قبل سنوات خلت، كان آرثر والاس يقف على ربوة من الارض، وهو يتجاذب اطراف الحديث مع صديق له من المزارعين. يومئذ عرف أن السماء خلقت لشيء سوى معرفة الانواء والاجواء والبرد والحر... وكان صديقه هذا اشبه بالفلاسفة. قال له يوماً "ستظل قسوة الغاب ووحشيته مسيطرتين على أفكار البشر وأعمالهم، حتى يتيسر لهم ان يجعلوا للسماء نصيباً من السيطرة على تفكيرهم". وهذه كلمة صحيحة تماماً على المستوى العقائدي، وعلى المستوى الفكري البحت، وعلى مستوى الجمال الفني. كانت هوايتي منذ طفولتي هي التأمل في السماء. لم أكن أحب فصل الصيف لأن السماء فيه تخلو من السحب، أما فصل الشتاء فيعني سماء مبلدة بالسحب.. ويعني تلاحق المشاهد حين يتغير المنظر الطبيعي كل ثوانٍ. كنت ألعب في طفولتي مع السحب، أتأمل السماء فأرى سحابة على شكل تمساح.. أو أرى سحابة على شكل فيل يجري وراء فيل آخر، او أرى شجرة هناك جوار بيت صغير وسط السحب... بيت يستدعي الخيال، ويتصور الانسان انه صار من سكان هذا البيت الذي لا يوجد إلا وسط السحاب. وما زلت حتى اليوم أتأمل سحب الشتاء واتصور أنها مخلوقات من عالم الحيوان او الطيور او الكائنات البشرية. وقد هويت الرسم فترة في حياتي، ولكنها كانت فترة قصيرة، كنت اتأمل اللوحة بعد أن تنتهي، واقول في نفسي ان الفنان البشري اذا رسم لوحة، تجمدت اللوحة في آخر خط فيها... لوحة ثابتة... لا تتحرك، قارن بين أي لوحة رسمها أعظم عباقرة الرسم في العالم، قارن بين هذه اللوحة، ولوحة السحاب المتحرك الذي يأخذ كل ثوانٍ شكلاً جديداً، وتسبح داخله ألوان لا تخطر ببال فنان بشري ولا يقدر عليها سوى بديع السموات والارض. ان اللوحات الإلهية لا تتجمد على شكل واحد، ولا تثبت في مكانها انما هي في حركة مستمرة. ظللت مشدوداً الى السحاب، خصوصاً حين الغروب وساعة الشروق، ان ملايين اللوحات تتبدى في هاتين الفترتين، ويستطيع المرء ان يشاهد فيهما آيات من آيات الخالق وقدرته على جمال لا مثيل له في أي مكان أو زمان آخر. ما هي آخر مرة نظرت فيها الى السماء؟ سؤال طرحته على أكثر من صديق.. وكانت الاجابات ان مشكلات الحياة لا تدع للانسان فرصة يتأمل في جمال السماء. نحن نعرف اليوم من تقدم العلوم وعلم الفلك بالتحديد، نعرف ما لم نكن نعرفه منذ قرون. نحن نعيش فوق أرض باطنها لهيب، وفوق هذا اللهيب بحار ومحيطات. أي أننا نعيش فوق كرة ارضية، نعيش فوق اليابسة، ونشرب من البحار بعد أن يتبخر بعض مائها ويتحول الى أنهار. كيف جمع الله بين النار والماء فعاشا معاً في سلام وفوقهما ارض يابسة تحولت الى قارات ومدن وحياة بشرية. نحن نتأمل السماء في ليلة صافية، فنرى القمر مثل قرص من الفضة ونرى الشمس مثل قرص من الذهب. ونعلم من علومنا ان الشمس هي مصدر الطاقة، ولولاها ما نمت شجرة على الارض او نضج طعام. هذه الشمس التي تبدو مثل قرص من الذهب، والنجوم التي تبدو مثل قطع من الماس في ثوب اسود سابغ، هذا كله - كما نعرف اليوم من علومنا - هو انفجارات نووية، وليست النجوم غير شموس بعيدة، وليست الشمس سوى نجم قريب. نعرف من علومنا أن الضوء هو أسرع كائن في الكون. ان شعاع الضوء يجري بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية، وأي شيء يسير بهذه السرعة يتحول الى ضوء. كم عدد نجوم السماء؟ ان السماء تتكون من مجرات، والمجرات مدن نجمية، وكل مجرة فيها بلايين النجوم. ولا يعرف عدد نجوم السماء أو روعة الكون سوى خالق النجوم والشجر. ونحن نعيش في عالم مدهش، هو عالم السماء والنجوم، وهو عالم يتسع كلما اتسع إدراكنا العلمي، ويكبر كلما كبرت مناظيرنا. وعلى رغم الاعجاز الذي يضمه الجسم البشري، وهو اعجاز يحير المرء كلما زاد في تأمله، على رغم اعجاز الجسم البشري فإن في السماء اعجازاً أكبر، وقد حدثنا الخالق ان خلق السماوات والارض أكبر من خلق الناس. ان النجوم علامات يهتدي بها البشر "وبالنجم هم يهتدون". هذا في البعد، أما في القرب فإن النجوم تتحول الى جحيم مروع... بهذه الآيات كلها يقودنا النظر الى السماء الى راحة العقل وسكينة القلب.