دائماً أميل إلى الأماكن البعيدة.. لا بالمسافة، بل بالمعنى في الليل، أحمل تلسكوبي وأخرج بعيدًا أرفع بصري إلى السماء لا لأرى فقط، بل لأتأمل وأبحث. أرى نجومًا بدأ ضوؤها رحلته قبل أن أولد منها ما يعود لمئات السنين، ومنها ما يمتد إلى ملايين السنين وأشعر بشيء غريب صغري أمام هذا الاتساع ومع ذلك أشعر بسكينة عجيبة، كأن هذا المشهد يحتضنني بدل أن يُشعرني بالضياع. أطيل النظر ويطول الصمت داخلي يهدأ شيئًا فشيئًا، وأردد في نفسي:(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَنْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ،) (النمل 88) فأشعر أن هذا الجمال ليس عشوائيًا، بل متقن بإحكام. وكلما تأملت أكثر، تذكرت قوله تعالى:( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ،) (الملك 3) فأحس أنني لا أنظر فقط.... بل أقرأ آيات مفتوحة في السماء. ثم جاءت تجربة الغوص... وفي البداية كان كل شيء حيا، ألوان وضوء وحركة، لكن كلما نزلت أكثر بدأ العالم يتغير الأصوات اختفت والألوان تلاشت، وصار كل شيء أهدأ... أعمق. شعرت وكأنني أترك العالم خلفي، وأدخل عالمًا آخر لا يشبه ما اعتدت عليه. وهناك، في ذلك السكون لم أعد أنظر إلى عالم... بل أصبحت جزءًا منه، أتحرك ببطء، أتنفس بوعي، وأشعر بكل لحظة وكأنها ممتدة. رأيت مخلوقات لم أكن أتصور وجودها، حياة تسير في صمت في مكان لا يصل إليه الضوء، فتوقفت لحظة... وتأملت، وقلت في داخلي:( وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ،) لنحل 8) فازداد عجبي، واتسع إدراكي أن ما أراه مجرد جزء صغير جداً من خلق أعظم. في السماء كنت أنظر إلى المجهول... وفي البحر كنت أعيشه، وبين هذين العالمين تكوّن داخلي شعور لا أستطيع وصفه بسهولة، شعور بالرهبة الهادئة، بالسكينة العميقة، وكأنني أقف على حافة شيء أكبر من قدرتي على التعبير. أشعر أنني لا أقف هنا لأفهم كل شيء، بل لأتأمل، لأعيش هذه اللحظة كما هي بسكونها وهيبتها، وأستشعر ما وراءها. أتذكر قول الله تعالى :( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )( آل عمران 190) أنا بين سماء لا نهاية لها... وبحر لا يُرى قاعه، وأنا في المنتصف أنظر إلى الأعلى فأرى آيات، وأنزل إلى الأسفل فأرى آيات أخرى، وفي كل مرة يزداد يقيني، ويهدأ قلبي، وأشعر بقرب مختلف... قرب لا يُرى، لكنه يُحس. هذا كله.. ليس مجرد مشاهد، بل تجربة تغيّرني من الداخل تجعلني أعود كل مرة بشيء جديد بشعور أعمق، وبنظرة أوسع، وأدرك أن أعظم ما في هذه الرحلة.. أنني لا أكتفي بالرؤية، بل أتعلم كيف أتأمل. وفي كل مرة أعود لا أعود كما كنت.. أعود بشيء هادئ في داخلي بشعور أعمق، بنظرة أوسع، وكأن هذه الرحلة تغيرني من الداخل دون أن أشعر. لا أبحث عن نهاية، ولا عن إجابة كاملة، بل أجد نفسي أكثر ميلا للتأمل، وأكثر قدرة على الشعور بعظمة الله. تعلمت أن أعظم ما يمكن أن أصل إليه ليس أن أفهم كل شيء، بل أن أقف صامتًا، أتأمل، وأشعر، وأستشعر عظمة الله، وعظيم خلقه سبحانه.