هذا صوت المؤذن يأتيه فيغسل كل داخله يقف نشطاً يلقي نظرة سريعة على ساعة معصمه انها الخامسة صباحاً يدس قدميه في "خفه" الابيض تحت السرير يدخل الى حمامه صوت الدش.. له لذة.. المنتشي مع هذا الصباح الباكر يلف جسمه في – روبه – الأزرق على صفحة المرآة – أمامه راح يتابع بعض الغضون التي بدت له على صفحة وجهه لاحظ انتشار الشعر الأبيض على فوديه سريعا أدار بصره الى جهة اخرى ارتدى ثوبه الأبيض.. خرج مسرعاً صوت صدى مكرفونات المسجد الذي بدأ في الارتفاع يشعره بقرب اقامة صلاة الفجر. وقف أمام – باب جبرائيل – التفت الى خلفه تذكر هنا كانت تلك الحارة العتيقة حارة الأغوات تخيل قهوة – طيفور – وفرن الخبز.. والمسقايا وعين الماء وأصوات الساقيين "الآخر".. تذكر عم راجح وهو يخترق الزقاق الملتوي وعلى رأسه – شقة – العيش الساخن.. شعر بغصة في حلقه وصور تلك الشخوص في الحارة ينثال على ذاكرته.. كان – عم – فالح – يجلس في دكة الأغوات بجانب – الأغا – تيسير بلباسه المميز وطرقعات حبات مسبحته يأتيه واضحاً. كان صوت المؤذن وهو يقيم الصلاة يغسله من الداخل ويشعره بحنين لتلك الأيام الخوالي.. كان صوت الامام يتردد صداه في المسجد الواسع.. راح يحلم بذلك الصوت الرخيم الذي تعودت عليه اذناه في هذا الشهر الفضيل وهو يخترق القلوب قبل الأسماع وهو يقرأ سورة الرحمن في هذا الفجر الندي.. بعد الصلاة ارتكن الى احدى اعمدة المسجد غشيته سنة من النوم فراح يتابع فيما يرى النائم. *** هذا باب المصري بكل ما فيه من تفاصيل البيع والشراء، هؤلاء بائعو العيش.. والشريك بكل أنواعه أبو السمسم وأبو السمن.. وهؤلاء بائعو النعناع والورد وحبات ليمون ابن زهير وتختلط الأصوات فطورك ياصائم يرددها بائعو السمبوسك والقطايف والطرمبا.. تخطى بائع – السوبيا – انه لا يشربها، وبالذات في هذا الشهر الكريم هكذا تعود طوال حياته. وقف أمام دكان عم – شحات – في طرف سوق الطباخة وهو يفرد على طاولته عجينة "السمبوسك" في نزاكه فارطة.. ثم ذهب الى دكان عم حسن اللي في مدخل الزقاق كان الزحام حوله كثيفاً مد له قدر الفول الصغير ليذهب الى جانبه الى عم يوسف بائع الجبنية اخذ حبات منها راح مسرعاً الى البيت، وضع كل ذلك أمام أمه.. وخرج ثانية، باقي على المغرب أكثر من ساعتين. كانت أمه قد رصت أطباق المهلبية تحت "مرفع" الماء بعد أن غطتها بقماش من الشاش الأبيض.. عند عتبة الباب كانت – فاطمة – ابنة الجيران تدخل مسرعة تحاشاها.. تبادلا نظرات الارتياح راح يقفز من على قنطرة الماء المتسربة من بئر – الحوش – وهو مرتاح البال سعيد الحال.. تذكر قول أمه وأمها فاطمة لعبده وعبده لفاطمة. *** كانت البشكة عند دكان – خميس – ذلك الاسكافي الأنيق في ملبسه وعمله عندما توقف – عبدالله بذلك – الجيب – العتيد من ماركة – الفورد – بلونه الزيتي الداكن كان خليفة أول الراكبين ليلحق به الجميع للذهاب الى بئر عثمان في سلطانة بجانب الربخية.. في تلك المزرعة التي تحوي بعض الأبقار، وبعض الدواجن المختلفة وذلك الطاووس والبط السابح في أحواض المياه يشكلون منظراً جميلاً.. كان خليفة حريصاً على الايتيان منها ببيض الدجاج.. كان رجلاً أبيض القلب سمح النفس.. كان إنساناً حمولاً لكل أخطاء "الشلة" الذين يتعاملون بروحية صادقة معه. كان أكثر تسامحاً عندما التقط "محمد السلك" عصا وراح يضربه بها ضاحكاً، وهو يؤنبه على تأخره عن الحضور، وكان حاملاً بعض الحاجات من الشريك الحار في يده متحملاً ذلك "الضرب" كانا لحظتها أمام مبنى البلدية، الشلة في ذلك الجيب يتابعون ذلك عندها ارتفع صوت حسين ضاحكاً على ذلك المشهد. ** كان عم أبو صلاح بفانوسه بذبالته المرتعشة وهو يجر حماره وصوته الناعم الساحر تردد صداه بيوت ذلك الحي: يا نائم وحد الدائم سحورك يا صائم اذكر الرحمن في قلبك قبل ان يفوتك الزمان يا نائم وحد الدائم كان السعيد من أبناء – الحي – من يكون صاحياً ليسمع ذلك النداء الذي يأتي متخللا كل النفوس في رقته العجيبة. *** فجأة غمزه أحد المصلين المارين بجانبه في قدمه لينتبه من – سنته – التي حسبها طالت، كانت الشمس قد شملت بعض أرجاء المسجد، نظر الى – المار – نظرة ضمنها غضبه له بعد أن أخرجه من حلمه الذي كان يعيشه.. خرج من المسجد مسرعاً.. ذهب الى دورة المياه سبغ الوضوء وعاد الى المسجد صلى ركعتين وذهب الى الواجهة الشريفة تمتم بكل ما يعرفه من آداب الزيارة ثم انتقل الى الروضة الشريفة ادى ركعتين بنية الزيارة. *** خرج من باب السلام تذكر موقع شارع العينية انه امام هذا الباب بالضبط.. ذلك الشارع البهي في مثل هذه الليالي بكل حوانيته.. ودكاكينه المتداخلة بكل أنواع ما يعرض فيه.. بجانبه سويقة قال لنفسه مستدركاً انه سوق القماشة بل جو المدينة فراحت الصور تنثال على مخيلته.. في حالة وجد لا تنسى لمثل هذه الأيام. *** أوف.. حرارة الشمس تذكره بحرارتها أيام زمان التي لا يشعر بحدتها مع انعدام وجود وسائل التبريد الموجودة الآن تساءل لماذا هذا – الحال - ؟ امتطى سيارته.. كأنه في حالة حلم جميل في ليلة صيف رمضانية لا تنسى.