما أحوجنا إلى التعايش، وكف الأذى وبذل الندى، وامتطاء الحلم والصبر ونقاء الضمير، والتحلي بفضيلة التسامح، فالتسامح شجاعة وبراءة. الحلم غالباً ما يكون موهبة، وقد يكون مكتسباً، وقد ينمو عن طريق المجالسة والمعايشة، فالجليس الحكيم يفيدك الكثير. الحلم خصلة تميز بها العديد من المتعلمين والعوام، والحليم قد يُبْتلى ببعض السفهاء لاختبار صبره وتحمله للأذى، فيقف صامداً لا تؤثر فيه سوء التصرفات والمواقف مهما كانت. أُحب عروبتي.. كعشق الكحل لمحجرٍ حاني كغواية الشفاه لأحمرٍ قاني كسحر الليل لحوناً وأغاني.. أحب عروبتي كفتاةٍ تقفوها جديلة كأصالة تقتفيها قبيلة كحقل تلخصه حصيلة .. أحب عروبتي كبيداء، خيولها تعرف المتنبي كعذراء قنوتها صوت يلبي كعنقاء فعلها لازم ومتعدي.! الأديبة إيمان بدوي