نحن سكان الأرض نتمتع بنعمة قلما نفكر فيها، بل نكاد نأخذها قضية مسلمة كالهواء الذي نعيش فيه. هذه النعمة أننا نعيش في جو شفاف، إن بعض السيارات الأخرى كالزهرة والمشتري لها أجواء مثقلة بالسحب الى حد يجعلها معتمة تماماً، فلو أننا ولدنا على سطح الزهرة أو المشتري لقضينا حياتنا دون أن نبصر من خلال السحب شيئاً، وإذن لما علمنا شيئاً عما يتجلى في السماء ليلاً من جمال وشعر. والحقيقة أن الحياة المعاصرة بما فيها من تلوث وأبخرة ومصانع ودخان قد قامت بصنع هذه السحب الداكنة التي تحجب منظر السماء وتخفيه، أيضاً فإن العمارة الحديثة وأساليب البناء وتكدس الناس في غرفات مغلقة مكيفة الهواء، قد منعهم من النظر الى النجوم. إن أحداً لا يتطلع اليوم الى النجوم إلا إذا كان عالماً من علماء الفلك، وينظر في السماء نظرة الباحث عن جواب لسؤال. يقول سير جيمس جينز عالم الفلك البريطاني إن أول إنسان وجه نظره إلى السماء، اعتقد أن النجوم على مسافة بضع ياردات أو ربما بضعة أميال فوق رؤوسنا. وهذا الذي يبدو لنا هو في حقيقته عكس ذلك تماماً، أن المسافات بين النجوم هائلة إذا قيست بالمسافات الأرضية. لهذا السبب، اكتشف العلماء وحدة جديدة لقياس المسافات بين النجوم، هي السنة الضوئية. إن الضوء هو أسرع مادة نعرفها في الكون الذي نعيش فيه، إن شعاع الضوء يسير بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية، فإذا قلنا إن هذا النجم يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، كان معنى هذا أن الشعاع يستغرق - بسرعته الهائلة - أربعة آلاف سنة حتى يصل إلينا. إن الأرض.. والشمس.. والكواكب تحتل في مجرتنا ما تحتله هباءة صغيرة في كون يستحيل أن نرى نهايته. ونحن نعرف من تقدم علم الفلك أن النجوم تولد وتموت.. شأنها شأن الخلائق التي خلقها الله جميعاً، وهناك نجوم نراها في السماء مضيئة تتلألأ، رغم أنها في الحقيقة ماتت وانطفأت، وما نراه منها هو شعاعها الذي استغرق آلاف السنين الضوئية أو ملايين السنين الضوئية حتى نجح أن يصل إلينا. ونحن نعرف اليوم أن النجوم هي انفجارات نووية جبارة، وهي لا تؤذينا لأنها بعيدة عنها مسافات لا يستطيع العقل البشري تصورها، وليست الشمس التي نستمد منها طاقة الحياة سوى نجم قريب نسبياً. ويتكون الكون من مجرات، والمجرة ليست سوى سحابة من نجوم كثيرة مبعثرة كالتراب الفضي الدقيق على البساط السماوي الذي يشبه القطيفة وعدد المجرات مجهول. وعدد النجوم في المجرات أيضاً مجهول، لا يعرف هذا وذاك سوى الله وحده، سأل أحد الملوك شيخ العلماء يوماً عن عدد النجوم، وحدثه العالم أن عددها هو 7 آلاف ألف ألف نجمة، فلما تشكك الملك في الرقم قال له العالم: - يستطيع مولانا أن يعدها بنفسه، وسوف يرى أن الرقم صحيح. وهذه الإجابة الساخرة هي خير تعبير عن استحالة عد النجوم. هل يمكن السفر بين النجوم؟ لقد نجح الإنسان في أواخر القرن العشرين أن يسافر بين الكواكب. ولكن السفر بين النجوم يستحيل على غير الضوء، الضوء وحده هو الذي يسافر بين النجوم بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية، وأي شيء يسير بهذه السرعة يتحول الى ضوء، ولن يبلغ الضوء نهاية المجرة لأن الكون يتمدد ويتسع، فكلما سار الشعاع الضوئي لم يستطع أن يلحق بنهاية المجرة لأنها هي الأخرى تسير مبتعدة في خلاء لا يعلمه سوى الله.. ما هو شكل الكون؟ صحيح أن الكون هائل الضخامة بالغ الكبر، ولكنه مع ذلك ليس لا نهائي الكبر، وإنما هو شيء نستطيع تعيين حدوده. لم يكن علم الفك هو الذي اكتشف أن الفضاء له حدود، وإنه يجب أن ينثني على نفسه وتكون له نهاية، مثلما أن له بداية.. إنما كان من اكتشف ذلك هو اينشتين عالم الرياضة الشهير في نظرية النسبية. هذا الكون الهائل الذي يتمدد.. ماذا يجري فيه الآن؟ إن نجوماً تولد ونجوماً تموت وتنطفئ.. وهناك مذنبات وشهب تصطدم بكواكب، وتنتشر منها كرات هائلة من اللهب يبلغ عرضها أحياناً 1200 ميل فوق سطح الكوكب، مثال ذلك ما حدث من اصطدام مذنب مع كوكب المشتري، وقال العلماء إن القوة الانفجارية لهذا الاصطدام تعادل مليون قنبلة ذرية مثل قنبلة هيروشيما. أيضاً كشفت مجلة علمية عن وثائق تابعة لوزارة الدفاع الاميركية أن الغلاف الجوي للأرض شهد 136 انفجاراً لأحجار نيزكية أو شهب عملاقة خلال 17 عاماً الماضية أما علماء الفلك الفرنسيين فقد اكتشفوا اضخم هيكل تم التوصل إليه حتى الآن في الكون، وهو مجموعة ضخمة من المجرات التي تتخذ شكل الشرنقة، والتي لا يوجد لها تفسير في النظريات العلمية الحديثة، وأعلن علماء الفلك في مؤتمر عقد في استراليا أن الهيكل العملاق يتكون من 27 ألف مجرة تضم تجمعات من النجوم والكواكب، ويبلغ نصف قطرها حوالي 290 مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية كما نعرف هي المسافة التي يسافرها الضوء خلال عام بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية.